جدلية القوة والتغيير في الصراع الأمريكي-الصيني

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

حاول الرئيس الأمريكي أن يصطاد الصين بمصيدة فيروس كورونا فوقع هو فيها. ترامب وجه اتهامات للصين بأنها صنعت الفيروس في أحد مختبرات الأبحاث البيولوجية في ووهان. وأعلنت الصين قبولها إجراء استقصاء دولي بشأن وباء كورونا، لكنها رفضت تسييس الفيروس، وطلبت ان يتم الاستقصاء بواسطة جهة علمية مستقلة لا علاقة لها بالسياسة.

وبينما ما زال الجدل دائرا بين واشنطن وبكين، فإن جامعات ومراكز للبحوث الطبية في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان، أعلنت خلال الأسبوع الأول من أيار/مايو نتائج عدد من الدراسات التي تؤكد ان فيروس كورونا كان موجودا في الولايات المتحدة وأوروبا وأماكن أخرى من العالم قبل أن يكتشفه العلماء والأطباء الصينيون في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي. كما أعلن مكتب عمليات المخابرات الأمريكية عدم وجود دلائل تشير إلى ان الفيروس تم تصنيعه وإطلاقه، أو أنه تسرب بطريق الخطأ من معامل ووهان ليصيب الإنسان، وينتشر في كل أنحاء العالم.

منظمة الصحة العالمية أيضا استبعدت فرضية أن الفيروس تم تخليقه أو تحوير خصائصه الوراثية مختبريا، وقال مديرها إن الأمر يحتاج إلى استقصاء علمي وليس إطلاق اتهامات سياسية قد تؤدي إلى إعاقة المجهود العالمي لمكافحة الوباء. كما وجهت المنظمة نداء إلى كل الدول الأعضاء بمراجعة حالات الوفيات الغامضة بسبب مشاكل في الجهاز التنفسي خلال الأسابيع القليلة السابقة على اكتشاف فيروس كوفيد-19 في ووهان.

الشعور القوى في الصين تجاه الاتهامات الأمريكية هو أن الإدارة بقيادة دونالد ترامب، بسبب فشلها صحيا واقتصاديا في مواجهة الوباء تسعى لابتزاز الصين واستخدامها لمساندة الاقتصاد الأمريكي المتهاوي، خصوصا بعد أن ارتفع رقم طالبي إعانات البطالة إلى 33 مليون شخص وتوقعات الكساد الاقتصادي. وقد أضاف ترامب إلى اتهاماته للصين تهديدات بفرض رسوم تجارية انتقامية على الواردات إذا ثبت أنها لم تنفذ اتفاق المرحلة الأولى من عملية تسوية الحرب التجارية بين الطرفين الذي تم التوصل إليه في كانون الثاني/يناير الماضي. وقالت الصين انها جادة في تنفيذ الاتفاق لكن الصعوبات الاقتصادية في الولايات المتحدة تحول دون توفر السلع التي تستوردها الصين من السوق الأمريكية. وضرب الصينيون مثالا بوارداتهم من اللحوم قائلين، إن إغلاق نسبة كبيرة من المجازر بسبب كورونا أدى إلى نقص الواردات منها. وقد سجلت التجارة المتبادلة بين الطرفين انخفاضا بنسبة 13 في المئة تقريبا في نيسان/أبريل، حيث تراجعت واردات الصين بنسبة 3 في المئة وهبطت صادراتها للولايات المتحدة بنسبة 14 في المئة تقريبا على أساس سنوي.

ولم تتوقف الحملة الأمريكية ضد الصين على التهديد بفرض رسوم جمركية انتقامية، وإنما تضغط واشنطن على حلفائها حول العالم من أجل تقليص علاقاتهم التجارية والتكنولوجية مع الصين، وترويج فكرة كونها مصدر فيروس كورونا ويجب أن تخضع لعقوبات دولية وأن تدفع تعويضات لضحايا الوباء والخسائر الاقتصادية التي ترتبت عليه.

أجهزة المخابرات الأمريكية حركت عملاء لها على مستوى العالم لرفع دعاوى قضائية تطالب الصين بدفع تعويضات تقدر بترليونات الدولارات بدعوى مسؤوليتها عن إصابة العالم بوباء كورونا. وبدأت حملة في هذا الخصوص بدعوى رفعها محام أمريكي في محكمة إحدى الولايات، ثم انتشرت في أنحاء مختلفة من العام منها الهند ودول أخرى!

تعافي الصين

في المقابل فإن الصين خرجت من الوباء وتتعافى الآن بجهودها الذاتية، بينما الولايات المتحدة أصبحت أكثر الدول إصابة بالفيروس، حيث تستحوذ على ما يقرب من ثلث الإصابات والوفيات. كذلك حققت الصين إنجازات مبهرة على صعيد تطوير أدوية ولقاحات لعلاج الإصابة بالفيروس أو الوقاية منه. على سبيل المثال فإن المختبرات الصينية أنتجت وحدها أربعة لقاحات دخلت حيز التجارب الإكلينيكية، وهو ما يزيد عما انتجته كل دول العالم المتقدمة بما فيها الولايات المتحدة التي أنتجت ثلاثة لقاحات فقط دخلت إلى حيز التجارب الاكلينيكية، منها لقاح واحد في بريطانيا، وواحد في الولايات المتحدة، وثالث يتم تطويره مشاركة بين ألمانيا والولايات المتحدة.

انتقال محور القوة شرقا

 

الحرب الأمريكية على الصين تحمل في طياتها مصلحة مباشرة للرئيس الأمريكي الذي يسعى لإعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وذلك بتأجيج المشاعر القومية ضد عدو خارجي، وتعبئة الصوت القومي للأمريكيين البيض لمصلحته كما فعل في انتخابات 2016. لكن هذه المصلحة المباشرة تخفي وراءها تحولات عميقة على المستوى العالمي تتجاوز كثيرا حدود الغبار الذي يثيره الجدل حول كورونا أو فوز الرئيس في الانتخابات.

ويعتبر صعود الصين في القرن الواحد والعشرين علامة فارقة في تاريخ البشرية، وتحولا جيوستراتيجيا جوهريا في العلاقات الدولية، سيمتد تأثيره لعقود طويلة مقبلة. ويأتي هذا الصعود في ظل تحولات عالمية واسعة النطاق في هيكل القوة، وتنظيم الإنتاج، وأدوات ممارسة العلاقات الدولية، حيث ينتقل محور القوة عموما من الغرب إلى الشرق، وتنتقل أساليب تنظيم الإنتاج من تقسيم العمل التقليدي إلى سيادة شبكات المعلومات وسلاسل صنع القيمة، ويتراجع دور الحكومات في صنع العلاقات العالمية لصالح زيادة دور التنظيمات غير الحكومية من الشركات المتعددة الجنسية العملاقة إلى منظمات العمل الأهلي ذات الدور العالمي، ويتحول العالم كله بسرعة إلى التكنولوجيا الرقمية في كل مجالات الحياة.

ومن ثم فإن ما نشهده حاليا من صراع بين الولايات المتحدة والصين لا يجوز اختصاره في تناقض المصالح بين دولتين، لكل منهما نظامها الاقتصادي والسياسي ومنظومة القيم ذات الأسس والأهداف الإنسانية المختلفة.

وقد كتبت في هذه الصحيفة في حزيران/يونيو الماضي أن الصراع بين القوتين الأعظم في العالم حاليا هو أكبر بكثير من مجرد حرب تجارية تشنها أمريكا على الصين، وقلت إنها حرب باردة جديدة، تخوضها الولايات المتحدة بأسلحة الحرب الباردة التقليدية، التي خاضتها ضد روسيا السوفييتية، وهي في حربها ضد الصين تستدعي خبرتها السابقة وتستعين بالأدوات نفسها التي استعانت بها في الانتصار على الروس، ولا تقدم جديدا.

وتتضمن حقيبة أدوات الصراع استخدام جماعات منشقة من أجل إثارة الاضطرابات في الصين، كما هو الحال في دعمها للاحتجاجات السياسية في هونغ كونغ، وممارسة استفزازات عسكرية ضد الصين كما يحدث في بحر الصين الجنوبي، ليس بغرض استدراجها لمواجهة عسكرية، ولكن لتغذية سباق التسلح بما يساعد على استنزاف موارد الصين، وإقامة قواعد الصواريخ بالقرب من الحدود الصينية، وكذلك استخدام قوى إقليمية أو دول مجاورة للصين في ممارسة سياسات عدائية داخل الإقليم، منها فيتنام والهند وتايوان. كما توجه الولايات المتحدة سهامها إلى نظام الحكم والحزب الشيوعي وتتهمه بمصادرة الحريات المدنية وممارسة الاستبداد. ويعتبر الهجوم على الحزب الشيوعي الصيني، وعلى منظومة القيم السائدة هناك هدفا رئيسيا من أهداف الحرب الباردة، تماما كما كان في الحرب ضد روسيا السوفييتية. ولم تضف الولايات المتحدة جديدا إلى حقيبة الأدوات والأساليب التي استخدمتها سابقا ضد روسيا السوفييتية. وهي أدوات وأساليب تعلمت الصين دروسها جيدا، وأصبحت قادرة على الالتفاف حولها وإفشالها.

تحول عدائي

 

وكان صعود ترامب إلى السلطة عام 2016 نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الصينية للمرة الأولى منذ رئاسة ريتشارد نيكسون، ويمثل جزءا لا يتجزأ من انقلاب كبير في السياسة الخارجية الأمريكية، انتقل بالولايات المتحدة من دور قيادة التحالف الغربي ككل، إلى دور تغليب المصالح الأمريكية على ما عداها، بما في ذلك مصالح حلفائها في حلف الأطلنطي. فقد خاض ترامب حملته الانتخابية على أساس شعار “أمريكا أولا” وهو الآن يخوض حملته الثانية على أساس الشعار نفسه. وقد اعتبر فوزه تفويضا له بتغيير استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة وسياستها الخارجية. وبناء على ذلك فقد أصدر توجيهاته لمساعديه في مجلس الأمن القومي بإعداد استراتيجية جديدة على أساس شعاره الانتخابي، واستغرق الإعداد حوالي 11 شهرا حتى صدرت في كانون الأول/ديسمبر 2017.

يقول عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي إن هذا الشعار يعني عمليا إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة بمنطق تحقيق المصالح الأمريكية على حساب الآخرين. وقد رأينا بالفعل خلال أزمة فيروس كورونا أن الرئيس الأمريكي وكل أجهزة إدارته، كانوا يعملون لصالح الولايات المتحدة فقط. ووصل تطبيق مبدأ “أمريكا أولا” إلى حد القرصنة على شحنات أدوية ومستلزمات طبية كانت في طريقها إلى دول حليفة مثل كندا وألمانيا وفرنسا، ما أثار غضبا بين شعوب وحكام تلك الدول. كذلك لا يخفي الرئيس الأمريكي رغبته في احتكار أدوية كورونا المستجد، واستخدامها كسلاح سياسي لفرض سيطرة الولايات المتحدة على صحة العالم.

وقد أدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد ترامب إلى تراجع مكانتها الدولية من المركز الأول في جدول القوة الناعمة على مستوى العالم عام 2016 إلى المركز الخامس في عام 2019. وهي مستمرة في التراجع.

هذا التدهور في المكانة العالمية للولايات المتحدة ليس من صنع الصين، ولا علاقة له بارتفاع مكانتها، بل يرتبط مباشرة بضعف القدرات الذاتية وبتحولات في السياسة الأمريكية نفسها، تجاه حلفائها وخصومها في آن واحد؛ فإذا أضفنا لذلك تأثير التحولات التي تجتاح العالم، وبمقارنة ذلك بمقدار التحولات الهائلة التي تحققها الصين سندرك على الفور لماذا نشهد بداية أفول القوة الأمريكية. لكن هذا لا يعني نهاية أمريكا كواحدة من القوى الرئيسية في العالم، فهي ما تزال الأكثر تأثيرا حتى الآن في ميادين الثقافة والتعليم والتكنولوجيا الرقمية، إضافة إلى أهمية قوتها العسكرية والاقتصادية.

أسلحة الصين السحرية

الصين في المقابل تخوض صراعها مع الولايات المتحدة وهي مسلحة بثلاثة أسلحة رئيسية، الأول انها واعية بكل دروس الحرب الباردة السابقة بين أمريكا وروسيا، والثاني هو الثقة في المستقبل، وعدم تعجل النتائج والعمل بدقة من أجل خلق حقائق جديدة لا تتزحزح لتحقيق تفوقها عالميا في كل المجالات من تكنولوجيا القطارات الفائقة السرعة إلى تكنولوجيا الفضاء الأكثر تفوقا على نظيرتها الأمريكية. أما السلاح الثالث فيتمثل في إدارة السياسة الخارجية على أساس مبدأ الربح المشترك (أنت تكسب وانا أكسب) وليس طبقا لمبدأ الفائز يحصل على كل شيء، وذلك وصولا إلى إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب لا يعكس الهيمنة السياسية والعسكرية بل القدرة على المنافسة في إطار منظومة عالمية مشتركة من سلاسل الإنتاج والإمدادات وشبكات المعلومات والتواصل. ولهذا أصبحت الصين الأكثر تطورا في العالم في مجال شبكات الجيل الخامس من نظم المعلومات والاتصالات، وفي مجال العملة الرقمية، كما إنها تسهم وحدها بنسبة 20 في المئة تقريبا في شبكات الإنتاج والإمدادات العالمية.

ولا تخفي الصين هدفها في التحول إلى قوة عالمية كبرى على رأس النظام العالمي. وهي تعمل على أن يتحقق ذلك في عام 2050 وفق استراتيجية منشورة وليست في الخفاء. وطبقا لهذه الاستراتيجية فإنها معنية بتطوير قوتها الشاملة، وحريصة على عدم الدخول في مهاترات سياسية، أو صراعات جانبية تجارية أو تكنولوجية أو عسكرية أو دبلوماسية يمكن أن تتسبب في انحرافها عن تحقيق أهدافها. وتلعب قيادة الرئيس الحالي شي جين بينغ دورا حاسما في توجيه المكتب السياسي للحزب الشيوعي، ولجنة الدولة (مجلس الوزراء) إلى التمسك بالأولويات المحددة سلفا. وقد اكتسب شي نفوذا متزايدا منذ عام 2012 حتى أصبح أقوى زعيم في تاريخ الصين الحديث بعد ماو تسي تونغ مؤسس الصين الحديثة.

واستطاعت الصين حتى الآن تقليل أضرار الحرب التجارية والتهديدات والاستفزازات الأمريكية، ونجحت في تحييد تفوق القوة الأمريكية، وفي توسيع وتطوير نوعية قوتها الذاتية، وفي اقتحام مجالات جديدة تضعها في موقع ريادي على المستوى العالمي، مثل الهبوط على الجانب الأبعد من القمر، والاستعداد لإرسال سفينة فضاء إلى كوكب مارس، وتطوير تكنولوجيا 5G وبناء شبكة علاقات اقتصادية قوية من خلال مبادرة الحزام والطريق. الصين غير معنية بالهجوم على الولايات المتحدة، ولكنها معنية ببناء صرح للقوة يمنحها صلاحية القيادة والريادة على المستوى العالمي لفترة طويلة مقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية