المخرج بارك شان ووك: السينما الكورية الجنوبية تجني ثمار ربيع سييول

حجم الخط
0

محمد بلوش قصة السينما في بلد آسيوي ككوريا الجنوبية، قصة فيها غموض وتشويق.

ومرد كل ذلك، كون الكوريين عرفوا الإنتاج السينمائي بشكل مبكر تقريبا، يحدده جل مؤرخي السينما في 1919، لكن دون أثر لتلك الإرهاصات، ودون أدنى إمكانية أمام الناقد أو الباحث للتقييم والدراسة.

فقد تعرضت كوريا الجنوبية إلى عدة اهتزازات سياسية منذ أوائل القرن العشرين، اهتزازات يمكننا تلخيصها بإيجاز في الاحتلال الياباني الذي دام حوالى خمسة وثلاثين عاما ( 1910/1945)، تلته مباشرة الحرب الكورية التي بدورها دامت أربع سنوات( 1950/1953)، قبل أن تعاني البلاد من نظام عسكري متسلط وديكتاتوري ( 1967/1992). المعضلة الكبيرة التي سيتم رصدها بعد نهاية تلك الاهتزازات، تتجسد في كون كل الأفلام المنتجة إلى حدود 1946 قد تعرضت للتدمير، وجزء منها اختفى بشكل غريب، وكأن شيئا لم يبدع أو ينتج، في ضريبة متعسفة الأصول أجبر الفني والثقافي على أدائها بفعل سطوة السياسي.

كان على السينما الكورية أن تنتظر الى حدود فترة الثمانينيات، لتشهد نوعا من الانبعاث على مستوى الانتاج والنوعية، بفضل ما سيعرف بموجة (ربيع سييول)، وهي الموجة التي اقتبست الكثير من المعالم والتوجهات من الموجة الجديدة في فرنسا، تلك الموجة التي غذاها مخرجون كبار من حجم تروفو وغودار، دون أن تتخلص الموجة الكورية من سمات التعبيرية الالمانية، التي ظلت بصمات التأثر بها حاضرة في انتاجات مخرجين كوريين، كما هو الامر مثلا في أفلام كل من (باي يونغ كيون)، (لي شانغ هو) و(بارك شان ووك). ولد المخرج (بارك شان ووك) في الثالث والعشرين من أغسطس عام 1963، ومنذ مرحلة الصبا، كان له ميل وعشق جنوني لسحر السينما ونجومها، الامر الذي جعله في مرحلة الفتوة يبادر الى تأسيس ناد سينمائي لعب دورا كبيرا في نمو مداركه الخاصة بالتقنيات السينمائية، خاصة الكتابة السيناريستية وادارة الممثلين والاخراج عموما.

اثناء مراحل دراسته الجامعية في شعبة الفلسفة، لم يكن (بارك) ليتخلى أبدا عن أحلامه الطفولية، ليقتحم مجال السينما أول الامر ناقدا سينمائيا محترما، نشر العديد من مقالاته في منابر متعددة، كما نشر كتابه (متعة مشاهدة فيلم سينمائي). وعن المؤثرات الاساسية التي أثرت في طموحاته السينمائية، يعترف (بارك) باستمرار بأنه قد قرر التفكير في الاخراج السينمائي منذ مشاهدته لفيلم ‘عرق بارد’ (1953) للمخرج الامريكي (الفريد هيتشكوك)، والذي قام ببطولته كل من جايمس ستيوارت وكيم نوفاك.

ولن يلج مجال الاخراج السينمائي بشكل مباشر الا في حدود سنة 1992، السنة التي تميزت بإخراجه لفيلم من أفلام الحركة (Moon is The Suns Dream)، تلاه سنة 1997 فيلم يعتمد على رسم معالم الشخصيات الرئيسية( البورتريه)، أبطاله ثلاثة من الخارجين عن القانون ( (The Trioبعد ذلك، شرع (شان ووك) في اخراج ثلاثية متميزة حول موضوع الثأر، ثلاثية بدأها سنة 200 بفيلم (Joint Security Area(، وهو الفيلم الذي عرف باسلوب هذا المخرج الشاب عالميا تقريبا، من خلال الظهور الجيد للفيلم في مهرجانات دولية أقيمت في مدن عالمية متنوعة كدوفيل وسياتل، ثم فيلم (Sympathy for Mr. Vengeance) سنة 2002، مختتما الثلاثية بالفيلم الفائز بالجائزة الكبرى لمهرجان كان ( 2004)(Old Boy)، فيلم (الفتى العجوز (Old Boyتجد فيه معظم أساسيات الفيلم الكوري الجنوبي تحديدا، بدءا بالاعتماد على اقتباس حكايات شعبية، ثم تطويعها أو بتعبير أدق تحيينها لكي تكون معاصرة، مع الاعتماد على تقنية الفلاش باك في الحكي وتنظيم حبكة الفيلم، دون أن ننسى بطبيعة الحال أن المانكا الكورية ( الرسوم المتحركة) كانت، وبشكل طبيعي، أسبق من السينما في اعتماد تلك الخصائص، بدرجة جعلت بعض المخرجين يعمدون إلى اقتباسها في أفلام لهم، لعل من أشهرها (أستيريكس وأوبيليسك) الفرنسي، (باباي) الامريكي، (سبايدر مان)ô وغيرها من النماذج.

ضمن تلك النماذج أيضا، يمكن تأطير فيلم (الفتى العجوز) للمخرج’ بارك شان ووك’، ما دام الفيلم اقتباسا صريحا من المانكا.

الفيلم على مستوى النوع، يكاد يوازي الأفلام الأمريكية الشبه بوليسية، وهو درامي أسود على مستوى أحداثه، يبعث في المتلقي ترقبا مستمرا، وخلخلة تصورات مبنية أو متوقعة، لينجح في شد المشاهد إلى حدود المشاهد النهائية، سيما وقد ساندت التركيبة الصورية والحوارية موسيقى تصويرية تم الاشتغال عليها بذكاء، إلى درجة حضور تعبيرها عن الانفعالات بشكل قوي، حل محل الكلام في مشاهد عدة، مشاهد توزعت واختلفت طولا وقصرا، الأمر الذي وفر للمونتاج تركيب مشاهد بإيقاع سريع، لا يبعث على الملل.

يبتدئ الفيلم بلقطة مثيرة لرجل دون ملامح وجه واضحة، يمسك بربطة عنق آخر متدل من فوق سطح عمارة شاهقة، ومن خلال الحوار القليل، لا نكاد نفهم العلاقة بينهما بالضبط، كما لا نعرف كيف نفسر الحدث بشكل دقيق.

بتوالي المشاهد المتراصة وفق نفس تشويقي يشبه الدخول الى متاهات لا تنتهي، سنفهم بأن المشهد الافتتاحي خيب أفق انتظار المتلقي وتأويلاته لمشهد غير مضاء تماما، فهو حدث تم تقديمه عن إطاره وتموضع بنيته السردية الأصلية، إذ لن يتحقق إلا بعد مغادرة البطل لمعتقله الغريب، ليبدو فعل القبض على ربطة العنق ايجابيا حين منع البطل ذلك الرجل اليائس من الانتحار دون أن توحي اللقطة بأي شر أو تهديد كما قد يفهم من ظاهرها، وكما أريد لها أن تخدع المشاهدôقصة الفيلم في حد ذاتها مزيج من العنف والتعقيد الفلسفي، فالبطل، إن سلمنا بوجود بطل أصلا، سيختطف ويسجن في إقامة إجبارية مغلقة طيلة خمس عشرة سنة، رمز إليها المخرج بذكاء من خلال اعتماد وثائق تسجيلية لأهم الأحداث التي وقعت خلالها، وفي تلك الإقامة لن يصبح في مقدور المختطف سوى التساؤل المستمر عن دواعي سجنه، متخذا من التلفزيون وسيلته الوحيدة للتعرف على العالم الخارجي، بما في ذلك حدث مقتل زوجته واتهامه غيابيا بقتلها.

طيلة جزء هام من الفيلم، يخدع المتلقي باستمرار، بل يتلاعب المخرج بعواطفه بشكل مثير، سيتلخص بشكل أساسي في عنصر المفاجأة والصدمة حين نعرف بأن الفتاة التي أحبها المعتقل ووقفت بجانبه منذ أولى لحظات الإفراج عنه، ذلك الحب الذي انتهى الى علاقة جنسية بينهما، ليست في الواقع سوى ابنته التي كان يحمل إليها هدية عيد ميلادها يوم تم اختطافه وسجنه.. وبدل السيناريوهات التقليدية التي تبحث فيها الضحية عن الجلاد من أجل الانتقام، سنلاحظ في الفيلم العكس، لأن الجلاد هو الذي يسعى إلى جعل الضحية تتعرف عليه، بل، سنفاجأ مرة ثانية بتلاعب المخرج بالعواطف والتصورات، حين سنفهم في نهاية المطاف أن الجلاد هو الضحية في الأصل، ليكون هو الساعي نحو الانتقام لحدث انتحار أخته بعد إشاعة تسبب فيها البطل، واستلزمت مشاهد قوية أبرزها مشهد بتره للسانه تعبيرا عن ندمه، أملا فقط في إبعاد ابنته عن الصدمة المتوقعة حين ستعرف الحقيقة.

لقد انتقم الجلاد/ الضحية بقوة، من خلال قتل زوجة ضحيته، ومن خلال سجنه، وأيضا بفعل تدمير حياة ابنته، بحيث وصل الانتقام ذروته على مستويات عدة منها تصوير لقطات عنيفة (كمشهد انتزاع البطل لأسنان احد المساهمين في سجنه، ومشهد بتر اللسان…)الفيلم كله ينبني على مقولة ذات أبعاد فلسفية (الحصاة والصخرة تترسبان بنفس الطريقة في الماء)، وهوما معناه أن ما يمكن توهمه صغيرا يستطيع أن يتضخم كما هو أمر الإشاعة مثلا.

بذلك يمكن القول بأن فيلم (الفتى العجوز) هو من الافلام الجيدة في ريبرتوار السينما الكورية، خاصة لتأمل دقة الإخراج وإدارة الممثل، كما يمكن التركيز فيه على قوة الموسيقى التصويرية والابتعاد عن السرد التقليدي للأحداث، ذلك السرد النمطي الذي لا يمكن المتلقي من بناء فرضيات وأفق انتظار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية