أين ينبت التطرف؟

لكل ظاهرة طبيعية او اجتماعية اسبابها ودوافعها، ولا بد من بيئة مناسبة لنموها وانتشارها. اجتثاث هذه الظواهر من المجتمعات يتطلب اولا دراستها بعمق. في اعقاب تفجيرات نيويورك 2001 اعلن الرئيس جورج بوش الابن حربه المفتوحة على الارهاب، وتماشى الاعلام الامريكي ومعه الغربي والعربي في حمله ضد كل انواع التطرف الفكري والعقائدي، سواء المسلح او السياسي. امتدت الحملة لتشمل مؤسسات اجتماعية، اغاثية، وخيرية، في حملة اطلق عليها تجفيف المنابع. أيامها، وحتى الان اعتبرت الولايات المتحدة كل من يفسر الارهاب والتطرف بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة، بأنه تبرير للارهاب واضفاء للشرعية عليه. وقال بوش كلمته الشهيرة: «انت إما معنا أو علينا».
كل هذه السنوات ولم ينته التطرف، بل على العكس انتشر وتوسع وتمدد الى مناطق اخرى. حُجّمت «القاعدة» في افغانستان ، صحيح، ولدت حركات سلفية وجهادية وتكفيرية وتنظيمات فكرية متطرفة، سنية وشيعية جديدة، في العراق وسوريا واليمن ومصر والمغرب العربي، وغيرها حتى لا يكاد يخلو منها اي بلد عربي، سواء مر بتجربة الربيع العربي او لم تهب عليه رياح التغيير بعد. التنظيمات الجديدة اكثر تطرفا من «القاعدة» نفسها في اشارة الى فشل الحرب العالمية على الارهاب، والى نمو فكر التطرف بصورة سريعة تتطلب جهودا حثيثة ومكثفة لدراستها، حتى لا تتحول دول اخرى عديدة، بالاضافة الى الصومال الى دول فاشلة، وتتحول المنطقة كلها الى فوضى عارمة.
اذا سألت منظّري الانظمة الحاكمة عن أسباب الارهاب فانهم يختصرونه في الجهل والتضليل، يقولون ان هذه التنظيمات تستقطب الشباب وتغسل ادمغتهم بالافكار الدينية البعيدة عن روح الدين وتعاليمه، وتفسر النصوص بحرفيتها بعيدا عن سياقها التاريخي او اللغوي او العقائدي. قد يكون هذا صحيحا، لكنها ليست القصة الكاملة بالتاكيد. قد يقول آخر انه الفقر والبطالة اللذان يدفعان الى اليأس والإحباط ومن ثم الكفر بالمعتقدات الاجتماعية السائدة ، والثورة والجنوح الى التطرف، على ان دمويتهم لا تخلو ان تمتزج بشيء من المروءة كمساعدة الفقراء والمحتاجين، كما فعل قبلهم الصعاليك في ثورتهم الاجتماعية على الاغنياء وغياب العدالة الاجتماعية ايام الجاهلية، كما يقابلهم روبن هود في الثقافة الغربية.
هنا مربط الفرس فلعل من اهم اسباب انتشار ظاهرة التطرف والارهاب هو انعدام العدالة الاجتماعية المرتبط بالفساد المالي والاخلاقي والسياسي وحتى الديني كشيوخ السلاطين والبلاط. هذا بالطبع يجر الى الكبت والظلم والاستبداد والتنكيل ، فتأتي ردة الفعل مساوية للفعل وربما اكثر قسوة وجنوحا.
افرزت ثورات الربيع العربي بارقة أمل مؤقتة للخروج من الوضع السياسي والاجتماعي المتأزم، ولكن ما لبث الامل ان تبخر سريعا مع انتصار الثورات المضادة، خاصة في مصر واليمن، وما زال الصراع مستمرا في ليبيا، وربما نجت تونس، وهي في طريقها الى انتخابات رئاسية وتشريعية، وربما هلت علينا تونس جديدة بحلتها الديمقراطية الزاهية، وعدالة اجتماعية تكون خير علاج للارهاب والتطرف.
ما حدث في مصر في الايام الاخيرة من عمليات نالت من الجنود والضباط المصريين عمل شنيع لا يقبله عاقل ولكن يمكن فهمه من خلال ما مرت به مصر من انقلاب وسرقة لثورتها وعودة للنظام السابق بحلة جديدة، بل بالحلة نفسها التي مقتناها على مدى العقود الماضية، بالاضافة الى ذلك فان سيناء المهمشة اقتصاديا، حيث ينتشر الفقر والبطالة وتجارة السلاح والمخدرات والتهريب، هي البيئة المثلى لنبتة الارهاب. الرئيس السيسي (وحكومته) لم يفهم بعد جذور المشكلة. اول ما قام به هو اغلاق معبر رفح للمرة الألف وتشديد الامن على الحدود مع غزة، معتقدا ان غزة تصدر الارهاب لمصر. ما دام سيادته يولي وجهه نحو القبلة الخطأ متجاهلا مأساة سيناء ومعتقدا ان الحل الامني والاعتقالات ستحل المشكلة، فان التطرف سيتفاقم، وستكون كارثة للمنطقة باكملها لو تحولت مصر الى صومال اخر.
مسكينة فلسطين، تارة يستعملونها شماعة لانقلاباتهم وديكتاتورياتهم، وتارة اخرى يعلقون عليها كل اخطائهم وفشلهم في محاربة الارهاب، متهمين اياها بتصدير الارهاب لهم. كنا نتوقع ذلك فقد اتهموا فلسطين بالارهاب من قبل وتحالفوا مع الصهاينة في حصارها ومحاولة اغتيالها، فشلوا وسيفشلون.
عودة الى السؤال عن البيئة المناسبة لنمو التطرف والارهاب، انها البيئة الغنية بالظلم والاستبداد وإهدار حقوق الانسان، مثل هذه البيئة منتشرة في منطقتنا، لذلك يعشش الارهاب في بلادنا التي لم تعرف الديمقراطية الحقيقية بعد، انشروا العدالة والحرية والمساواة فسيتبخر الارهاب من دون الحاجة الى الرصاص والاباتشي والصواريخ، ولا حتى السجون.

٭ كاتب فلسطيني

د. خليل قطاطو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية