الحَبة والقبة

يشدني وأنا أقرأ شرح الشعر العربي القديم أو تفسير القرآن، ما تراكم من نصوص حول بيت أو آية وأعجب من هذا الركام الكثير، الذي كان لا بد أن يحدث إزاء استمرار عمليات الحفر في بؤرٍ دلالية واحدة على امتداد قرون. يذكرني هذا الحفر بمثل شعبي تونسي يقول ما تفْصيحه (من الحبة عملوا قبة).
الحبة في مثال الحال كلمة في بيت شعر أو بيت شعر في قصيدة مطولة، أو كلمة في آية قرآنية من آي الذكر الحكيم. والقبة هو الركام من الشروح والتفاسير التي وضعت على الحبة أو البذرة الأولى. الأهم في المسألة: ما هي الآلية أو الآليات التي تحكمت في هذا الركام من الشروح والتفاسير؟
التبئير على هذه الآلية يكون من بوابة ما يسمى اليوم في اللسانيات النفسية بإنتاج الكلام Speech production. يعني إنتاج الكلام بشيء من التبسيط الكبير العملية التي تفضي بنا إلى نطق الأصوات، وتقطيع الكلام البشري وهذه العملية تتعامل فيها أجهزة إنتاج الأصوات، مع معالجة المعلومات الضرورية، معالجة عصبية ذهنية؛ والعملية – وهي على درجة كبيرة من السرعة والتعقيد- هي التي تمكن المتكلم العادي من أن يكون قادرا على إنتاج الكلام، الذي يريده في الوقت القياسي المطلوب. إنتاج الكلام مشغل يهم في اللسانيات الصوتيات النطقية، والصوتيات السماعية، ولكن أيضا تَقَبّل الكلامِ أو إدراكَه. وإنتاج الكلام بالمعنى الفسيولوجي والعصبي، لم يعد شيئا ماورائيا، بل ساهمت الآلات والمخابر في كشفه، ولنا في هذا الصدد نتائج تجريبية مهمة من بينها، أن ما يبني اللغة هو وحدات عرفانية أساسية، وأن أشكال الكلمات المنطوقة ليست اعتباطية، بل هي منظمة متألفة من رصيد محدود من الوحدات الصوتية، يمكن أن تتألف وتنظم قبل النطق في هيئات تختلف باختلاف اللغة وباختلاف حاجة المتكلم. وأن للأصوات المنطوقة تحققا متغيرا، أكثر من تحققها الخطي الثابت: فإن كان للباء مثلا تحقق في الخط ثابت (ب) فإن لها من الناحية السماعية تحققات عدة، حتى إنها يمكن أن تقترب من (P ) اللاتينية في كلمات من نوع (ابتكر وابتسم وابتهج) حين يميلون بالباء إلى الهمس تقريبا لها من التاء اللاحقة.
لنعد إلى ما اعتبرناه آلية سيرت توليد هذا الركام من الأقوال في الشروح والتفسير، وقد قلنا إن لها علاقة بإنتاج الكلام. وهنا يكون القصد من إنتاج الكلام ليس طبيعته الفسيولوجية العصبية، بل كونه مرحلة لاحقة من إنتاجه، وقد بات صالحا لأن يكتب أو يقرأ أو يشرح به كلام آخر، كتب وقرئ ويحتاج وسيطا لتسهيل قراءته.
الكلام في شرح الشعر أو تفسير القرآن وفي غيرهما من أشكال الشروح الأخرى تأسس على إيهام (بالمعنى المحايد للعبارة) بأن هناك حجابا بين الكلام ومن يفهمه؛ وأن هذا الحجاب في الفهم لا يزول إلا بواسطة، هي الشرح ومن هذه البوابة جاء الشراح والمفسرون. بات الشارح أو المفسر يرى نفسه قارئا فوق القراء، وفاهما أكثر من الفاهمين، وكلما أشيع عن القارئ أنه قليل فهم، أو أذيع عن النص أنه غير مفهوم إلا بشرح وتفسير، ازدادت الحاجة إلى هذا الوسيط باعتباره عينا يرى بها النص من بعينه كَلَلٌ أو قِصرُ نظر. القارئ الوسيط من شروطه أنه يكون أعلم بالمعاني من القارئ البسيط، لكن من يشهد له هذه الخبرة؟ لا أحد غير طرفين لا أهلية في الأصل لهما: القارئ نفسُه أو شارح آخر يريد أن يثبت شرعية تاريخية لعمله. ها قد سقطنا في الدور، كما يقول الفلاسفة، أو في المحال العقلي.

القارئ الوسيط من شروطه أنه يكون أعلم بالمعاني من القارئ البسيط، لكن من يشهد له هذه الخبرة؟

مدخل شراح الشعر ومفسري القرآن كان في الغالب لغويا وهذا عادي، مادام الكلام قد قدّ من اللغة. لكن الذي يعسر المسألة أن اللغة هنا لا تعني القواعد الحدسية، التي تمر عبر الكلام من ذهن الشاعر إلى ذهن القارئ عبر الكلام، بل تعني قواعد اصطناعية ابتدعت في فنون بعينها هي، النحو البلاغة والعروض للشعر، والنحو والبلاغة للقرآن، وبالطبع تضاف علوم أخرى ليست لغوية هي، علوم شرعية أو علوم بالأنساب، أو غيرها من العلوم المتاحة، أو التي أسميها العلوم المساعدة للعلوم اللغوية. الإشكال الكمي في هذه الشروح مشكل حقا، بالنسبة إلى المتقدمين والمتأخرين. هو مشكل عند المتقدمين لأنهم لن يجدوا مثالا يحتذون به، ومشكلة المتأخرين أنهم جاءوا متأخرين ووجدوا ركاما من الشروح والتفاسير يريدون أن يضيفوا إليها شروحا جديدة. في هذه الحالة يجنحون إلى آلية مهمة من تكثيف الكلام الشارح، هي آلية الاستدعاء الذاتي أو العَوْدِية: لحل مسألة التكاثر في المعنى، نعود إما إلى شروح قديمة بالتفصيل والتجزئة، وإما إلى عبارة في النص المشروح نبحث لها عن جزئية غائبة نحتفي بها.
سنتوقف في التفسير عند بناء تفاصيل النملة في آية 18 من سورة النمل في قوله تعالى: «حَتىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي النمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيهَا النمْلُ اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ». أورد القرطبي – الذي يميل في هذه الآية إلى الشكل الأبسط وهو التكرير واستدعاء التفاسير القديمة لمجادلتها، وتفصيل المفصل فيه – آراء سابقة ولدت بفعل العودية: العودة إلى نملة سليمان الحكيم لبناء تفاصيل دقيقة عنها. فلقد قال الشعبي: «كان للنملة جناحان فصارت من الطير فعلم منطقها ولولا ذلك ما علمه». العودية هنا كانت من أجل حل مشكل في ذهن المفسر (وليس في ذهن غيره): هل أن سليمان يفقه لغة الطير مثلما ورد في الآية 16 أم أنه يفهم لغة جميع الحيوان؟ (إلى اليوم مازال السؤال يطرح) فجعل التفسير للنملة جناحا. لكن كيف نفسر الفعل يحطمنكم وقد صار للنمل جناحٌ؟ علما أن الفعل ينجز استفالا لا استعلاء: يصدر من قوة عليا، أو ما كان في مستواها تفني شيئا في الأسفل أو ما كان في مستواها.
المثال الثاني عن هذه العودية، ما أورده القرطبي على لسان كعب إذ قال: «مرّ سليمان عليه السلام بوادي السدير من أودية الطائف، فأتى على وادي النمل، فقامت نملة تمشي وهي عرجاء تتكاوس مثل الذئب في العظم، فنادت: يا أيها النمل الآية». عاد التفسير إلى تفصيل هو مسار سليمان ليحل إشكالا في ذهن المفسر لا في ذهن غيره: كيف نضفي قدسية تاريخية على أمكنة قريبة منا، وعاد التفسير أيضا إلى شكل النمل القابل للتحول، فإذا هي في شكل ذئب يعرج من فرط امتلائه من اللحم في أرض الخير الأبدي، الذي قد يضيق بالنملة.. وأخيرا يورد القرطبي رأي أحد كبار المفسرين وهو الزمخشري إذ يقول: «سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال، وكانت تمشي وهي عرجاء تتكاوس. وقيل: كان اسمها طاخية. العودية مرتبطة ههنا بأسئلة كثيرة تشغل المفسر وهي: هل يمكن أن نوسع من دائرة عجائبية السماع عند سليمان الحكيم، وقد بات فهمه منطق الطير وجميع الحيوان مقررا؟ هل يمكن أن تصبح العجائبية في السماع من مكان بعيد (الرؤية من مكان بعيد لزرقاء اليمامة)؟ يصبح عجيبا أن يسمع المرء على بعد 5 كيلومترات تقريبا من يتكلم وبه عرجٌ وامتلاء. لكن هاجس تسميتها لابد أن يكون هاجسا لغويا، فمعلوم أن النحاة كانوا يسمون الحيوان بأعلام تطلق على كامل الجنس، وقد يسمون بعض القريب من الإبل والخيل باسم لتمييزها وهذا هو ما دفع إلى تسمية النملة باسم الطاخية، هي الملطخة فلماذا سميت النملة بهذا الاسم؟ سؤال يترك لمن أراد الزيادة في التفصيل.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية