لندن ـ «القدس العربي»: نسي الناس مدينة حلب، وأصبحت بلدات صغيرة مثل عين العرب أهم علامة على قتال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، على الأقل،من منظور الإستراتيجية الأمريكية.فبعد أكثر منة ثلاثة أعوام من الدمار والقتل والتشريد في المدينة التي كانت عاصمة سوريا التجارية وقلبها الثقافي والحضاري.
ماذا يفعل سكان حلب أو من تبقى منهم.تقول ليندزي هيلزوم مراسلة القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني أنهم يرقصون على أنغام الرقصة الكورية التي انتشرت في كل أنحاء العالم «غانغام ستايل»، ولأن الأهالي يمنعون أبناءهم من الخروج في الليل فالشباب ينظمون حفلاتهم في المساء.
ويقول طالب جامعي في كلية الفنون الجميلة «لقد شاهدنا الكثير من الموت، بدون فرح، جالسون في بيوتنا» ، و»نريد الرقص».ويقول طالب آخر «أرقص حتى أموت من التعب، هذا ما يبقيني على الحياة، الرقص هو نوع من العلاج».
نشاط عسكري للنظام
وتعلق هيلزوم في تقرير نشرته صحيفة «أوبزيرفر» بالقول إن محافظة حلب تعتبر ساحة معركة فاصلة حيث تجد المعارضة «المعتدلة» التي تفضلها الحكومة الأمريكية والبريطانية نفسها محصورة بين قوات النظام السوري لبشار الأسد وقوات «داعش».فمن خلال التركيز على الأخير واستهدافه بالغارات الجوية فتحت الولايات المتحدة والتحالف الذي تقوده المجال أما نظام الأسد للتقدم والسيطرة على مناطق المعارضة التي يريد الغرب مساعدتها.وتشير الصحيفة للقتال الشرس الذي دار الأسبوع الماضي في بلدة حندرات شمال مدينة حلب، حيث استطاع الجيش السوري بمساعدة من القوات الإيرانية وحزب الله السيطرة على مصنع للزجاج والإسمنت.
وأظهرت الصور التي بثها النظام راية تركها مقاتلو «جبهة النصرة» الموالية ل «القاعدة».وتهدف الحكومة السورية من العملية قطع الطريق ما بين مدينة حلب والريف وتشديد الحصار على المقاتلين في داخل المدينة.
وفي الوقت الذي ترغب فيه الولايات المتحدة وبريطانيا مساعدة المعارضة في غاراتها على «داعش» ومنحها فرصة للسيطرة على المناطق التي ينسحب منها مقاتلو «داعش».تقوم الحكومة السورية بسلسلة من النشاطات العسكرية لاستعادة كامل المدينة بنهاية الشتاء المقبل وإظهار أنها وحدها هي التي تستطيع السيطرة على الأرض.
نزوح دائم
ومع زيادة قوات الحكومة لنشاطاتها ضد مناطق المعارضة اضطر العديد من السكان للهرب خارج البلاد أو ذهبوا للمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة في غرب حلب.ويقدر المركز الدولي لمراقبة النازحين عدد الذين شردوا من مدينة حلب بحوالي 1.78 مليون نسمة وهو أعلى رقم نزوح من محافظات سوريا الـ14.وأجبر الكثير من السكان على السكن في مواقع البناء غير المكتملة أو المدمرة في حي الرواد.فقد تحول الحي لمقر إقامة لعدد من العائلات المشردة.
ومثل بيوت الدمى لا جدران لها يمكن للمارة التعرف والنظر على من فيها.ومن بين سكان حي الرواد مصطفى زكريا، الذي وفر بعض المال من عمله كإسكافي كانت تكفي لشراء شقة، ولكنه كمؤيد للنظام خشي أن يستهدفه المقاتلون المعارضون للحكومة ولهذا هرب، وحولته الحرب إلى حالة من الفقر المدقع. ويقول «لقد تركت بيتي بسبب الخوف»، «دمرت البيوت في منطقتي، في البداية أستأجرت، ثم نفذ المال وانتقلت لمنطقة أرخص وأخيرا جئت إلى هنا لأنه لم يبق لدي مال».
وحتى من لديهم بعض التوفير لا يزالون يواجهون مشاكل القطع المستمر للكهرباء ونقص المياه.
فمحطة توليد الكهرباء في الرقة التي كانت تزود حلب بالكهرباء سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في شباط /فبراير العام الماضي. وبسبب القتال حول مدينة حماة فقد تضررت خطوط الكهرباء التي كانت توصل الكهرباء لحلب.
وتنقطع الكهرباء لمدة 36 ساعة، وفقط من لديهم بعض المال يمكنهم استخدام مولدات الكهرباء الخاصة.وارتفع سعر الكهرباء نتيجة لهذا، فقبل الحرب كانت العائلة تدفع 2.000 ليرة سورية فاتورة الكهرباء، ولكنها تدفع الآن 30.000 ليرة سورية، وهي مرشحة للإرتفاع مع رفع الحكومة الدعم عن الوقود.وتصف الكاتبة الوضع بالمأساوي لسكان مدينة كانت أحسن مدن سوريا إزدهارا حيث باتوا يعتمدون على رفع المياه من الآبار ويحملونها في «جراكن».
ويقول طالب جامعي «أدرس على ضوء الشموع واذهب للمسجد للإغتسال قبل ذهابي إلى الكلية».
قلب حلب التاريخية
وتضيف الكاتبة «لا يزال قلب حلب التاريخي الذي دمرته الحرب قبل عامين، منطقة خالية من السكان ومدمرة، شبحية، ويقطع الصمت فيه إطلاق النار المتقطع وقنابل الهاون».
وتشير لزيارة قام بها محافظ حلب محمد وحيد العقاد الذي زار القلعة وسوق حلب القديم الذي يعود للقرن الرابع عشر، ورفض لبس السترة الواقية وقال «اتوجه لله، وعندما تحين منيتي أموت». وترابط قوات الحكومة داخل القلعة التي كانت أهم معلم سياحي في المدينة.ويقول العقاد «لا يزال بعض المقاتلين في مناطق ولكن بمشيئة الله سنتخلص منهم» حيث لا تبعد مواقعهم عن القلعة سوى 100 مترا.
ولم يبق من حلب القديمة سوى أنقاض، فقبة الجامع الأموي في حلب اخترقها الرصاص من كل مكان.ويزعم المحافظ العقاد إن الناس يهربون بسبب طرد المقاتلين لهم، مع أن الحكومة قصفت مناطق المعارضة بشكل مستمر حتى تجبر السكان على الرحيل.ويقول العقاد «الحرب هي الحرب، ولكننا نستخدم القنابل والقصف ضد المناطق التي يوجد فيها «داعش» والإرهابيون، وليس المدنيين».
و»لم يبق هناك أي مدني في مناطق المعارضة لأن المقاتلين أجبروهم على الهرب لمناطق أكثر أمنا».
معركة حاسمة
وما دام الحديث عن حلب، فيرى جيمي ديمتر أن المعركة حول حلب هي حاسمة لكل من الأسد و»داعش» والولايات المتحدة.وقال ديمتر في تقرير أعده لصالح موقع «ديلي بيس» من غازي عينتاب. ويرى أن المعركة التي ستحدد مصير الحملة الأمريكية ليست تلك الدائرة في عين العرب (كوباني) ولكن في مدينة حلب التي تحاصرها قوات النظام السوري و»داعش» من ثلاث جهات. ويقول الكاتب إن حلب هي آخر معقل للمعارضة في الشمال وقد ينقطع خط الإمداد في أي وقت.ومن هنا يطالب قادة الجيش السوري الحر المدعوم من الغرب الولايات المتحدة القيام بغارات كي توقف تقدم قوات النظام.
وبدون مساعدة فقد ينضم ما تبقى من قواتهم إلى صفوف «داعش».ويشير الكاتب إلى بوادر المعركة الحاسمة التي يتم التحضير لها منذ بداية الشهر الحالي حيث يلقى الجيش السوري دعما من مقاتلين أجانب إيرانيين وأفغان ومن حزب الله. ويقول الكاتب إن نجاح النظام قطع طريق كاستيلو الذي يربط ريف حلب مع تركيا ،سيؤدي إلى تضييق الخناق على المقاتلين داخل المدينة.
ولهذا السبب تعبر حركات معارضة سورية مثل حزم التي تلقت دعما وصواريخ مضادة للدبابات من الأمريكيين عن إحباطها من واشنطن للتركيز على مدينة عين العرب.
ويقولون إن حصار حلب لن يترك آثاره السلبية على استراتيجية باراك أوباما ضد «داعش» فقط بل وعلى مسار الإنتفاضة السورية.وينقل عن عبد الرحمن أحد كبار قادة جيش المجاهدين قوله «يقول الأمريكيون إنهم يريدون قوة من 5.000 ويحتاج إعدادهم عاما تقريبا ولا وقت لدينا».
ويبلغ عدد مقاتلي جيش المجاهدين 3.000 عنصرا معظمهم من أبناء الريف.وحذر نصر الحريري، السكرتير العام للإئتلاف الوطني السوري من الآثار الخطيرة بسبب تلكؤ واشنطن «ندعو التحالف الدولي ضد «داعش» تقديم الدعم العسكري العاجل للجيش السوري الحر في شمال حلب كي يكون قادرا على مواجهة الحصار». ومن هنا فسقوط حلب للجيش السوري سيكون نكسة للإنتفاضة السورية حيث تقاتل المعارضة على جبهتين- النظام و»داعش»، ويسيطر الأخير على معبر الباب بين تركيا وسوريا.وكانت أزمة المعارضة قد بدأت هذا الشهر عندما سيطر النظام على الجبيلة القريبة من بلدة حندرات.
واقترب النظام بسيطرته على البلدة من فك فتح معبر إلى البلدتين الشيعيتين نبل والزهراء.ونقل الكاتب عن أحد مقاتلي لواء التوحيد قوله إن المقاتلين تكبدوا خسائر في طريق كاستيلو. ويعبر المقاتلون السوريون عن غضبهم من قرار واشنطن استهداف «داعش» وليس الأسد مما سمح للنظام توسيع غاراته وهجماته ضد مواقع المعارضة.
استغلال العلاقات القبلية
وفي الوقت الذي يستغل فيه النظام الغارات على «داعش» يوسع الأخير من هجماته، ويقوم باستغلال العلاقات القبلية والخطوط الفاصلة بينها لصالحه.ففي مقال تحليلي للكاتب السوري حسن حسن في «أوبزيرفر» أشار لهذا الوضع في حالة شيخ قبيلة سورية طلب منه «داعش» إمامة الصلاة في مسجد قريب يعرف بأنه معقل للجماعة الصوفية الخزنوية.
وهو ما فعله أبو جاسم رغم عدم معرفته بالإمامة وألقى خطبة ركز فيها على انحرافات الصوفية مما أثار دهشة المصلين.
وبعد ذلك طلب من أبو جاسم مقابلة أمير المنطقة حيث اختفى لعدة أيام قبل الإفراج عنه.
فقد اتهم بمحاربة «داعش»، وهي تهمة لم ينكرها ولكنه قال إنه كان يقاتل التنظيم قبل سيطرته على منطقته، وأنه انضم إليه بناء على رغبته. ويرى الكاتب إن الحادث يظهر الإستراتيجية التي يستخدمها التنظيم «فرق تسد» في المناطق الخاضعة لسيطرته، فقد كان بامكانه إرسال أحد ممثليه ألـ 12 في المنطقة لإلقاء الخطبة، وبدلا من ذلك اختار شخصا من الصف الثاني لا خبرة له بالإمامة.
ويؤكد على أهمية خبرة «داعش» في الرقص على حبال الخلافات القبلية، ووجوده بينها منذ 10 أعوام حيث تمتد علاقته من بلدة منبج شرق حلب والعقيربات في حماة السورية وحتى جلولا وديالي في العراق.وتشهد هذه المناطق خلافات قبيلة واضحة، وكان «داعش» من أكثر الفصائل نجاحا في إيقاع الفتنة بين القبائل. ويقول الكاتب إن أعيان في دير الزور يذهبون في قوافل إلى بلدة القائم العراقية للقاء مسؤول شؤون القبائل في «داعش»، لتقديم أنفسهم ولنيل ثقة التنظيم.ويقول مواطن من المنطقة «يتسابق الناس لنيل ثقة داعش».وتقول مصادر نقل عنها إن أعضاء التنظيم من منطقة معينة عادة ما يتشددون مع ابناء قبيلتهم مقارنة مع معاملتهم للقبائل الأخرى.فمجزرة قبيلة الشعيطات التي أرتكبت في آب/أغسطس ألقي فيها اللوم على أعضاء القبيلة أو أقاربهم من العشيرة. ويرى الكاتب أن التنظيم منذ انفصاله عن «جبهة النصرة» في نيسان/إبريل الماضي بدأ حملة لنيل ثقة مشائخ القبائل وشراء ولائهم عبر التعهد بمشاركتهم بالعوائد المالية وترفيعهم إلى مناصب عالية في مناطق على حساب المشائخ الحاليين.وفي العادة ما يستهدف القادة الشباب الذين قاتلوا إلى جانب الجماعات المعارضة للأسد.
وأشار شيخ قبيلة من البوكمال التي يسيطر عليها «داعش» كيف نجح التنظيم في تطبيق سياسته.وهي التي ساعدته على تحقيق أهدافه واحتلال بلدات في دير الزور هذا الصيف مثل موحسن والبوكمال والشعيطات.
وكان دخول «داعش» موحسن مفاجئا للمعارضة خاصة أن البلدة معروفة بعدائها لهم، وانتظم أبناؤها في جيش الأسد. فقد نال» داعش» ولاء زعماء قبائل مهمين في هذه القبائل واستخدم الترسانة التي نهبها من قواعد الجيش العراقي كي يسيطر بسرعة على بلدات دير الزور.
واعتمد «داعش» على هذه الرموز القبلية كي يحبط أي محاولة من دول الجوار الإقليمية لتنظيم قوة قبيلية معادية له، كما حاولت بعض دول الخليج فعل هذا.
الإدارة المحلية
ومما ساعد على تحقيق أستراتيجية «فرق تسد» اعتماد التنظيم على القوى المحلية لإدارة شؤونها مما يزيد من الخلافات بينها ويقلل من ظهوره.
ويدعم التنظيم سياساته من خلال نقاط تفتيش متحركة.فعادة ما يخفي المقاتلون أسلحتهم في بيوت ويظهرون الحد من قواتهم في العلن ويتم استدعاء القوات الإضافية حالة الضرورة حيث يظهر «داعش» كقوة ضاربة تصعب هزيمتها وتثبط من عزم القوى المحلية على الإنقضاض ضدها.
وسياسات كهذه لن تمكن قوة خارجية استعادة المناطق وملء الفراغ الذي سيتركه «داعش» لعدم تعاون المجتمعات المحلية.ويرى الكاتب أن فكرة التعاون مع القبائل للثورة على «داعش» وهم، فلم تغير الغارات الجوية من المعادلة رغم مقتل 500 من مقاتلي «داعش» و»النصرة».
ويضيف أن المقاتلين الذين ينشرهم التنظيم عادة ما يكونوا من المجندين الجدد، وهذا يعني عدم تأثر القاعدة الأساسية لمقاتليه. وبالمحصلة ف «داعش» لديه استراتيجية وخبرة طويلة في التعامل مع المجتمعات التي يعيشفيها و يسيطر عليها ولن تتم هزيمته إلا عبر تطوير استراتيجية مضادة تأخذ بعين الإعتبار تعقيدات الوضع على الأرض وقدرة التنظيم على المحافظة على مناطقه.
يريدون الهرب
في سياق مشابه، يرى تقرير في الصحيفة نفسها، «أوبزيرفر»، أن «داعش» هدد متطوعين بريطانيين يريدون العودة إلى بلادهم بالقتل، وقال التقرير إن 30 جهاديا يريدون العودة من سوريا والعراق تلقوا تهديدات بالقتل من تنظيم الدولة الإسلامية. ونقلت الصحيفة عن مصدر له معرفة واتصالات مع المعارضة السورية قوله إن قيادة تنظيم «داعش» تقوم بتهديد من يريد من البريطانيين العودة، وقال «هناك بريطانيون تلقوا تهديدات مباشرة وغير مباشرة عندما عبروا عن رغبتهم بالعودة إلى بلادهم». يتزامن هذا مع إعلان مقتل جهادي رابع من مدينة بورتسموث حيث كان يقاتل في الخطوط الأمامية في بلدة عين العرب. ومحمد مهدي حسن، 19 عاما هو رابع من ستة متطوعين سافروا من المدينة نفسها بورتسموث للجهاد في سوريا. وقال المعتقل السابق في سجن غوانتانامو، إنه يعرف عدة حالات يرغب أفرادها العودة إلى بريطانيا لكنهم عالقون في سوريا والعراق.
وقال بيغ إنه يعرف 30 شخصا يرغبون بالعودة.فقد سافروا لقتال الأسد ولكنهم وجدوا أنفسهم في صفوف «داعش» لأسباب تتعلق باللغة، لأن التنظيم الجهادي هذا لديه أشخاص كثر يعرفون اللغة الإنكليزية. ويقول بيغ الذي رفضت الحكومة البريطانية عرضه لإنقاذ الرهينة ألن هيننغ، ولديه علاقات جيدة مع المقاتلين في سوريا «عندما تم تثبيت الخلافة وأقسمت الولاء لها فأي أمر تفعله مخالف ينظر إليه كعصيان للخليفة، وعندها فقد تتعرض لإجراءات ضبط والتي قد تشمل التهديد بالموت».
ودعا بيغ (46 عاما) الحكومة البريطانية إصدار عفو عن العائدين من سوريا والعراق وتبني نفس سياسة الدانمارك وهي إنشاء مراكز لتأهيل العائدين ومساعدتهم للإندماج في المجتمع. وقال إن جماعة اتصلت به ليساعدهم بالعودة من خلال الضغط على الحكومة وإظهار اللين، خاصة أن مسؤولين اقترحوا إمكانية محاكمة من يعود بتهمة الخيانة العظمى. وأضاف إن الكثير من البريطانيين «بين المطرقة والسندان» وعدد كبير منهم يريد العودة «وكان العدد في كانون الثاني/يناير 30 شخصا، وبالتأكيد فقد زاد العدد منذئذ».
إبراهيم درويش