ليس العلم تحت سلطة الإنسان، وإنما العلم ما يريد أن يعقله الإنسان، وكل علم خارج عن التفسير والفهم، يمكنُ أن نطلق عليه خرافة أو أسطورة فاشلة تبحث عن شهرة وسط كومة من الأساطير المعاصرة، إلى جانب نجوم السينما الفاشلين والكتاب المغمورين وغيرهما. وكل علم لا يستطع أن يمنحنا قدرة على تمييز الظواهر والانسلاخ عن الأحداث وأن نرى العالم بعين النسبية والنقص والتعدد.. هذا العلم لا يعول عليه، لذلك فصناعة الأفكار العلمية لا تكون دائماً صناعة أصيلة، أو دقيقة وموضوعية، بل في كثير من الأوقات يمكنُ أن تكون هذه الصناعة مغشوشة ومضللة، لذلك علينا الحذر منها حتى لا نسقط في مغالطاتها، خاصة أننا اليوم نعرف سيولا من الأفكار التي تدعي العلمية، وهي لا تعدو أن تكون سوى دجل بواح، وكذب تجاري، ولو تمكنت هذه الأفكار المغالطة المدسوسة في علومها، من عقولنا ومشاعرنا وحواسنا فسـيكون الثمن باهظاً. وللتدليل على ما نقول إليكم الواقعة الآتية: في أوائل إبريل/نيسان سنة 1997 أقدم 39 شخصاً في رانشو سانتا في ولاية كاليفورنيا على الانتحار الجماعي، ابتلع هؤلاء الأشخاص جرعات قاتلة من المهدئات المخلوطة بعصير التفاح، وأتبعوها برشفة من الفودكا، ثم وضعوا على رؤوسهم أكياساً بلاستيكية فضفاضة وأحذية رياضية سوداء جديدة ماركة نايكي، ثم غطوا وجوههم بقطع من القماش الأرجواني.
لكن، لماذا نتذكر هذه الحادثة المفجعة، وكيف استطاع هؤلاء الأشخاص أن يقدِموا على فعلهم بشكل جماعي، وإذا علمنا أن أعمار المنتحرين تراوحت بين 26 و72 سنة، فإن السؤال سيصبح أكثر تعقيداً من ذي قبل، كأن نسأل مثلا: ما هي الحجج التي أقنعتهم بالانتحار الجماعي، رغم اختلاف أعمارهم، والحياة هي أثمن شيء لدى الإنسان؟ هؤلاء سقطوا ضحية ما يسمى في منطق المغالطات Logical Fallacies بالعلم الزائف Pseudo science ، كيف ذلك؟ لقد لقنهم مارشال هيرف أبلوايت علماً زائفاً عن الكون؛ حيث أقنعهم «بوجود سفينة فضاء عملاقة يزعم أنها تتبع مذنباً اسمه هالي ـ بوب ( والمسمى على اسم العالمين اللذين اكتشفاه أول مرة في يوليو/تموز 1995). وكان من المفترض أن تأخذهم هذه السفينة الفضائية إلى مستقرهم الأخير في «الجنة الحقيقية». فما معنى العلم الزائف من خلال هذه القصة الواقعية المأساوية؟
يقول أستاذ علم النفس السابق في جامعة سيمون فريزر في كندا د. باري ل. بيرشتاين، إن العلوم الزائفة هي «مباحث تحاول أن تنتحل صفة العلوم الحقيقية ومكانتَها، وتنسخ ملامحها الخارجية وبروتوكولاتها؛ ولكنها تقصّر كثيراً في معايير الممارسة والتحقيق المقبولة في الأفرع المشروعة، التي تريد أن تضاهيها. العلوم الزائفة لا تقدّر النقد، ولا تصمد للتمحيص، ونتائجها تناقض القوانين والمبادئ العلمية الراسخة» (عادل مصطفى، الحنين إلى الخرافة، فصول في العلم الزائف). نضيف إلى ما سبق أنّ العلم الزائف هو علم فارغ من أي منهجية معروفة، سواء في ما اتصل بمناهج العلوم الطبيعية أو الإنسانية والاجتماعية، فضلا عن أنه علم مبنيّ على الشائعات والأخطاء العلمية، ويؤدي مباشرة إلى الخرافة، بل إنه يستقي أسسه الترويجية من الخرافات الشعبية، ولا يقبل النقد والمراجعة أو التكذيب (كما هو عند الفيلسوف كارل بوبر)، في حين إنّ المفكرين الذين يفكرون تفكيراً علمياً، يتقبلون الأفكار تقبلا متحفظاً، ويبنون قبولهم على وجود أدلة، وليس على السلطة. أما من لا يفكرون تفكيراً علمياً فيميلون إلى تقبل الأفكار تقبلا مطلقاً، وهم أكثر قابلية لقَبول أفكار واهية، أو كاذبة يبشر بها قادة ذوو شخصيات جذابة، أو دجالون. (تشارلز إم وين ورثر دابليو ويجنز، الطفرات العلمية الزائفة، عندما يطمس العلم الحقيقي ويسود العلم الزائف، ترجمة محمد فتحي خضر).
العلم الزائف لا يعترف بخطئه، وقد يمر في أحيان كثيرة إلى تبرير انتقاده بالمؤامرة وسلطة مجتمع العلماء.
إذن هو علم غالباً ما يستغل من طرف السلطة الاستبدادية والدجالين من أجل فرض نوع من التسلط الخفي المدسوس في العسل (الأيديولوجيا ) حيث يظهر طعمه الحلو، والحال أن باطنه زيف وخداع وحنظل.
مشكلتنا الكبرى مع العلم الزائف، أنه لا توجد معايير ضابطة أو مقاييس ثابتة لفضحه بشكل دقيق ومحكم وحاسم، وما يزيد من صعوبة فضح هذا العلم الزائف وكشف أوهامه، أن أغلب الناس لا يُقبلون على قراءة العُلوم ودراستها، وميّالون أكثر إلى تصديق الخرافة والشائعات، كما أن ارتفاع نسبة الجهل بين صفوف العامة يجعل نسبة نجاح العلم الكاذب أو الزائف بينهم ترتفع كل يوم، فالمستوى التعليمي، وبرامج التعليم ومناهجه يلعبان دوراً نقدياً في تكوين المواطن. ويكفي أن نشير في هذا السياق إلى أن عدد المنجمين أكبر من عدد علماء الفلك، حتى نبيّن الاقبال المفزع على هذا العلم الزائف،، الذي يمكنُ أن تجده في عناوين صفحات الجرائد (الأبراج وغيرها) أو قنوات التلفاز أو الإنترنت وغيرها. لكن توجد علامات تدلّ عليه أو على مسيره، وبالتالي فهي تجعل الناظر فيه يتنبه ويشك في ما لديه من معطيات أو قضايا، يدافع عنها، هذا العلم الزائف، ومن بين هذه العلامات:
الإسراف في استعمال الفرضيات الاحتيالية، أو الترقيعية ad hoc hypotheses التي يكون الغرض منها هو التخلص والتملص والتحصن من التكذيب والتشفع للخطأ.
العلم الزائف لا يعترف بخطئه، وقد يمر في أحيان كثيرة إلى تبرير انتقاده بالمؤامرة وسلطة مجتمع العلماء.
يتهرب العلماء الزائفون من النشر في المجلات العلمية المحكمة.
يركز العلم الزائف على الأمثلة المؤيدة وينتقص من الأمثلة المعارضة وإن كثرت.
يقطع العلماء الزائفون مع المعارف القائمة، ويزعمون أن أعمالهم قائمة على نماذج إرشادية جديدة تماماً.
يستندُ العلماء الزائفون في إثبات فرضياتهم إلى النوادر الفردية وشهادات الآحاد.
يولع العلماء الزائفون باستخدام رطانات مبهمة، ويخترعون معجمهم اختراعا على حد تعبير روري كوكر (الطاقة الكونية الحيوية، الطاقة، مستويات، تعاطفات، منظومة خط الزوال، التكبير السيكروني) لكي يتشبهوا بالعلماء الحقيقيين، ويوهموا الناس بأنهم منهم، ويميلون إلى المزاعم العريضة «ونظريات كل شيء» ( عادل مصطفى، الحنين إلى الخرافة).
هذه بعض الإشارات، تختلط فيها الأنانية بالرطانة والادعاء، وهي قيم أخلاقية أكثر منها معرفية أو أبستيمولوجية، وإلاّ فإن دراسة العلم، يجب أن تكون موازية لدراسة اللاعلم، كما أن دراسة الشر لا محيد لها عن دراسة الخير، ودراسة الحقيقة لا مفرّ لها من دراسة الوهم والكذب والتضليل، وغير ذلك من المفاهيم التي تدور في فلكها.
مهمتنا أن نعرف العالم بالعلم لكن العقل البشري يخوض ـ من أجل تحقيق هذه المهمة ـ مغامرة البحث عن الحقيقة، وهو في ذلك يقع في الزيف والوهم ، وحسبنا شاهداً على ما نقول كلام مؤسس العلم التجريبي الفيلسوف فرانسيس بيكون، حيث قال: «من طبيعة الفهــم البشري الخاصة، أن يفترض أن في العالم نظاماً واطراداً أكثر مما يجده فيه. ورغم وجود أشياء كثيرة في الطبيعة فريدة في نوعها، وعديمة النظير، فإن الذهن البشري يخترع لها أشباها ونظائر وصلات لا وجود لها» (الأورجانون الجديد: 45:1).
٭ كاتب من المغرب