الرباط -” القدس العربي”: الفنانون فئة مهمة بالصحراء، لا تخلوا منها أية مناسبة، عرس، عقيقة، مهرجانات ومواسم، وهي فئة لا تتجزأ من المجتمع الصحراوي، فدورها يكمن في الإثراء والإغواء ونظم الشعر في الأعراس الصحراوية ومناسبات الأفراح والمسرات.
ولكن جائحة الفيروس التاجي التي شلت مناحي الحياة بالعالم، وأدت إلى إغلاق المتاحف وصالات العرض، وكذلك إلغاء الحفلات الموسيقية والعروض، تركت العديد من الفنانين بالمغرب عامةً، وبالصحراء خصوصًا بدون دخل بين عشية وضحاها، يعيشون بين مطرقة الجائحة وسندان التهميش.
“منذ سنوات وفئة الفن تتعرض للتجريح والتهميش، وتسكت دون كلام أو رد فعل، لكننا قررنا الكلام والرفض”، هذا ما قاله الفنان الصحراوي والمداح، محمد باعية لـ”القدس العربي”، تعبيراً عن غضبه مما يتعرض له الفنانون من تهميش.
باعية، المداح الشهير بصوته الرخيم، بصوت غلب عليه الحزن يسرد واقع الفنان الصحراوي، الذي أماطت جائحة “كورونا” حجبه الساترة، و أرغمت هذه الفئة التي كانت تعيش على كفافها على الكلام.
رئيس جمعية “السلام للأمداح النبوية والفولكلور الحساني”، يقول لـ”القدس العربي”، “جل الفنانين أرباب أسر، يعيشون في منازل مستأجرة، لا ضمان اجتماعي لهم، لا بطاقة رميد- -بطاقة دعم -، يعيشون من الفن وللفن، ولكن الجائحة أتت على موارد رزقهم وأوقفتها”.
ويقول باعية، الذي تكالبت عليه وعلى فئته، مخالب ظروف الحجر الصحي، وتهميش وزارة الثقافة، إنه لا يغشى الفقر فهو يعيش على الكفاف وقانع به، بل خوفه على أسرته “ماذا يمكنني أن أوفر لها، أخاف أن أمرض أو لا أتمكن من العمل، ماذا سيحدث لعائلتي؟ أخاف أن أصبح مشردا كهؤلاء الذين نراهم في الشارع”.
وحول قضية مديرية الثقافة بالعيون، يؤكد باعية أن “المديرية لم تهمشهم وتحتقرهم فقط، بل تجاوزت ذلك إلى احتقار التراث الحساني، عبر استقطاب أشباه فنانين لا علاقة لهم بالفن الصحراوي”. ونفى بشكل قاطع “ما تروجه المديرية من دعم الفنانين من أجهزة ومبالغ مالية”، متسائلا في معرض كلامه “نريد أن نعرف إلى متى هذه التلاعبات؟”.
محمد باعية يعتبر أشهر مداحي الصحراء، وأكثر مَن يحظى بالإجماع على جمال صوته، والأشد تأثيراً في وجدان بيظان الصحراء، أسرى بصوته الملائكي العميق إلى “جائزة الفارابي”، التي قرر “المجلس العالمي للموسيقى اليونسكو-باريس”، منحه إياها، اعتبارا لروح تفانيه وإخلاصه للثقافة الحسانية للصحراء، ومساهمته الفعالة والوازنة في حماية تقاليدها وعاداتها الغنية من انجراف العولمة.
وتنطبق جميع درجات الفقر على فناني الصحراء، الفقر المدقع، وخط الفقر، والفقر الأدنى، والفقر الأعلى، فالفنانون بالصحراء عموما، وبالعيون على وجه التحديد؛ يعيشون من موارد إحياء المناسبات وأعراس الطبقات الفقير بالتحديد، التي تحيي أعراسها، أما الطبقة المخملية فلها فنانوها الذين تأتي بهم من الخارج تحديدا موريتانيا.
مسعود فرياط، فنان صحراوي، وفي حديثه لـ”القدس العربي”، يقول بصوت ملؤه الحزن والغضب، “لا أحد يتجمل فينا أي شيء، ولم نستفد يوما من بطائق الإنعاش، ولا البقع الأرضية، ولا من أي شيء، منذ السبعينات إلى يوم الناس هذا”.
“يستغل ضعفنا، من جميع الأطراف، وحين نطالب بحقنا، نوصف بالانفصال، ولكن هذا الأسلوب لم يعد يردعنا من اليوم فصاعدا، ونريد حقنا… نريد حقنا”، يضيف فرياط عبر الهاتف منتفضًا على واقع البؤس الذي تعاني منه فئة الفنانين.
ويرد فرياط على من “يلصقون بِنَا تهم الانفصال”، بأن لسان الحال يغني عن السؤال، وعليهم “مشاهدة حضورنا في الزيارات الملكية والمناسبات الوطنية، وشاشة التلفاز تثبت ذلك”.
ومنذ بدء جائحة “كورونا”، “لم يتبقى قطاع إلا واستفاد أهله من الدعم والمساعدات، إلا قطاع الثقافة، الذي نعيش في ظله التهميش وعدم الاعتبار”.
وإلتقى بعض الفنانين بباشا المدينة، وأوضحوا له ما “تعانيه فئة الفنانين”، وطلب منهم “قائمة بأسماء أهل الفن”، وحسب معطياتنا اللائحة “بين يدي والي جهة العيون، عبد السلام بيكرات”.
ويؤكد فرياط، الأمر قائلاً “نطالب الوالي بالاستماع لنا لنحكي له واقعنا بكل شفافية، ومعرفة أوضاعنا التي لا تخفى على أحد”.
وفي تصريح، لـ”القدس العربي”، قال محمد صبيعات، فنان من مدينة العيون، أن التهميش الذي يطالهم، “لا يعد ولا يحصى”، كأننا كنّا “لتأثيث المشاهد قبل الجائحة، وتم رمينا كالأثاث البالي”.
وكشف صبيعات أن الدعم الذي خرج من وزارة الثقافة كانت حصة مديريتها بالعيون منه “80 ألف درهم، مخصص للفنانين والشعراء والمسرحيين” والمديرية عرضت على الفنانين بالعيون “مبلغ 1000 درهم (مائة دولار)، مقابل تسجيل مقطع غنائي من منزله”، شريطة “أن يتحدث باسم الجمعية الفنية التي ينتمي إليها، والتي تتكون من عدد يتراوح ما بين 05 إلى 11 فنانا”.
كلام صبيعات يؤكده الفنان باعية، قائلاً “لم نستفد من شيء، وما نشرته المديرة افتراء علينا، ردينا عليه في بيان نشرناه، وفي رسالة بعثناها لوزير الثقافة”.
في حديثه لـ”القدس العربي”، لا ينكر لحبيب عيديد، وضع أهل الفن بالمنطقة، الاجتماعي والمادي، بل يذهب إلى أكثر من ذلك، مؤكدا أن “الوقت قد حان لتنظيم أيام دراسية لرصد واقع وأحوال الموسيقى الحسانية بالجهات الجنوبية بمختلف تلاوينها، وآفاق تطورها، كوقفة ضرورية للتأمل في وضعيتها ومسارها ومنجزاتها وأحوال المتعاطين لها”.
ويرى عيديد، وهو باحث في التراث الثقافي الحساني، على أن “يكون الهدف المنشود هو العمل المتواصل والتنسيق المستمر مع كل الفاعلين المعنيين، من وزارة وصية ونقابات وجمعيات موسيقية وباحثين أكاديميين وشعراء … لمقاربة التحديات المطروحة، وبناء إستراتيجية تروم النهوض بالأوضاع الاجتماعية والمهنية للفنانين”.
ويشدد على أن الهدف من هذا هو التأسيس لنقلة نوعية “تعمل على تدريس الموسيقى الحسانية وإحداث صندوق جهوي لدعم الإنتاج الموسيقي والتكوين في مجالات التلحين والأداء والعزف والتأليف وتعلم اللغات الأجنبية والتواصل… وفتح المجال لتنمية الموسيقى ونشر تعليمها لدى الناشئة داخل الفضاء المدرسي والعمل على ترويج المنتوج الموسيقي الحساني وطنيا ودوليا عبر إذاعتي العيون والداخلة وقناة العيون وعن طريق إشراك الفرق الموسيقية المؤهلة في المهرجانات الفنية الوطنية والدولية”.