قال أحد الظرفاء يوماً إن أول غَزَلٍ بالمرأة قد صدر عن آدم في الجنّة، عندما أنزل الله له حوّاء لتؤنس وحدته. لكن حوّاء باشرت بإغراء آدم، فأطعمته التفّاحة، مخالفة بذلك أوامر الله، فخسِر آدم وذريّته العيش في الجنّة. فكانت هذه أول عملية خيانة قامت بها أول امرأة خلقها الله، فتوارثها عنها من جاء بعدها من النساء.
نجد صدى لهذا الخيال المريض على امتداد العصور، كما عبّر عنه ذلك المأفون الذي أقحمَ على قصص ألف ليلة وليلة قوله:
إن النساء شياطينٌ خُلِقن لنا
نعوذ بالله من شرِّ الشياطين
لكن استعراض موقع المرأة في الشعر منذ أيّام كَلكَامش إلى أيّام نزار قبّاني يعطي صوَراً اُخرى قد يكون من الطريف المرور ببعضها، باختصار شديد.
ففي أول ملحمة شعرية هي ملحمة كَلكَامش، نجد صوَراً من تفكير البشر أيّام أوّل حضارة في العالم، في مدينة أوروك الوركاء، في الألف الرابعة ق.م. وفي تلك الملحمة الشعرية نجد وصفاً لعدد من النساء، منهن شمخانو حريمتو، غانية المعبد، وكاهنة عشتار، ربّة الحُب والنّماء، التي طلب منها كَلكَامش أن تقود صديقه انكيدو إلى مدينة أوروك. وهناك سيدوري ساقية الحان، وكلتاهما تبُشِّران بالمِتَع واللذة، دون المعرفة. ونقرأ عن عدد من النساء يشتغلن بنسخ الكُتُب، لأن ذلك كان من عمل النساء. وثمة نساء شاعرات وعرّافات، ولكن أبرز النساء كانت نيسون أم كَلكَامش، امرأة المعرفة والحكمة. في تلك الألف الرابعة ق.م. نجد في أوروك عالماً من النساء لا تُشغِلُهنّ المكائد، بل شؤون اللذة والمعرفة والحكمة، نساء أنجبنَ من أقاموا برج بابل والجنائن المعلّقة
وفي أعمال أوّل شاعرة عرفتها الإغريق في القرن السادس ق.م. هي سافو (630-570 ق.م.) نجد صُوَراً للحب الإنساني، قبل أن تُسيء إلى سمعته أعمال بعض الباحثين في القرن التاسع عشر، أعمال سيّئة السُمعة، ورثها عنهم بعض كَتَبَة النقد في أمريكا في القرن العشرين.
كانت سافو امرأة من عِليَة قومها في جزيرة لزبوس، وكان زوجها ممن عَصَفت بهم شرور السياسة المحلّية، فحُكِم عليهما بالنفي، وبقيَت سافو وحدها، فأقامت داراً للصبايا تُعلِّمهن فيها الشعر والغناء والموسيقى. فإذا تزوّجت إحداهنّ أقامت لها حفلة وداعٍ كبرى، لأنها كانت تُحِب جميع أولئك الصبايا. لكن كَتَبَة النقد اللاحقين فهموا ذلك الحب الإنساني في مجال الجنس، واتّهموا الشاعرة بالمِثليّة الجنسيّة.
ولكن ثمّة جُذاذات من شِعر سافو تشير إلى 104قصيدة حُب في غاية الرِقَّة، أثنى عليها مُجايلُها الشاعر الناقد المؤرِّخ ألكائيوس. وفي “حوار المائدة” يقول أفلاطون: يرى بعضهم أن ربّات الفنون تِسعة. يالَجَهلِهم. أنظروا، ها هي سافو عاشِرة ربّات الفنون! فهل نُصدِّق شاعراً عرف سافو عن قُرب، وكان يُمكن أن يشعُر بالغيرة منها، أم نصدِّق فيلسوفاً من وزن أفلاطون، أم نُصدِّق كَتَبةً تفصلهم عن الشاعرة وعصرها آلاف السنين، ويستعملون كلمة الحب نفسها في شعورهم نحو الزوجة ونحو المثلّجات أو كعكة اليقطين في آنٍ معاً؟
صورة المرأة في إلياذة هوميروس (القرن الثامن ق.م.) هي صورة <هيلين الطروادية> التي كانت إبنة زيوس كبير الأرباب الإغريق، وقيل إنها أجمل امرأة في العالم. تزوّجها مينيلاوس ملك إسبارطة، لكن باريس ملك طروادة اختطفها منه، فقامت الحرب الضروس بين إسبارطة وطروادة بسبب المرأة الأجمل في عالم الإغريق، كما تروي الإلياذة ومن بعدها الأوذيسة. وتحتل هيلين مكانة بارزة في شعر هوميروس ومن جاء بعده من شعراء اللاتين.
من أبرز شعراء اللاتين أوڨيد (43 ق.م.-17م.) وله في حب النساء ديوان “الصبابات “Amores وكتاب “فن الهوى”Ars Amatoria وكتاب “علاج الحب”Remedia Amoris يصوِّر الشاعر المرأة في شعره على أنها مخلوقة غواية، ضعيفة، لا تُقيم على عهد، مغرورة، راغبة في أن تكون عُرضة للخديعة، وغير ذلك من الصفات التي لم يذكرها أحد قبله. وفي “فن الهوى” يصف الشاعر للرجال كيفية السيطرة على النساء. وإذا كان التراث الإغريقي لا يجد في المرأة ما يمكن أن يرفعها إلى منزلة المحبوبة لدى الشعراء، نجد العصر الرومي الذي يتبع العصر الإغريقي يتمثّل في رأي أوڨيد الذي لا يجد في المرأة سوى مصدر لذّةٍ حسّية. وهذا استمرار لرأي ديمو سثينيس كبير خطباء أثينا وأبرز حُكمائها الذي يقول: “لدينا محظيّات من أجل لذّتنا، وسَرايا لحاجات أجسادنا اليومية، وزوجات لإدارة شؤون بيوتنا وليحمِلنَ لنا أطفالاً شرعيين”. وعلى امتداد العصور الوسطى لم يتغيّر الموقف الثقافي من المرأة إذ كانت “العقيدة المسيحية للقدّيس أوكستين (354-430 م) ترى في حب المرأة “شهوة جسدية
أي “حركة في الروح ترمي إلى تمييع النفس واشتهاء الجار والتمتّع بالأمور الجسدية الأخرى دون العودة إلى الله”.
وفي ذروة عصر النهضة الأوروبية نجد آلبرتي (1404-72) يقول في كتابه “الأعمال السائرة”Opera Vulgare عن النساء: “إنهن جميعاً مجنونات، مليئات بالقمل”. وفي الوقت نفسه نجد الشعر العربي على امتداد العصور الوسطى الأوروبية يحتفل بالمرأة في شعرٍ يستوحي التراث، وبخاصة شعر العذريين في العهد الأموي.
هذا بشّار بن بُرد الضرير يقول:
يا قومُ أذني لبعض الحيّ عاشقةٌ
والأذنُ تعشَقُ قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلتُ لهم
الأذنُ كالعين تؤتي القلبَ ما كانا
وهذا كبير العاشقين العذريين، قيس بن الملوّح، يقول في حبيبته ليلى:
أراني إذا صلّيتُ يمَّمتُ نحوها
بوجهي، وإن كان المصلّى ورائيا
أين هذا الموقف من المرأة في الشعر العربي من موقف شعراء الإغريق والرومان وشعراء القرون الوسطى الأوروبية؟
لكن هذا الموقف الأوروبي من المرأة في ما ظهر من شعر تغيّر جوهريّاً في بواكير القرن الثاني عشر، بظهور أوّل شعر دنيوي بلغة عامية، هي الأوكسيتانية، لغة إقليم أوك في جنوب غرب فرنسا وشمال غرب إسبانيا. وكان أول الشعراء بتلك اللغة هو دوق آكيتن كَيّوم التاسع ( (1071-1127الذي ترك لنا 11 قصيدة، أول 3 منها تلتزم القافية التي ظهرت أول مرّة في الشعر الأوروبي، ما يشير إلى تأثّره بالشعر العربي الأندلسي، بحُكم التقارب والعلاقات المتبادلة. والقصائد الثماني اللاحقة
تلتزم نظاماً في القافية يشبه ما في الموشّح الأندلسي. ومما لا يقلّ أهمية عن ذلك هو موقف الشاعر من المرأة وموقف الحب المتعارض تماماً مع ما في الشعر الأوروبي القروسطي الكنسي. ففي شعر كَيّوم ومن تبعه إلى آخر المعروفين من التروبادور نجد مفهوماً جديداً للحب أطلق عليه الباحث الفرنسي كَاستون باريس اسم “الحب البلاطي” هو حب “غير مَشروع” يبقى طيّ الكتمان، لكنّه يقترب من نوع من العبادة، إذ يكون العاشق بمثابة عبدٍ تحت سيطرة المحبوب. هذا الحب عاطفة مشبوبة، ترفع قدر العاشق إلى مستوى النُبل، ولو أنه ذليل أمام المرأة التي يُحِب. يقول كَيّوم التاسع في القصيدة رقم 8: “أودّ أن ألقي بنفسي إليها/ لكي تشملني في سجلّ عشّاقها/ لأنني لا أعبدُ غيرها”. ويقول برنار ده فنتادورن في القصيدة 33: “سيّدتي أنا طَوع يَمينكِ، وسأبقى كذلك إلى الأبد”. ومن تلك الأمثلة كثير، مما يُحيلنا إلى ما ورد من مختاراتٍ من شعر التراث العربي في كتاب “الزُهَرَة” لإبن داوود، الذي ظهر ببغداد عام 890 وكان معروفاً في الأندلس، ومثله كتاب إبن حَزم “طوق الحمامة” 1022 إضافة إلى الموشّحات الأندلسية التي تصدر في مفهوم الحب عن كُتُب التُراث، وهو ما انتقل إلى شُعَراء التروبادور وإلى الشعر الأوروبي الجديد وما تطوّر عنه لاحقاَ.
يردِّد آخر من نعرف من التروبادور أن “الحب ليس خطيئة”. وهذا يحيلنا إلى قول ابن حزم:
متى جاء تحريمُ الهوى عن مُحمّدٍ
وهل مَنعُه في مُحكَمِ الذِكرِ ثابتُ؟
وموقف العاشق في شعر التروبادور من التذلّل للمحبوبة يحيل على ابن حَزم ثانية في قوله:
ليس التذلُّل في الهوى يُستَنكَرُ
فالحُبّ فيه يخضَعُ المُستَكبِرُ
وموقف العاشق المغلوب أمام الحبيبة الغالبة، الجديد في هذا الشعر الجديد على أوروبا، يذكِّرنا بقول العباس بن الأحنف (860) الذي نظم بهذا المعنى على لسان الرشيد:
مَلَكَ الثلاثُ الآنساتُ عِناني
وحَلَلنَ من قلبي بكُلِّ مكانِ
مالي تُطاوِعُني البريَة كلّها
وأطيعُهُنّ وهُنّ في عِصياني؟
ما ذاك إلاّ أن سُلطانَ الهوى
وبهِ قَوينَ أعزُّ من سُلطاني
ويُروى عن الحَكَم الأوّل، الخليفة الأندلسي (ت 822) قوله:
ملّكنَني مَلِكاً ذلّت عزائِمُهُ
للحُبِّ ذلّ أسيرٍ موثَقٍ عاني
إلى جانب هذا كلِّه، عرَفَ الشعر العربي أنواعاً من المواقف نحو المرأة، وأنواعاً من المفهومات عن الحب، بدءاً من الشعر الجاهلي، ليس فيها ما يهين المرأة. قد نجد تلاعُباً عابثاَ مثل: ودَفَعتُها فتدافَعَت/ مَشيَ القطاةِ إلى الغديرِ. وقد يكون الحب إسقاطاً على البعير الذي حملَ العاشق إلى محبوبته: وأحبّها وتُحِبّني ويُحِبّ ناقَتَها بعيري، أو إسقاطاً على جدران دار الحبيبة: أمُرُّ على الديار ديار ليلى/ أقبِّل ذا الجِدار وذا الجِدارا.
أمّا أمثلة المواقف نحو المرأة في شعرنا الحديث، فهل ثمّة متّسَع للحديث عن شعر نزار قبّاني؟