القاهرة ـ ‘القدس العربي’: صدرت مؤخرا للشاعر والروائي فاضل العزاوي عن دار نشر الجامعة الأميركية في القاهرة رواية جديدة باللغة الانكليزية بعنوان ‘المسافر وصاحب الخان’ ، قام بترجمتها البروفيسور الأميركي وليم م. هاتشينس الذي سبق له وأن ترجم العديد من الأعمال الروائية العربية الى اللغة الانكليزية، ومن بينها ثلاثية نجيب محفوظ. ‘المسافر وصاحب الخان’ هي الرواية الثالثة التي تترجم لفاضل العزاوي الى الانكليزية بعد روايتيه ‘آخر الملائكة’ و’القلعة الخامسة’ وبعد ديوانين شعريين هما ‘في كل بئر يوسف يبكي’ و ‘صانع المعجزات’ اللذين نقلهما خالد المطاوع، وهو شاعر وأستاذ أدب في جامعة مشيغان، الى الانكليزية، فضلا عن ديوان ثالث أعاد فيه فاضل العزاوي كتابة بعض القصائد العربية القديمة بطريقة حديثة ونشره مباشرة بالانكليزية بعنوان ‘أنظر وراءك بحب’. كما نشر موقع ‘وردس وذوت بوردرس’ الأميركي المختص بالأدب قبل أيام فصلا من رواية أخرى لفاضل العزاوي، يتولى وليم هاتشينس الآن ترجمتها الى الانكليزية. ويدور الفصل المنقول من رواية ‘الأسلاف’ وهو بعنوان ‘الأحياء الأموات’ حول أربعة دكتاتوريين يبعثون فجأة الى الحياة ويلتقون ثانية في قصرهم التاريخي الذي طالما شهد مغامراتهم والذي صار يحمل الآن إسم ‘قصر الذكريات’. تضمنت رواية ‘المسافر وصاحب الخان’ مقدمة خاصة كتبها فاضل العزاوي لتتصدر هذه الطبعة الانكليزية والتي روى فيها الظروف التي أوحت له بكتابة هذه الرواية. وقد جاء فيها:
تدور أحداث رواية ‘المسافر وصاحب الخان’ في فترة ما قبل حرب حزيزان 1967 وما بعدها، وهي فترة حاسمة ليس في تاريخ العراق الحديث فحسب وانما في تاريخ منطقة الشرق الأوسط كلها. فقد أدى الجو الذي أعقب الحرب الى نشوء حالة ثورية في العراق لم يعد النظام العسكري القائم حينذاك قادرا على السيطرة عليها، حيث خرجت مظاهرات عدة تندد بالدكتاتورية، كما نشرت في الصحف لأول مرة بيانات تطالب بالحريات الديمقراطية، ومن بينها بيان شهير وقعه حوالي 20 كاتبا وشاعرا ومفكرا وسياسيا معروفا، طالبوا فيه بإنهاء الوضع العسكري الدكتاتوري القائم في البلاد، إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، إعادة المفصولين الى أعمالهم، السماح للمنفيين بالعودة، إجازة الأحزاب السياسية وإجراء إنتخابات ديمقراطية. وقدم العشرات من الضباط المعتقلين منذ أعوام، وبينهم طيارون في القوة الجوية، مذكرة لإطلاق سراحهم وإعادتهم الى الخدمة للمشاركة في الحرب ضد إسرائيل.
كما شهدت كليات عدة في بغداد، ومن بينها كلية التربية التي تدور فيها بعض أحداث رواية ‘المسافر وصاحب الخان’ إعتصامات وإضرابات ضد انتهاكات رجال الأمن لحرمتها وقيامهم باعتقال بعض الطلبة.
لقد أدت حرب حزيران حينذاك الى أن يدرك الكثير من الناس أن الهزيمة التي لحقت بهم في حرب حزيران أكبر من أن تكون مجرد هزيمة عسكرية. فقد انهزم العرب لأنهم عجزوا عن استيعاب حداثة زمنهم في بناء أنظمة ديمقراطية وإنسانية وتطوير بلدانهم وتصنيعها. كما توصل الكثيرون الى أنه لا يمكن للدكتاتوريات العسكرية أن تحقق النصر، بل وحتى الدفاع عن حدود بلدانها. فهي لا تستطيع الا أن تدمر كل شيء وتخفق في النهاية في تحقيق أي شعار من شعاراتها الكثيرة التي ترفعها باسم الحرص على الوطن وكرامة الأمة.
رواية ‘المسافر وصاحب الخان’ التي كنت قد كتبتها في العام 1976 ليست رواية مباشرة عن حرب حزيران، وانما عن ذلك المرض الذي فتك وما زال يفتك بالكثير من الأنظمة العربية، والذي قادها المرة بعد الأخرى الى الهزيمة والفشل في كل شيء: الدكتاتورية والقمع والإرهاب والتعذيب. فالحرب تكمن هناك في الخلفية، تاركة آثارها الخفية والظاهرة على كل شيء. ما تريد الرواية أن تقوله هو أن الجلاد يدمر الضحية بقدر ما تدمر به الضحية الجلاد. فقد ظل بطل الرواية جليل البريء المعتقل حتى النهاية داخل سردابه مثلما تحول معاون الأمن قاسم نفسه الى ضحية، بسبب علاقته الملتبسة بجليل. لقد دمر كل منهما الآخر، حتى بدون أن يعرفا أنهما يفعلان ذلك. لقد استوحيت فكرة هذه الرواية من حدث مرعب مررت به. أعتقلت في العام 1963 وكنت لا أزال طالبا في الجامعة في اليوم الثالث من الإنقلاب العسكري بعد قيام قوات ‘الحرس القومي’ بمحاصرة المنطقة التي كنت أقيم فيها، وكدت أقتل، لولا أن قوة عسكرية نظامية أنقذتني وسلمتني الى الشرطة التي نقلتني هي الأخرى بدورها الى مديرية الأمن العامة، حيث تعرضت الى تعذيب قاس للإعتراف بجرائم لم أرتكبها. كنت أقبع في الزنزانة، يحيط بي الجلادون الذين كانوا قد انتهوا لتوهم من تعذيبي عندما رأيت رجلا يرتدي ملابس عسكرية يقف أمامي وكنت ممددا على الأرض ويقول: ‘آه، هذا فاضل، كيف أنت يا فاضل؟’ وحينما سأله المعاون الذي كان يحقق معي: ‘هل تعرفه يا معاون قاسم؟’ أجاب: ‘طبعا أعرفه، لقد كان واحدا من أقرب أصدقائي قبل أن ينقلب ضدنا. ألم أقل لك يا فاضل إنك تسير في الطريق الخطأ؟’ ثم ترك الزنزانة وخرج. ولكنني لاحطت أن تعاملهم معي صار أفضل قليلا بعد ذلك.
وفيما بعد فكرت مع نفسي: ‘هل يمكن لمهنة الجلاد في ظل نظام دكتاتوري أن تجعل صديق طفولة لي مثل قاسم يقوم بتعذيبي كجزء من المهنة التي اختارها؟ وما هو المدى الذي يمكن أن يبلغه العماء الآيديولوجي في مسخ أرواح الناس وتحويلهم الى حطام؟’ هذه الفكرة هي التي جعلتني أكتب هذه الرواية.
واليوم أدرك في ظل الصراعات الكارثية التي يعيشها العالم العربي بعد عقود من الدكتاتوريات والحروب وتدمير حياة الملايين من البشر أن ما حدث لا يرتبط بالماضي وحده وانما أيضا بالحاضر والمستقبل. فما لم ننته الى فهم أفضل للزمن الذي نعيش فيه والى التخلص من كل أشكال التطرف الآيديولوجي والديني والقومي، وقبل كل شيء من الدكتاتورية التي قد تتخذ أي إسم لها، فإننا سنظل داخل الدائرة المغلقة نفسها الى الأبد، حيث يدمر الجلاد الضحية، والضحية الجلاد بدون أمل في النجاة.