منذ أن اجترحنا (نظرية العبور بين الأجناس) والمقالات تكثر وهي تتخذ من الأجناس الأدبية موضوعا لها. وهذا دليل أهمية، إذ أن من سمات الأصالة في نظرية ما، خض المشهد النقدي وتحريكه باتجاه أو بآخر.
ومن تلك المقالات ما كتبه الشاعر والناقد منصف الوهايبي عن الأجناس بين الاستعاري والكنائي، ومقالة مصطفى عطية عن تداخل الأنواع والنصوص، وما كتبه فاضل التميمي عن محمد كاديك والتحول من الملحمة إلى الرواية، وتساؤله هل عرف النقد القديم الأجناس. وغيرها من أصداء تعزز ما طرحته.. وما أرجوه هو أن يتوسع هذا الاهتمام بجهود نقاد آخرين. ومن الطبيعي أن يعتري أي نظرية جديدة بعض اللبس، وقد يُساء فهمها؛ أمّا لأن الكتاب الذي فيه اجترح الناقد نظريته غير متوفر لجميع النقاد، وأمّا لأن النقاد أنفسهم غير متفانين في فهمها والتعامل معها بجدية.
والتداخل قضية من قضايا النظرية الأدبية، التي هي بالتأكيد نظرية غربية، لكنّ المستغرب أن هذه النظرية تركت أمر التداخل مفتوحاً على الغارب، بلا تحديدات أو مواضعات وظل (النص) هو لب اهتمامها أولا وآخرا.
وهو ما عارضته نظرية (العبور بين الأجناس) التي اجترحناها، مؤكدين على أن هذا الانفتاح ما بين الحدود النصية، لابد أن تكون له قوالب بها (يحافظ أو لا يحافظ ) الجنس على حدوده، منصهرا ومذابا في جنس هو أقدر منه، ليكون الأول معبورا والثاني عابرا عليه، ضاما إياه في قالبه، وبهذا تنتفي دعوتان وتصبحان واهيتين وهما: دعوى موت الأجناس واستيلادها ودعوى اللاتجنيس.
والجنس العابر هو الصاهر والمذيب لأنواع دونه، أو أجناس أضعف منه لا تقدر على مقاومة جاذبيته، التي بها تتأكد حديته ورسوخه واختلافيته، فيتقنن كجنس عابر. وهو واحد من أربعة أجناس (الرواية/ القصة القصيرة / قصيدة النثر/ المقالة). مما فصلًّنا القول فيه في كتابنا الموسوم «نحو نظرية عابرة للأجناس» الصادر مطلع هذا العام في عمان في الأردن، وقد دللنا بوضوح نظري وتمثيل إجرائي أن في اللاحدود (التي جاءت بها نظرية التداخل) حدودا بها يثبت الجنس رسوخه، وقد تقنن قالبه صاهرا جنسا، أو نوعا كان قد تعالق معه فعبر هو عليه. أما مسعانا في التنظير للعبور بين الأجناس فعملية مختلفة عن عملية التداخل واللاتجنيس، وهي بهذه الخصوصية نظرية جديدة على النقد عامةً. وفيها يظهر الفارق ما بين التداخل الأجناسي والعبور بين الأجناس، فالتداخل هو التعالق والتناص والتنافذ والتخالط والاندماج، وما شئت من المفردات ذات الدلالة الاتحادية الثنائية التمازجية، التي فيها حدود النصين المتداخلين متآصرة؛ وما بين العبور الذي هو التجسير البيني، الذي فيه يتم التهجين والصهر والإذابة لجنس أو نوع في قالب جنس عابر عليه. هذا القالب الذي هو أقدر من غيره على ضم حدود غيره فيه.
وفي معرض مساعيِّ في طرح نظرية جديدة حول العبور بين الأجناس، أجد أن النظرية تلقى فهماً مختلطاً، يُظن فيه العبور هو التداخل نفسه، لا بسبب ارتباك الفهم لنظرية العبور، وإنما أيضا عدم الإدراك الدقيق لنظرية التداخل نفسها، التي مضى على التنظير لها ما يقرب من ستة عقود. وبعبارة أدق فإن عدم إدراك ميكانيزيمية عملية التقولب بالعبور هو ليس دليلا على قصور الفهم بالنظريتين معا، وإنما هو أيضا دليل على إمكانيات نقدية، لا تستطيع الارتفاع بصاحبها عن أن يكون نقده تخصصيا، يصب في صلب الموضوع المطروح. هذا من جانب، ومن جانب آخر نجد نقادا يستلون أفكارا مني ومن سواي، ويضعونها مقدمات لمقالاتهم، لكن للأسف من دون الإشارة إلى المصادر التي أخذوا عنها. وهو ما وجدته في مقالة (تداخل الأنواع الادبية في رواية بغداد وقد انتصف الليل فيها) للدكتور فاضل التميمي المنشورة في 13 مايو/أيار 2020 وقبل أن أذكر مواطن الأخذ، أود أن أؤكد أن من دلائل الناقدية الفذة قدرة صاحبها على التمييز بين المسميات، ووعيه للكيفية التي بها يحدد ما يأخذه عن ناقد آخر، بطريقة لا تخل بأكاديميته، ولا تثقل مقاله كي لا يكون الأخذ مثلبة عليه.

وقد افتتح فاضل التميمي المقالة ـ كما اعتاد في كتابة مقالاته ـ على طريقه كتابة ملخص بحث ما، بالقول: «تسعى هذه المقالة إلى الوقوف عند ظاهرة تداخل الأنواع الادبية»، ومعلوم أن للمقالة مواضعات كتابية وللبحث مواضعاته الخاصة، والتفريق بينهما دليل تمكن. أما قوله: «ظاهرة تداخل الأنواع» فالصحيح أن التداخل كمفهوم نقدي هو قضية لا ظاهرة؛ لكنه كاشتغال نصي هو ظاهرة. وقد خانت مفردة (الأنواع) الكاتب، إذ أنها كشفت عن عدم تفريقه الاصطلاحي بينها وبين الأجناس، نظريا وتاريخيا، لأن لفظة الأنواع تعني أن الجنس الأدبي كائن حي يولد فينضج ثم يذوي وهو ما ترفضه نظرية الأجناس، وإلا ما قلنا بالتداخل أصلا. أما قوله: «تجاور أكثر من نوع أدبيّ، في بنية الرواية الأدبيّة» فمردود لأن التداخل بكل مرادفاته (تجاور/ تعالق/ تناص/ تنافذ/ تماه/ تضمين» يفترض تداخل الحدود ما بين النصوص بكل ما تعنيه كلمة التداخل من انفتاح. أما تحديده «في بنية الرواية» ففيه بالتأكيد إقرار بنظريتنا في العبور.. وما عدا هذا يكون استعمال كلمة (بنية) دليلا واضحا على خلط المسميات، وعدم التفريق بين البنية، بوصفها نصا والجنس بوصفه قالبا، ناهيك من حقيقة أن الرواية ليست بنية ولا هي فنا ولا موضة بل هي (جنس).
وأما ما اتبعه من اعتبار التداخل (فرصة العثور على نص متعدد) ففيه دحض الكاتب بنفسه محاولته لفلفة التداخل الأجناسي بنظرية العبور بين الأجناس. ونتساءل عن المصدر الذي عليه استند الكتاب في ما نقله عن جيرار جينيت، وباختين وأين قال جينيت بـ(آثار أدبيّة)؟ وبـ(المتون)؟
و(حركة تتشكّل فيها النصوص، ويعاد تنظيمها من دون أن يكون للتداخل تأثيرٌ سلبيٌّ يقدح في بناء المتون وتأريخها) وما قاله باختين عن ظل الشعر على مجال النثر؟ ويغيب عن بال كاتب المقال في قوله: «ثمّة مذكرات خاصّة بالساردة تسلّلت إلى المتن، فيها تفصيل لطبيعة الحياة الخاصّة للبطلة»، إن ادخال الشخصيات الواقعية في المتن الروائي ليس جديدا، ففي رواية «سيدات زحل» تدخل لطفية الدليمي شخصية محمد شكري، وفي رواية «أزمنة الدم» يدخل جهاد مجيد شخصية كاظم سعد الدين.
أما وضع كلمة (نص) قبل كلمة (رواية) فلا تسدل الستار، ولا تجعل الغربال ذا فائدة.. ولتنضم رواية حياة الرايس «بغداد وقد انتصف الليل فيها» إلى قافلة الرواية العابرة للأجناس، مما كنت في كتابي آنف الذكر قد ذكرت منها كثيراً.
ولن أشير إلى الخلط الذي فيه لا يفرق المقتبس أعلاه بين (الساردة/ الكاتبة) و(البطلة/ الساردة). وهناك مواضع أخذها الكاتب من نظرية (العبور) وأنا أشكره عليها، لو أنه تكرم وأشار إلى النظرية كما في قوله: «في مجملها ذات قيمة سرديّة تقاس أدبيّتها من عدمها بمعيار جودتها التي عملت على ردم الثقوب والفجوات، التي تخلّلت نص الرواية جرّاء الانتقال السردي من وصف إلى آخر، أو من زمن ومكان معينين إلى غيرهما، فتقوم الذكريات» ولا يخفى ما بين التعاطيين: الأول (بالردم للفجوات والثقوب) والثاني(تخللت نص الرواية)، من تدليل على التعدي من نظرية الأجناس إلى نظرية العبور بين الأجناس، التي فيها القولبة والتقنين هما اللب.
أما وضع كلمة (نص) قبل كلمة (رواية) فلا تسدل الستار، ولا تجعل الغربال ذا فائدة.. ولتنضم رواية حياة الرايس «بغداد وقد انتصف الليل فيها» إلى قافلة الرواية العابرة للأجناس، مما كنت في كتابي آنف الذكر قد ذكرت منها كثيراً. ولا يخفى أيضا ما في قوله: «يدفعني، لأن أقول إن دخول السيرة الذاتية في متن الرواية» مماراة لي مؤاخذة عليها، إذ ليس هذا تداخلا، ما دمنا لا نتحدث عن نصين، وأنما نتحدث عن جنس له قالب هو (الرواية) وعن نوع أضعف منه هو (السيرة ) التي ليس باستطاعتها أن تحافظ على حدود اختلافيتها عن الرواية، ومن ثم تذوب فيها لتعبر الرواية كجنس عابر عليها.
ومعلوم لكل دارسي نظرية الأدب أن الكاتب ذات مستقلة عن السارد، الذي هو ذات ثانية له، ومن ثم ليست الروائية هي التي قفزت في قوله: «إنّ الروائية كانت قد وقعت.. وهذا ما دعاها إلى القفز فوق (الحدود) التي وُضعت لكلا الجنسين»، بل النص انفتح وتداخل.. وإذا كان الكلام مخصوصا في القوالب والأجناس ـ كما هو الحال هنا ـ فإن العملية الحاصلة هي العبور، وإلا لماذا ناكد أصحاب نظرية التناص والانفتاح البنيويين مطالبين بفض الانغلاق، داعين إلى الانفتاح بين النصوص (غير مهتمين ولا معنيين بالقوالب والأجناس) لتكون الكتابة النصية كتابة مندمجة حرة على عالم إبداعي حر بلا حدود. ولا يخفى إعجاب كاتب المقال بنظرية العبور في قوله: «دخول البورتريهات في متن الرواية هو دخول ممكن بين نوعين سرديّين، كلّ واحد منهما يلتقي مع الآخر، في جملة خصائص بنائيّة معروفة تخص اللغة، والحدث، والزمكان، وغيرها، وتفترق في أخرى تتعارض شكلـيّا وطبيعـة السرد الروائي) ففيها تجاوز الكاتب على فحوى التداخل وذهب بعيدا صوب القوالب، التي هي أطروحة (العبور) كنظرية، إذ بها لا حدود تتماهى وتتداخل من دون (كابح) يردعها، يتمثل في جنس قوي مقتدر، يستطيع لمَّ حدودها في حده هو بالذات، ومن دون أن يختلف قالبه جراء عميلة التجسير والعبور. وهو ما تستطيعه الأجناس الأربعة العابرة (الرواية والقصة القصيرة وقصيدة النثر والمقالة) .
٭ كاتبة من العراق