قيود الحركة المفروضة على الفلسطينيين قاسية ومذلة
فاز فيلم “الهدية” للمخرجة الفلسطينية فرح نابلسي بجائزتين هامتين مؤخرا، هما جائزة الجمهور في مهرجان كليرمونت-فيراند الدولي للأفلام القصيرة، وجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان كليفلاند السينمائي الدولي، وهو ما يعني أن الفيلم مؤهل للدخول في السباق على جائزة الأوسكار.
“الهدية” هو أحدث أعمال المخرجة الفلسطينية التي تجسد أفلامها معاناة الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي. وهو جزء من “لوحة فسيفساء كبيرة” كما وصفتها في مقابلة سابقة، كل قطعة فيها تشير إلى إحدى ممارسات الاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان واستخدمت المخرجة الفيلم كوسيلة للوصول إلى الناس عن طريق الفن.

*فاز فيلم “الهدية” حتى الآن بجائزتين وقد يكون في طريقه إلى الأوسكار، كيف تشعرين حيال ذلك؟
**إنه لأمر جميل عندما يُعترف بفنك وعملك الجاد وعرقك ودمك ودموعك ويتم تقديرها. لذلك، بطبيعة الحال، أشعر بسعادة كبيرة حيال ذلك، ومن الرائع مشاركة لحظات النصر في رحلتي، مع الآخرين. بينما أحاول ألا أفكر بشكل خاص في جائزة الأوسكار نفسها، إلا أنه بالطبع سيكون من الرائع أن يتم ترشيحي حتى ينتهي المطاف بأكبر عدد ممكن من المشاهدين للفيلم، وهو هدفي الأعلى والأساسي، وليس جائزة الأوسكار نفسها.
* ما هي قصة الفيلم؟
**تدور القصة حول رجل فلسطيني مجتهد يعيش في الضفة الغربية، ينطلق مع ابنته الصغيرة لشراء هدية عيد زواج لزوجته. ولكن عندما تعيش في ظروف نقاط التفتيش والجنود وحواجز الطرق، كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين، فإن هذه المهمة البسيطة لا تكون بهذه السهولة. إنها قصة بسيطة تتحدث عن الواقع العبثي الموجود في فلسطين اليوم.
*لماذا التركيز على حق الحركة للفلسطينيين بشكل خاص؟
**في نهاية المطاف، حق الحركة هو واحد من حقوق الإنسان الأساسية، التي يعتبرها معظم الناس في جميع أنحاء العالم أمرا بديهيا-ربما حتى وقت قريب، بسبب قيود الحركة التي فرضتها جائحة كوفيد-19 ولكن عادة ما يكون الحق في التحرك كما نشاء في حياتنا اليومية، أمر لا يفكر فيه معظم الناس لأنه مفروغ منه، ولكن بالنسبة للفلسطينيين، فإن هناك أكثر من 150 نقطة تفتيش عسكرية إسرائيلية، ونحو 100 نقطة تفتيش أخرى متجولة (يمكن أن تظهر في أي وقت وفي أي مكان). وفي فلسطين طرق منفصلة والتفافية، وحظر تجول، وحصار، وجدار الفصل العنصري وما إلى ذلك.
آليات المراقبة والتحكم هذه كلها اعتداء على هذا الحق الأساسي من حقوق الإنسان، والذي يدمر بدوره العديد من الحقوق الأخرى لدى الفلسطينيين، مثل القدرة على العمل وكسب العيش، وزيارة الأسرة، أو الوصول إلى أرضك أو إلى المستشفى أو العيادة، أو مدرسة أو مكان عبادة، أو في حالة أمر بسيط كما في الفيلم شراء هدية لشخص تحبه!
مثل هذه البيئة والظروف التي يعيشها الفلسطينيون تخلق شعورا بعدم الأمان. علاوة على ذلك، لا تجعل آليات التحكم في الحركة هذه التخطيط للأشياء البسيطة في يومك غير مؤكدة ومرهقة فحسب، بل قاسية ومذلة أيضا. لقد كتبت الفيلم بناء على تجربتي الخاصة في نقاط التفتيش هذه، حيث راقبت الفلسطينيين الآخرين عندها، وتحدثت مع أولئك الذين عليهم التعامل معها كل يوم. إن دراسة تأثير مثل هذه الأشياء على الروح البشرية، والضرر الذي يمكن أن تسببه للفرد والأسر والأطفال والمجتمعات العالقة في هذه البيئة المرهقة والمذلة عمداً، هو ما شدني إلى كتابة وإخراج هذا الفيلم القصير.
*أين تم تصوير الفيلم؟ وما التحديات التي واجهته؟
**قمنا بالتصوير بالكامل في فلسطين وهو ما أتاح لنا تجربة أصيلة لا مثيل لها، وعكس الواقع بشكل صحيح مع الخلفيات المناسبة والممثلين واللهجات والأجواء المناسبة. هناك الكثير من المواهب في فلسطين التي تحتاج فقط إلى الفرصة للسماح لها بالازدهار والنمو. أنا سعيدة جدا لأنني قمت بالتصوير هناك.
عندما صورنا وجدنا مواقع رائعة، لكنها كانت عادةً في المنطقة “ج” التي تخضع تماما لسيطرة الجيش الإسرائيلي، والحصول على تصاريح للتصوير فيها، سيكون من المستحيل، والتصوير بدون هذه التصاريح سيكون محفوفًا بالمخاطر، لذلك كان علينا التخلي عن تلك المواقع واختيار المواقع التي لم تكن مثالية تماما، كانت في مناطق أكثر مركزية مع الكثير من حركة المرور والضوضاء التي يجب السيطرة عليها، على الرغم من أننا كنا نريد مناطق أكثر هدوءا.
من أصعب الأشياء التي قمنا بها، وكانت بمثابة المخاطرة، لأنني أردت فعلا أن أصور في هذا الموقع، كان التصوير في نقطة التفتيش 300 المعروفة بقسوتها في بيت لحم (المشهد 2 من الفيلم)، حيث يمر الآلاف من الفلسطينيين كل صباح. الرواية الوحيدة في هذا المشهد هي بطلنا يوسف (صالح بكري). كان التصوير في ذلك الصباح صعبا جدا لأننا لم نأخذ أي تصاريح من أي شخص وكنا محاطين بفلسطينيين يتعرضون للإهانة في الواقع من قبل جندي إسرائيلي. السؤال الأكثر فلسفية هو، من له الحق في إعطاء أو رفض الإذن بتصوير هذه الوحشية، ولماذا تتواجد هذه الوحشية هناك في المقام الأول؟
*ما هي الرسالة التي سينقلها الفيلم للعالم؟
**أريد أن يفكر الناس في الفيلم، حتى بعد أن ينتهوا من مشاهدته. أن يشعروا ويتساءلوا ماذا تعني هذه الحياة لأشخاص مثل يوسف وياسمين. عندما يصبح شيء بسيط للغاية صعبا ومرهقا، بلا داعٍ وبشكل مستمر. “الهدية” فيلم خيالي مبني على واقع حقيقي على الأرض اليوم في فلسطين، لذا أريد من الناس أن ينظروا إلى هذه الحقيقة القاسية ويتساءلوا، هل سيقبلونها لأنفسهم؟
*لماذا تركزين على الأفلام القصيرة؟ وهل ستخرج فرح أفلاما طويلة في المستقبل؟
**بدأت في الأفلام القصيرة، لأنني أعتقد أنه يمكن إنتاج المزيد منها وبشكل أسرع وبتكلفة أقل من الأفلام الطويلة، كما أنني لم يكن لدي أي خلفية عن صناعة الأفلام على الإطلاق عندما بدأت، لذا فإن المخاطر لن تكون عالية كما الحال لو كنت استهدفت الأفلام الطويلة بشكل سابق لأوانه. يبدأ كل صانعي الأفلام تقريبا بالشكل القصير أعتقد لنفس الأسباب. كما أن الأفلام القصيرة أتاحت لي الحرية والمرونة لمحاولة العثور على هويتي كمخرجة وكفلسطينية. إنني سعيدة بأنني أكملت مؤخرا نصا لفيلم طويل آمل بإخراجه. في النهاية يجب أن أذهب حيث يأخذني إبداعي.
*متى وكيف سنتمكن من مشاهدة الفيلم؟
**سيستمر عرض الفيلم في مهرجانات الأفلام حول العالم طوال الفترة المتبقية من هذا العام وجزء من العام المقبل، قبل أن تتم إتاحته على الإنترنت في نهاية المطاف. ولكن بسبب جائحة كوفيد-19 اختار العديد من المهرجانات الإنترنت بدلاً من تأجيل العرض، لذلك فهناك فرص لمشاهدة “الهدية” على الإنترنت في وقت قريب خلال تلك المهرجانات. المهرجان المقبل هو مهرجان بروكلين السينمائي في نيويورك الذي سيعرض الفيلم عبر الإنترنت بين 29 أيار/مايو و7 حزيران/يونيو.
*حلم الأوسكار… هل يمكن أن يصبح حقيقة؟
**فقط النعمة الإلهية هي التي ستحدد ذلك.