رسالة مفتوحة إلى الرئيس المصري

حجم الخط
1

السيد عبد الفتاح السيسي فقط أريد أن ألفت إنتباه سيادتكم إلى مسألةٍ ألا وهي حالة المركز الثقافي المصري في باريس التي لا تبعث على الارتياح.
كما تعلم ـ سيدي الرئيس ـ إن أهم وزير ثقافة عرفته مصر والعالم العربي الدكتور ثروت عكاشه هو الذي كان رائد فكرة شراء المركز عام 1965 وإطلاقه وجهاً مضيئا لثورة مصر والعرب.. منارة في قلب مدينة النور على مرمى حجر من «البانتيون» مثوى عظماء فرنسا على دقيقتين من جامعة السوربون العريقة ومكتبة سانت جنفييف العامرة وحديقة اللكسمبورغ رئة الحي اللاتيني.
إن رؤيويّة المرحوم الخالد الأديب ثروت عكاشة (في العصر الديغولي – الناصري) جسّدت مدينة الشمس ورافعة الأهرام في قلب أم النور في أوروبا والعالم حيث صفّقتْ لها الأفئدة الفرنسية كون مصر – سيدي الرئيس ـ هوىً فرنسياً بإمتياز كما يعرف الجميع وكما تشهد المراجع القديمة والحديثة. كما يشهد بذلك أيضاً كتابنا الكبار من الطهطاوي إلى طه حسين إلى الغيطاني إلى أحمد الصاوي.
لقد كان لي الشرف الكبير أن أرتاد هذه المنارة عام 1967 في اليوم الذي لامست فيه أديم هذه الحاضرة الرائعة. لقد شعرتُ كأنّي سادنٌ لِطَيْف مصر بالروح والعقل والحب إعترافاً وعرفاناً بدورها في المدى العربي وإفريقيا وآسيا والعالم، وإيماناً بأملنا فيها الذي لا يخبو.
لقد كانت الأمبراطوريات ـ كما تعلم سيدي الرئيس – لا تعمّد نفسها أمبراطوريات إلا إذا كان لها موقع ضارب في أرض الكنانة من اليونان إلى الرومان إلى الفاطميين إنتهاءً ببلاد نابوليون وبلاد كرومويل.
لقد تجلّت مصر شعباً، حضارةً، وثقافة ً في هذه المنارة طيلة نصف قرن ملتقى حميماً عابقاً لأهل الأرض من فرنسيين وعرب وسواهم من ناشدي الدفء والحرف والضوء.
فجأةً – ولا أريد البحث في الأسباب – المنارة غَدَتْ مقبرةً مغطاة بالستائر المظلمة والأوراق الساقطة من الشجر ومن النفايات المتجمهرة أمامها على الرصيف، وعلم مصر الـ 56 وتشرين الأول/أكتوبر الـ 73 يبكي بدموع صامتة غير مرئيّة يلويها الحداد على هذا المشهد الكئيب كأنه يقول: ارفقوا بجبين مصر.
الإسلام استوطن أندونيسيا التي سكانها حاليّاً أكثر من سكان العالم العربي عن طريق الكلمة وليس بالسيف واليوم كما تعلم العصر عصر إنفتاح واتصال وثقافة واقتصاد مادة واقتصاد معرفة. أمريكا وأساطيلها وصواريخها العابرة للقارات لا تعبر القلوب والأذهان والعيون كما «الله وأكبر» فجراً في شفاه أكثر من مليار ونصف مليار مسلم في العالم.
لقد كتبتُ منذ ستة أشهر في منبر العرب وصوتهم وضميرهم «القدس العربي» بلندن متوجهاً إلى المسؤولين في رجال دولتكم الكريمة كما قمت بتوجيه استغاثتي إلى أعلى المسؤولين المصريين الدبلوماسيين مباشرة ً في باريس. غير أن صوتي تبّدد كأنّهُ في الربع الخالي مع الأسف دون أصداءٍ تُسمع وتُجسّ.
إن نفطَ مصر الذي لنْ ينضب هو إشعاعها الحضاري في عاصمة العواصم، فكيف يدخلُ باب المحروسة الآخرون إذا لم يدخلوا من أبوابها المرسلة القافزة المتحفزة في أركان الأرض الأربعة أو الخمسة. كما نرى نفط إسبانيا في الآثار التي تركها أجدادنا أرقمةَ إبداع ٍلا تشيخ وأنهار بترول لا تنقطع.
أن حبي (أنا اللبناني ولادةً ) لمصرَ أُمّ العرب وأملهم سيّما في هذا الزمن الأسود والأسوأ في تاريخهم يدفعني إلى مناشدة عقلكم إعادة الضوء إلى هذه المنارة من جديد وذلك بإرسال أفضل العناصر المتصوّفة عملانيّاً لخدمة مصر وإيقاظها من مقبرتها المحزنة المظلمة.
لقد غدا المركز الثقافي المصري كمعهد العالم العربي كجامع باريس الكبير معالم أساسية من معالم باريس مقصد الناس من كل مكان. مركزكم الكريم أصبح فراغاً فاغراً من أجزائها التي لا يستغنى عنها والتي لا تتقبل غيابها باريس عن رضى فباريس تاج ملكة إذا افتقد لؤلؤة منه نسي اللآلىء الأخرى لأنه افتقد الإنسجام.
أستسمحك ـ سيدي ـ الرئيس بالتذكير أنَّ الجنرال الألماني المستقدم إلى باريس عام 1945 بتعليمات موقعة من هتلر تقضي بنسف معالم باريس الخالدة. لقد أبى هذا الرجل العظيم تدميرها بعد أن أحسَّ الحضور الحضاري والجمالي الذي لا يُستغنى عنه في هذه المدينة بالنسبةِ للعالم. ( ليت الفرنسيين شكروه بإقامة تمثالاً لهُ عرفاناً بالجميل ) فهل نفعل بأنفسنا بباريس ما لم يفعله الجنرال الألماني بها؟ .
أخيراً وليس آخراً إسلم سيدي الرئيس لمن يحبّ مصر ولا يبغي لها إلا الخير والعمران والإزدهار.
أحمد منصور ـ كاتـب من لبنـان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية