العراق «حكومة وحدة وطنية» أم محمية إيرانية

■ مرة أخرى يثبت رئيس الوزراء العراقي الجديد في زيارته الرسمية لرجل الدين السيستاني في النجف، ومن ثم الحج مباشرة إلى إيران، على انه ليس سوى مسؤول لنظام ثيوقراطي وطائفي فشل في القيام بواجباته كرئيس وزراء لكل العراقيين، تجاه التطورات الخطيرة الناتجة عن اتساع رقعة تنظيم «داعش» السني المتطرف، وتزايد جرائم مليشيات قاسم سليماني التابعة لإيران، التي قارب عددها الخمسين، حسب إحصاء مجـــلة «فورين بوليسي» الأمريكية، والمسؤولة عن خطف المدنيين السنة وإعدامهم، حسب تقارير منظمة العفو الدولية (آمنستي). وهذا ما يثبت عجز النظام العراقي الرسمي الجديد الذي جاء به الاحتلال من ان يكون الممثل الرسمي والشرعي للأمة العراقية، وبوصلة مسيرتها في العودة للقيم الوطنية، وأمر طبيعي أن تلجأ الأنظمة الفاشلة لسياسة التخندق الفئوي الضيق، والهروب إلى الأمام للالتفاف والمراوغة في مواجهة ثورة العراقيين ضد الطائفية والتدخل الخارجي، حيث لم تكن زيارة حيدر العبادي البروتوكولية والتجارية للملكة الأردنية الأخيرة للأسباب والأهداف نفسها، مقارنة بزيارة إيران التي كان لها وقع ولحن آخر، كشفت ذلك نوعية اللقاءات الخاصة مع قمة الهرم الديني ومسؤولي الملف العراقي، وعلى رأسهم الولي الفقيه، وفضحها التسريب المتعمد للصور الميدانية العسكرية لوجود قاسم سليماني شخصيا على التراب العراقي.
ومرة أخرى، يثبت الغرب في مباركته وتسميته للحكومة العراقية التابعة للنظام الإيراني على انها حكومة «وحدة وطنية»، في ان مستقبل البلاد ومصير الأمة العراقية لا زالا يعتمدان على حسابات المصالح الغربية في المنطقة، بعد ان اتضح للقاصي والداني سريعا ان حكومة «الوحدة الوطنية» هذه ليست سوى جمعية لممثلي الدول الإقليمية النافذة في المشهد السياسي العراقي، ولوبيات نفطية دولية لا تمت بأي صلة لواقع الشارع العراقي وتطلعات العراقيين الوطنية وحقوقهم المشروعة في سيادة الوطن، والمواطنة العابرة للطوائف، بعيدا عن التدخل الخارجي الذي سمح للأحزاب الدينية المرتبطة بالأجندات الإقليمية، بقيادتهم وزجهم بالتالي بمعارك إيران و»داعش»، التي لا تخدم البلد ولا تنقذ العراقيين من المأساة التي حلت بوطنهم، بعد ان غيبت سيادته وسرقت ثرواته وجعلت منه فريسة سهلة للتيارات الإسلامية المرتبطة بمصالح إيران وتركيا ودولارات الخليج.
وهنا لا بد من التوقف قليلا عند محورية الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع التيارات الإسلامية، باختلاف اتجاهاتها المذهبية وتنوع مصادرها الإقليمية، ووفق معادلة جديدة تهدف إلى إسقاط الأنظمة المدنية السابقة وإبدالها بأحزاب الدين السياسي، مقابل ضمان وتأمين المصالح الاقتصادية والإستراتيجية العليا.
من المؤسف ان يميل الكثيرون منا إلى الخنوع والاستسلام والقبول بالأمر الواقع، في تفسيرهم للأسباب التي مهدت لظهور تنظيم «داعش» المتطرف، ومن ثم نسيان أن كل الجرائم التي تحدث في العراق، كالتعصب الطائفي الشيعي والتطرف الإسلامي السني، هي عواقب وتداعيات التدخل الأمريكي وتدمير الدولة المدنية عام 2003. فالولايات المتحدة الأمريكية هي التي كانت وراء حل مؤسسات الدولة العراقية وتسليمها إلى إيران. كما ان إيران ساهمت أيضا في بناء السلطة الطائفية الجديدة بمرجعية دينية، لتجعل من العراق المتعدد الطوائف بلدا شيعيا بامتياز يطارد ويقتل أهله الشرفاء من العرب السنة، من خلال فتاوى متخلفة وثارات عنصرية إيرانية قضت على الكثير منهم وشردت الملايين من عوائلهم .
ففي الوقت الذي يوجه فيه الجهلاء أصابع الاتهام للعرب السنة في ما يتعلق باتساع نفوذ تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، يرى العقلاء أن سياسات الإدارات الأمريكية في المنطقة، وتحديدا في العراق، هي التي مهدت الأرضية لظهوره، حيث، يرون أن احتلال العراق وتدمير الدولة أدى إلى زيادة نفوذ إيران، وانها هي التي هيأت الظروف المناسبة لنشأة تنظيم الدولة الإسلامية. كما ان الحقد الدفين الذي أبداه زعماء أحزاب إيران في العراق كنوري المالكي باضطهادهم للسنة العرب، أدت إلى دفع القبائل العربية السنية باتجاه الاحتماء بالتنظيمات الجهادية.
لا شك أن ثمة عوامل خارجية أثرت تأثيراً كبيراً على الاستقرار السياسي في المجتمع والدولة، صناعة القرار السياسي في العراق ارتبطت بالاحتلال، إهداء العراق لإيران وجعله محمية تابعة لها، حل الدولة والمؤسسات العسكرية والأمنية وإبدالها بالمليشيات بقرار الحاكم العسكري الأمريكي.
وهكذا تم تغيير النظام العراقي بالقوة ومن ثم الإسراع في عملية تغيير شكل السلطة وتسليمها إلى أحزاب إيران لتحصد في النهاية ثمار المطالب الحقيقية للشعب العراقي، على الرغم من عدم شعبية ومحدودية دور هذه الأحزاب في الساحة العراقية، على حساب القوى الوطنية المدنية التي تزخر بها بلاد الرافدين.
لقد مالت الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما ميلا واضحا نحو التعامل مع التيارات الإسلامية المترامية في أحضانها، على الرغم من تعارض وتناقض مفهوم العلمانية الغربي واشكالياته وتعقيداته لدى المجتمعات الإسلامية والتيارات الدينية وفروعها المتناقضة، في ما يتعلق بحقوق الإنسان والأديان وحرية المرأة وانعكاساتها على العلاقات الدوليّة، وبالتالي تعايش المسلمين مع أنفسهم كطوائف ومذاهب من جهة، ومع المجتمعات والأديان الأخرى في العراق والعالم من جهة ثانية.
ان تهميش الثقافة الوطنية وإبعادها عن حكم البلاد ومن ثم إبدالها بالنزعة الدينية لم تكن وليدة إرادة عراقية، بل هي سياسة وسلاح ذو حدين للسيطرة على مقدرات البلاد وثرواتها، بضرب المسلمين بعضهم ببعض عن طريق تكريس الدين الإسلامي المتطرف وتناقضاته التاريخية في ما يتعلق بالخلافة بين المسلمين. وإبعاد النخبة المدنية الواعية الحريصة على وطنها وشعبها، حيث كان لعدم قدرة الولايات المتحدة في التصرف بفعالية في مساحة واسعة من العالم لتحقيق الأهداف العليا بما في ذلك النفط والنفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط الكبير، الدور الكبير في سقوط الدولة المدنية في العراق. هذا الانتقال من حكم الدولة المدنية إلى حكم الدويلات الطائفية، عززته التغيرات التي حصلت فقط على الأنظمة في العراق وليبيا وسوريا واليمن وتونس، وتجاوزته في بقية الأنظمة الدينية الإقليمية والعربية، التي تتبع نظام الخلافة الإسلامي أو الوراثي، رغم تشابه الطابع الديكتاتوري لحد ما في جميع هذه الأنظمة في طريقة الحكم وتطبيق الديمقراطية بين المواطنين. لقد أنهت التغيرات التي شهدها العالم العربي منذ بداية عام 2003 العديد من الأنظمة الديكتاتورية العربية ذات الطابع المدني، التي عمرت طويلا.
حيث انهار العراق ومن ثم ليبيا نتيجة للتدخل العسكري الأمريكي والغربي، في الوقت الذي باتت سورية ممهدة للانهيار التام واللحاق بالدول الأخرى، وهو ما سيدخل منطقة الشرق الأوسط في عصر التغيرات المفتعلة، عصر هدم القديم وبناء الجديد. عصر هدم «دولة الأمة»، وبناء إمارات الدين السياسي والتحول الخطير نحو الصحوة الطائفية والراديكالية المذهبية.

٭ كاتب من تيار المواطنة العراقي

أمير المفرجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية