تأتي مجموعة القاص الأدرني جعفر العقيلي «مسافة كافية» ــ إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب 2018 ــ لتشكل موجة جدلية جديدة ذات منشأ تنويري في طرحـــــها، إضافة إلى لغة مشاكسة تتراوح بين الانفلات والانقباض، في تقوساتها وتعرجاتها مشكلة مجموعة من المنعطفات الإستطيقية والمفارقات التقنية التي تنهض على بنية مراوغة بامتياز.
احترافية الذات .. الواقع المأمول
إن بؤر التوتر القابعة في كل مفصل من مفاصل العمل الفني والأدبي؛ تتحدد خطوطها العريضة عندما تضطلع بنتائج مهمة تعتمل في ميزان نقدي يعمل على تعرية الواقع المعيش اليومي، وتحقيقا لهذه الغاية، فإن الكاتب من خلال عنوان القصة الموسومة بـ «علامة فارقة « كإحدى عناصر هذه المجموعة، يكشف لنا جانبا مهما كون أن الحياة قد أفرغت من محتواها في ظل التغيرات المربكة.
وبشكل معلن تندرج هذه الخصيصة فيما يمكن أن نطلق عليه كما هو واضح من الشق الأول للعنوان سيمفونية الحياة، هذه السيمفونية التي نجد لها ترسانة من المعزوفات الموسيقية التي تخلط جميع الأوراق والحسابات داخل حلبة الصراع، وهي صناعة فكرية لها قدرة فائقة في التلاعب بالعقول من خلال توجيه الأذهان والأذواق والنفوس، يطالعنا السارد في هذا الصدد بقوله « هكذا انتبهتُ إليها؛ كنت أمشّط شعري أمام المرآة، ومصادفةً رأيتُها تختطّ طريقا غير تلك التي درجتْ عليها رفيقاتُها. لم آبَهْ للأمرِ في بادئِه. ثمّ حين واجهَتْني بحضورِها المشاكس، اغتظتُ. ولأنني لستُ عدوانيا، بخاصة مع «كائن « في مملكة جسدي، قلتُ في سري: «السقوطُ مصيرُها لا محالة «، فهذا ممّا يحدث يوميا، من دون أن نحسَّ أننا فقدنا شيئا ذا قيمة»
وهذا يجرنا حتما إلى إبراز قواعد اللعبة الحياتية التي تمثل قطب الرحى في تحريك أحداث المتن الحكائي، والتي تشبه في صنيعها جلد الحرباء في تغيير لونها، إذ تحمل داخل أحشائها عملية المد والزجر والأخذ والعطاء الذي يتراوح بين السلب والإيجاب، مما يتطلب من الذات مهارة أكثر براعة تدخلها ضمن عوالم الفن الذي يعبر عن النفس بوضوح في تعاملاتها مع الواقع المأزوم، فتصبح هي الأخرى مثلها مثل الفنان، وفي أفضل الأحوال، لن يتأتى هذا إلا من خلال القبض على المتغيرات بفهم عميق يتطلب أثناء عملية الممارسة حذقا وذكاء متجاوزا للنموذج والمعيار، وهذا يصنف في نظر القاص ضمن المهنية الفعالة التي يمكن من جرائها أن نحصل على أفضل النتائج، شأنها في ذلك شأن كل عامل يتقن وظيفته بكل مهارة واحترافية، بحيث تكون الكينونة مدركة تماما للتحولات الطارئة بوعي يسمح لها في جوها العام الإجابة عن الشكل الجديد الذي تمليه علينا الحياة وتفرضه في أقصى تقدير فرضا يتراوح بين الليونة والخشونة على كافة الأصعدة في كل مرة، ولا مناص من أن الحياة التي نعيشها بكل تناقضاتها ومعضلاتها وسلبياتها وإيجابياتها، فعلى مستوى البنية الذهنية لابد من التخلص من شراكها، وبالتالي، تقدم الذات نفسها كبديل في العملية التفكيرية والذي تلعب فيه دورا مهما في ساحة الحدث حتى لا يكون مفعولا بها «أُحِبُّها العلامات الفارقة، ويستهويني البحثُ عنها أكثر من العثور عليها.. كيف لا وهي التي كثيرا ما دوّخت التاريخ؛ أنف كليوباترا، شامة مارلين مونرو، فم إليسا المعْوَجّ، وقامة نابليون القصيرة.. وها إني اهتديتُ أخيرا إلى خاصتي: شعرة في حاجبي الأيسر».
السؤال الهوياتي وإنسانية الإنسان
مما لا يدع مجالا للشك والريبة أن القاص في مجموعته هذه يحاول إضاءة الجوانب الجوانية للذوات التي يلفها الإبهام والغموض وتسودها الظلامية والضبابية من خلال الحفر في أعماق الأفكار السوداوية، من أجل تعزيز انتصارات الذات الذي يضمن لها انوجادها في حركية تساهم قدر الإمكان في تشكيل حضورها التاريخي، على اعتبار أن الحرف حامل لترسانة من المفاهيم والمفاتيح، وبواسطته ينبلج وجه الحقيقة العياني في فض بكارة المسكوت عنه وإماطة لثامه باعتباره يمارس لعبة التجلي والخفاء، متسللا ليأخذ من منطقة اللاوعي مرتعا يختزل الوجود لصالحه ضمن إطار التحكم العاطفي والوجداني والعقلاني، وبالتالي، يرسم لنا حدودا بطريقة لا شعورية تقلص من فهمنا ووعينا المتنامي من خلال إطلالاته المتنوعة والمتباينة، وهذا ما يشير إليه عنوان قصة «مسافة كافية»، وهنا يعالج الكاتب نقطة في غاية الأهمية مفادها أن هذه المساحة الضيقة المحدودة تصبح حاملة لبنية الاستسلام التي تجبر الإنسان على تقديم الاستقالة والانسحاب والسير على هامش الحياة «مستلقيةً كانت في الغرفة الأخرى أثناء الغروب حين كتبَ لها على صفحتها في «فيس بوك» : «إلى متى….؟».
ألغى نقطتين قبل إشارة الاستفهام، وأتبعَ الأخيرةَ بإشارة تعجُّب.
فلسفة الحياة مشدودة دائما لارتداء الأقنعة المختلفة شكلا ومضمونا ومبنى ومعنى، وعلى هذا الأساس، فالقاص جعفر العقيلي يشبهها ضمنيا بالصندوق الأسود المليء بالمخاوف والمخاطر من خلال ما يرافقها من شطط
أحسّ بابتذال العبارة»
وتبعا لذلك، فإن الإيحائية الطالعة من المقطع السردي تفتح نافذة نطل من خلاها عبر بوابة الذوات من منطلق التشخيص الجواني للشخصيات، وهي معادلة تعكس حادثة تاريخية وسوسيولوجية وثقافية أظهرت عجزها في تغيير خطتها التي ظلت ردحا من الزمن عالقة في عبثية وجودية، ومن أجل تجاوز المأزق الذي كان المتسبب فيه الأول تلوينات الواقع، هنا القاص يناشد الأمل المغروس في أعماق الكينونة في مواصلة المسيرة، على اعتبار الأمل رأس مال رمزي يندرج ضمن الفائض القيمي النوعي، وهو نوع من أنواع التحدي في فعله التواصلي، يقترب شيئا فشيئا في تحقيق شرعية تضفي على الأشياء والموضوعات معاني ودلالات، تتأطر في سياق حضوري واسع النطاق، حيث يظهر جليا في الحكي الآتي «أبْدَلها بـ« كيف نعيد ترتيب أوراقنا؟.»حذفها أيضا، وكتب من جديد: «ما بالُ أمطاركِ شحيحة؟.» وجدَ في العبارة تلكَ بعضَ البلاغة «فالذات من خلال المقطعين تعيش عراكا حقيقيا في محاولة تجاوز النكسة بإيجاد البدائل والحلول بالانفصال عن اللحظة الراهنة، ولكن كلما همت بتخطي الأزمة التي تفرضها قواعد اللعبة الحياتية إلا وتجدها ماثلة أمامها تلازمهما كالظل حيثما حلت وارتحلت، كونها تجسد سيدة المشهد لوحدها، ومهما يكن من شأن، فإن تيماتية الهروب كأحد العناصر المخلصة من الوقوع في شرور الحياة واشتباكاتها، فإن هذا الأمر يؤدي وظائف حساسة تعلن فيه الكينونة بوعيها الثاقب والحاد هجران المحنة، من حيث أن الهروب هو في حد ذاته قيمة يكتم أوجاعه في مقابل رصد التحولات الاجتماعية، إذ يستمد معياريته من مقاصد وغايات حاملة لرغبة مجنحة، والتي تكابد الصعاب والعقبات بفتح السجلات من أجل مواجهة التحديات الكبرى، محاولة الذات نسج عالمها بقدح زناد التحليق في فضاءات الممكن كتجربة مصيرية « ظهيرةَ اليوم التالي، أرسل لها نَصهُ على بريدها الإلكتروني، طالبا منها قراءته بوصفها صديقة. وعلى فوره، فتح ملفا جديدا في حاسوبه، وبدأ يملأ البياضَ بقصةٍ أخرى من بطولتها، فيما أراد لحضورِه أن يتوارى، على نقيضِ ما كانَ في خُطاطتِه أمس!»
وعليه، فالعلامة اللسانية في رمزيتها التعبيرية والإيحائية في أراد لحضوره أن يتوارى، على نقيضِ ما كانَ في خُطاطتِه أمس، تتمظهر في تلك المرافقة الوجودية من خلال تقمصها لعدة أدوار، إذ تسمح للممارسة بالنزوع نحو الفاعلية التي تندرج تحت طائل الإرادة والعزيمة الخيرة، جسدتها أيضا عبارة فتح ملفا جديدا لحاسوبه، لأن فلسفة الحياة مشدودة دائما لارتداء الأقنعة المختلفة شكلا ومضمونا ومبنى ومعنى، وعلى هذا الأساس، فالقاص جعفر العقيلي يشبهها ضمنيا بالصندوق الأسود المليء بالمخاوف والمخاطر من خلال ما يرافقها من شطط، بحيث تمسك بتلابيب عبق الحرية في جوانبها البرانية مما يفضي بالقوى الفاعلة العيش في كنف النماذج الارتكاسية قسرا، وبالتالي، تظل الذات تعيش حالة من حالات الارتباك والحيرة في جوانية فاترة الحماسة تقود بخطاها نحو الضياع المجهول، ولقد عبر عن هذا المعنى السارد بقوله «وعندما عقدَ العزمَ على بعث الرسالة، كان جزءٌ منه يتمنّع مقنعا إياه بسخافة ما يفعل، ومذكّرا إياه بوقارٍ يَفترضه فيه. وعلى فوره غادرَ صفحته، وظلّت كلماته عالقة في الفضاء الأزرق «.
وتأسيسا على ذلك، فإن هذا المشهد الدرامي ينم عن عقلانية بائسة ومهترئة انبنت على سجالات هشة انتفت معها كل قدرة ومسؤولية جادة، وبذلك أفرزت شكلا من أشكال الهدنة التي تحكم السلوك والنشاط الإنساني، الأمر الذي تمخض عنه تبعات وخيمة عملت على الإخلال بحركية الحياة وعرقلة مسيرتها في طابع مجافي للصواب المستبطن لأساليب معيشية تقوض الهواجس النضالية والدفاعية، والتي انبثقت بفعل تداعيات شظايا الواقع بمشاريعه المجهضة للوعي الفكري، لذلك فالزوجان يعيشان حالة انفراج وهي علاقة مجردة من المعاني السامية والهادية، بمعنى أن هذه القصة في نسقها الرمزي توحي إلى بشاعة الممارسة الاجتماعية وما يعتورها من بؤس وشقاء، وضمن هذا المعطى، الفاقد للمبادرة الحقة، فإن الحياة وما تضمره من جشع وخداع ومراوغة تتزعم المشهد بأخذ زمام الأمور في ظل وهن الرقابة العقلية، وفي أسوأ الأحوال ترمي بالإنسان في العيش تحت سقف شظف العيش القاسي من خلال اليومي المشبع باللاجدوى، وهو أمر يمكن إدراك مراميه في بوتقة الشعور بالإهمال وذوبان الرغبة، وما يؤكد هذا المعنى، العبارة التالية «تقّصد في أن لا تنبس شفتُه بقيد حرف. وتركها تغادر الغرفة، كأنما خاطبتْ طيفا تعوزه المشاعر».
وعلى ما يبدو أن القاص من منظوره لا يجد لهذه الوضعية نهاية وأبواب موصدة، بل وفي الوقت نفسه يرى أنها تفتح المجال واسعا في دفع كفة الذات نحو مسارات مفتوحة مفعمة بطموحات نضالية تقيم استجابة مع المنحنى الذي يرسمه أفق الأمل القابع في الكينونة الهيومانية، وإذا سلمنا جدلا بهذه الخصوصية بوصفها مرحلة حاسمة، فإن طريقة التعاطي مع الحياة كعلامة فارقة عن المعتاد يجعلها تدور في فلك السؤال الأنطولوجي، إذ يعكس تلك السيرورة التي تتمتع بدينامية تعيد بناء نفسها برؤية جديدة حبلى بالمعاني والدلالات بعقل تأملي ووعي متحرر، يتم من جرائه تخطي عجز الحاضر في محفلية استشرافية قوامها المساءلة والمراجعة الحضارية في امتدادها الزمكاني.
٭ كاتب جزائري