«مهرجان الشارقة لسينما الطفل» وسيط مختلف لا يستسلم للتوقعات

حجم الخط
0

الشارقة ـ «القدس العربي»: عند لحظة مفعمة بأسى شفاف وثقيل، يطلق واحد من جمهور العرض نكتة، يرد عليه الباقون ويضحك الجميع. جمهور قاس، من المراهقين، رحلة مدرسية أتت لمشاهدة قسم من عروض «مهرجان الشارقة لسينما الطفل» في دورته الثانية (من 19 إلى 24 أكتوبر) بإدارة الشيخة الشابة واهر بنت عبدالله القاسمي.
أسأل موراكيو أوساكي مخرج الفيلم البرازيلي «شاحنة والدي» فيما إذا كانت ردّة فعل الجمهور اليافع على فيلمه تزعجه، يبتسم نافياً أي انزعاج، يقول: «عندما كنت في عمرهم حضرت مع مدرستي أحد أكثر الأفلام حساسية وإلهاماً، وسخرنا، كمراهقين متنمّرين، من الفيلم كما فعل هؤلاء الأولاد. هذه السخرية لم تمنع تأثري بالفيلم من وقتها وحتى اليوم. المراهقون الذكور بالذات لا يميلون للتعبير عن تأثرهم العاطفي». بعد العرض التفّ عدد من الطلاب حول المخرج طارحين أسئلة تفصيلية جادة. ليسوا بالعدد الكبير حوالى عشرة أولاد. يقول أوساكي: «هذه هي النسبة المتوقعة من المشاهدة لعمل سينمائي غير اعتيادي وغير تجاري، نحن كصانعي أفلام ترضينا هذه النسبة».
يروي الفيلم البرازيلي «شاحنة أبي» حكاية طفلة تطلب من أبيها سائق الشاحنة اصطحابها معه بدلاً من ذهابها إلى المدرسة، ويرسم الفيلم لوحة بالغة العذوبة خلال هذه الرحلة، من معاني متناقضة من الرقة والخشونة والعطاء والحاجة والثقة والقسوة والخداع والقتل،.. والحنان الأبوي. وقد حصد الفيلم، بالإضافة لجائزة «مهرجان الشارقة» أربع عشرة جائزة أخرى في مهرجانات عديدة. عدد من هذه الجوائز صنف الفيلم للعرض ضمن أقسام الأطفال في المهرجانات العالمية أو لمهرجانات سينما الأطفال المتخصصة، وهو ما لم يخطر ببال مخرجه، فقد صنع الفيلم كمشروع تخرج لنيل درجة الماستر من جامعة نيويورك حيث لا زال يكمل دراساته، ولم يفكر في تقديمه للأطفال بالذات.
الأمر نفسه بالنسبة للمخرجة الروسية أليكساندرا افريانوفا مخرجة فيلم «ظلال من الرمادي» الحائز على جائزة «مهرجان الشارقة» لسينما الطفل هذا العام عن فئة الرسوم المتحركة، وهو فيلم جميل يتطرق إلى شيء من الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية للمخرجة، تحرك رسوم ذات طابع أنيق ونبيل، تروي مقاطع غير مترابطة من حكاية على وقع موسيقى شوبان. تعتقد المخرجة أن الفيلم ربما كان صعباً على استيعاب الأطفال، وهو لم يصنع لهم بأي حال، وتعبّر عن إعجابها شخصياً بفيلم الرسوم المتحركة «مكان فوق المكنسة» الذي تعتقد أنه كان أكثر اقتراباً من الأطفال.

حقيقة العنف

أيضاً فيلم «أطفال الأرض» للمخرج دييجوا سارمينيتوا من البيرو، والحائز على جائزة المهرجان عن الفيلم الوثائقي، يتناول يوما في حياة الأطفال الذين يعيشون على ضفاف الأمازون وقت عطلتهم المدرسية، ورغم أن الفيلم يهتم بالأطفال ويدور حولهم ويسجل تلقائيتهم الجميلة إلا أنه ليس بالضرورة فيلماً موجهاً أو مصنوعاً من أجل المشاهد الطفل. وهو ما يطرح السؤال: ما الذي يجعل الفيلم فيلماً للأطفال بل لفئة عمرية معينة منهم حيث توجهت أفلام «مهرجان الشارقة السينمائي للطفل» لثلاث فئات عمرية هي الفئة العمرية تحت السبع سنوات، والفئة بين سبعة وأربعة عشر عاماً، ثم الفئة بين الرابعة عشر والثامنة عشر عاماً.
وهو سؤال ليس سهلاً كما يبدو، فمثلاً فيلم «شاحنة أبي» عرض في «مهرجان ميونيخ لليافعين» بعمر 18 عاماً، ثم عرض في «مهرجان برلين للأطفال» في عمر عشر سنوات، وعندما لفت مخرج الفيلم إدارة «مهرجان برلين» لاحتواء الفيلم على شيء من العنف البصري ردّوا بأنهم يعتقدون بأن الأطفال بحاجة لهذا النوع من المعرفة بحقيقة العنف كما يقدمه الفيلم في سياقه. في بلد واحد إذاً هو ألمانيا، وضمن نفس الثقافة، اختلف تقدير ملائمة الفيلم للأطفال إلى هذا الحدّ.
تحدث أعضاء لجنة التحكيم، وهم أنفسهم أعضاء اللجنة التي قامت باختيار الأفلام للعرض في المهرجان، عن المعايير التي التزموا بها، وهي: الجودة الفنية، ثم الملائمة للعرض ضمن هذه الثقافة، وأخيراً تنوع الموضوعات. هي معايير عامة جدا تنطبق على أفلام كثيرة قد لا تكون بالضرورة للأطفال، وهو ما يعود بنا لنفس السؤال؛ ماذا نعني بسينما الأطفال؟
ثمة نوعان رئيسيان من الأفلام قدمهما «مهرجان الشارقة السينمائي» للطفل، نوع قدم حكاية الطفل، مشاعره، هواجسه، معاناته، لحظة ارتطامه بالواقع الذي يشكّله الكبار. والنوع الثاني أفلام استهدفت الطفل كمشاهد، فقدمت حكاية للطفل.
لجنة التحكيم أعلنت أسماء الأفلام الفائزة بجوائز المهرجان يوم افتتاحه كاسرة تقاليد المهرجانات، والتي دأبت على إعلان الجوائز ضمن حفل الختام. الشيخة جواهر بنت عبدالله القاسمي، مديرة المهرجان، قالت لإحدى الصحف إن السبب وراء ذلك كان وجود الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة يوم الافتتاح، ورغبتها، تكريماً للمبدعين، في أن يقدم لهم الجوائز بنفسه. ما حدث أن هذا الإعلان المبكر للجوائز لفت الانتباه إلى الأفلام الفائزة منذ البداية، وحسب تصريح الشيخة جواهر، فإن ذلك أيضاً كان مستهدفاً.
تميزت الأفلام الفائزة بأنها من النوع الأول، الذي يحكي حكاية الأطفال، يقتحم عالمهم، ويتحرك ضمن أسراره وهواجسه، ويقدمه، ولكن، ليس بالضرورة لمشاهد طفل.
تُرى، لو كانت لجنة التحكيم مكوّنة من الأطفال، ربما استهواها أكثر النوع الثاني، النوع الذي يقدم الحكاية للأطفال؟ أفلام كثيرة جميلة من ذلك النوع عرضت ضمن المهرجان لم تنل جوائز، باستثناء الفيلم البلجيكي «مياه في المدينة»، وقد فاز بجائزة أفضل فيلم من صناعة الأطفال. وتسلّم الجائزة منتج الفيلم «استديو كيدز كام»، وهي مؤسسة تتلقى دعماً من الحكومة يصل إلى 65% من التكلفة اللازمة لمساعدة حوالي 1200 طفل سنوياً من أطفال المدارس الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة والثانية عشر على إنجاز أفلامهم من الرسوم المتحركة.
يقول جوريس فان ديل ممثل «كيدز كام»، وهو مخرج وممثل تلفزيوني أيضاً: «ننتج حوالي خمسين فيلماً في العام، رسوم فقط من دون كلام، ندخل الصف المدرسي نستولي عليه بالكامل، يشارك الجميع في العمل كجزء من العملية التعليمية، يبدأون بتأليف القصة، عبر الصور، وهي لغة العصر، وفي غضون ثلاثة أيام ننتهي من العمل بالكامل.
شاركنا بفيلمين في «مهرجان الشارقة» وفاز أحدهما بالجائزة، ودائماً نشارك في كل المهرجانات بهذا الإنتاج الذي أصبح ملحوظاً ومقدراً. بدأ عمل الاستديو منذ نحو 12 عاماً، اليوم انتشرت هذه التجربة في بلدان عديدة، شاهدتها في إيران وجنوب أمريكا والهند، ومؤخراً دعيت لورشة عمل قمت خلالها بنقل التجربة إلى المكسيك، وأتمنى أن تتاح لي نفس الفرصة هنا في الإمارات».

أفق صغير

شعيب إقبال، عضو لجنة التحكيم، وهو مدير مهرجان لاهور لسينما الطفل بباكستان يصف الأفلام التي صنعها الأطفال بأنها «معبرة عنهم بصدق، وهذا هو المتوقع والمستهدف منها، لم تكن عميقة مثل أفلام الكبار أو تعتمد لغة سينمائية عالية لكن من حيث المبدأ لا يجوز مقارنتها بأفلام الكبار، لأنها شيء مختلف».
أسأله عن الجرعة الكبيرة من الأفلام التي اتسمت أفكارها بالتركيب أو العمق، وبعض القسوة وعكست أجواءً من الحزن، والحرمان، وفيما إن كان ذلك ضرورياً؟ يجيب: «نعم، هذا عمل المهرجان، وظيفته، أن يقدم السينما الجيدة ذات المحتوى والتقنية والقضايا المتنوعة التي تحرض على التفكير، كان علينا أن نكون خارج التوقعات التي تكونت عند الأطفال نتيجة مشاهدة برامج التلفزيون أو السينما التجارية، نحن وسيط مختلف لا يستسلم للتوقعات، ربما نأخذ بعين الاعتبار في المرات القادمة البحث عن أفلام تتضمن نوعاً من المغامرة أو التشويق الجاذب أكثر للأطفال، لكننا يجب أن نكون دائماً ضمن معايير السينما الجيدة».
شاهين يازديني، عضو لجنة التحكيم أيضاً، يؤكد على ضرورة ألا نقلل من تقدير الأطفال ونقدم لهم الأشياء السطحية بدعوى أن هذا ما يريدونه، لأننا في الواقع نعتقد أننا نعرف ما يريدون، إنما نحن عملياً نشكل وعيهم وإرادتهم تلك. فتح أفق ولو صغير مثل المهرجان يشاهد من خلاله الأطفال أعمالاً على درجة من الفن سينمائياً وفكرياً يضعهم أمام تحدٍ يحتاجون إليه في مرحلة تشكّل وعيهم. بإمكاننا أن نقدم الشكولاته للطفل ونضمن سعادته، لكننا نريد بناء جسمه وعقله وذوقه بشكل صحيح لذلك نعطيه تفاحة، ولا نتوقف عن ذلك إذا بصقها في البداية.

حنان جاد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية