الخرطوم-“القدس العربي”: على أرض السودان ثمة مناطق عجيبة تخفي أسرارها وجمالها وتخلق مخيلة متناقضة تماماً عن ما هي عليه من سحر، ومدينة كاودا الواقعة في ولاية جنوب كردفان السودانية واحدة من تلك المناطق. كانت الأخبار والصور التي ترد عنها تعكس فقط أنها عبارة عن كهوف في الجبال يلوذ بها بعض الصغار من قصف الطائرات الحربية، عندما كانت الحرب تعصف بمنطقة جنوب كردفان. وفي وقت كانت أدخنة الحرب الطويلة تحجب سماءها الصافية ودماء الضحايا تلون أرضها البكر، كانت الصور تقف عند مشاهد الفقر وأنين المصابين وصرخات جسارة المناضلين. صور كاودا المنقولة تلك لم تكن سوى ميدان كبير لمعركة لا نهاية لها، لكن في الحقيقة أو بالتوازي كانت هناك عوالم أخرى تحكي عن سحر الطبيعة ونبض الحياة، بالضبط هي كانت مثل امرأة فاتنة أجبرت بفعل هوس الحروب أن تخفي جمال وجهها.
محمية طبيعية
والحديث عن مدينة بهذا الغموض لا يكتمل إلا من خلال الغوص في عالمين، الأول تدور تفاصيله في الخريطة والواقع، وآخر في مخيلة السودانيين وساكنيها. الأول يوضح أن كاودا التي ترتفع ما بين 800- 1000 متر عن سطح البحر ما يجعلها تتميز بجو معتدل طول العام، وتبعد مسافة 96 كم شرق حاضرة ولاية جنوب كردفان كادوقلي، كما أنها عبارة عن محمية طبيعية بسبب سلسلة جبال الموررد التي تحيط بها من كل الاتجاهات، ولا يمكن العبور إليها إلا من خلال مدخلها الشمالي عبر مدينة هيبان والغربي عبر بوابة البرام، كما يشير الواقع كذلك أنها مركز قيادة مقاتلي الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو الذي لاذ هو ومقاتلوه في الأخير بالمدينة في محاولة التصدي لهجمات قوات نظام البشير قبل الإطاحة به، وقد قاتل البشير من أجل اقتحامها سنوات وسنوات من دون جدوى، واعدا أنصاره كل عام بأنه سيصلى العيد في كاودا الأمر الذي لم يتحقق له حتى رحيله، وعلى أثر ذلك ترسخت في أذهان ساكنيها بأنها قلعة النضال التي لن تسقط، بينما في نظر البقية لا تعدو سوى مقبرة للموت وبيوت للعويل والعزاء.
كاودا أو كودي كما يطلق عليها باللغة المحلية النوبية وتعني الشلال المتدفق بين الجبلين، يحكي الراوي عنها أنها منطقة ذات مناظر طبيعية جاذبة حيث تتمدد أشجار الليمون والمانغو والقشطة والدليب، كما تدهشك بشلالاتها الكثيرة جداً، وعندما تتجول داخلها ستكتشف أنك أمام هالة من السحر حيث تجد نفسك وسط غابة لا تقل روعة عن غابات الأمازون والمناطق المطيرة تسمى سرف الجاموس وهناك قد تتسرب إليك بعد الدهشة قناعات لعنة الجمال التي أصابت المكان.

السكان الأصليين
قبائل النوبة ذات التاريخ العريق في الحضارة السودانية هم من السكان الأصليين الذين قطنوا كاودا. والمدينة تتكون من منطقتين رئيسيتين وهما كودي العلوية، التي تتميز بجمال الطبيعة وتسكنها قبيلة الأطورو، التي تتوزع على خمس عائلات هي كرندي، وكبرة، وكجاما، وتمكرا واللبمي. أما كودي السفلية فتسكنها قبيلة التيرا التي تتكون من أربع عوائل وهي كومر، وأم دردو، وكلكدا واجرون، ويشتهر هؤلاء بعدد من الرقصات الخاصة التي يؤدونها في أفراحهم مثل رقصة كاكودي ونيقو وكنارة كذلك تشتهر هذه القبيلة بممارسة رياضة المصارعة.
اتخذ متمردو الحركة الشعبية في مناطق جبال النوبة كاودا عاصمة لأراضيهم المحررة خاصة بعد أن أعلنت قياداتهم آنذاك برئاسة يوسف كوة في بداية الثمانينيات خروجهم على حكومة الدولة المركزية في الخرطوم، ومنذ تلك اللحظة لم تفلح الحروب الطويلة ولا اتفاقيات السلام وتوقيع الهدن المختلفة في أن تزيح يد الحركة الشعبية من المنطقة التي تم تنظيم الخدمات في داخلها بشكل بسيط.
الإيقاعات الشعبية
سنوات الحرب الطويلة لم توقف الحياة هناك، أصوات طائرات الانتوف وهي تلقي بالقنابل والمتفجرات لم تستطع أن تصمت إيقاع الكرن وغيره من الإيقاعات الشعبية التي يتغنى بها السكان المحليون موصلين عبرها رسالة مفادها، أن القوا ما اقترفت أيديكم وسنعيش ونفرح رغماً عنكم، وسنتحدى الطاغية ونهزم الخوف. الحياة في كاودا بعيدا عن لحظات الترويع والمناوشات العسكرية، كانت تسير بوتيرة عادية رغم الحصار المفروض عليهم، الطلاب يسيرون يومياً في الطرقات المتعرجة صعوداً وهبوطا حتى يصلوا إلى مدارسهم التي هي بسيطة التأسيس، وهناك يتعلمون وفقاً لمنهج تعليمي آخر مختلف عن بقية المناطق السودانية، منهج كما يقول بعضهم يدرس في دول شرق افريقيا. ويلاحظ كذلك أن معظم الدارسين كان يتم استيعابهم في التأهيل العسكري في بيلفام وقمبيلا، في إثيوبيا وقليل منهم يذهب إلى الجامعات اليوغندية والكينية.
ويدير كاودا جهاز إداري يتبع للحركة الشعبية، علماً بأن معظم بنيتها التحتية المحدودة أُنشئت في فترة الحكم الانتقالي بعد اتفاقية نيفاشا عام 2005 حيث يوجد في المدينة مستشفى واحد وعدد من الوحدات الصحية الصغيرة، وتعتمد كاودا على المولدات في الإمداد الكهربائي ولا يوجد فيها أي شبكة كهرباء عامة، كذلك المياه مستمدة من الحفائر والآبار الجوفية. ولعل هذا الوضع شبه البدائي جعلها تنجو بنفسها من الازدحامات وانبعاثات التلوث، فالمنطقة على فطرتها لم تعبث بها كثير أيادي الحداثة.
موقعها الحصين
كانت كاودا ستكون ضمن مناطق العالم الأكثر جذباً للسياح لولا الحرب، وكانت ميليشيات نظام البشير البائد تحاول الوصول إليها وتفشل نسبة لجسارة المقاتلين وموقعها الحصين بين الجبال وأكتفت بتمشيط الطرقات وتضييق الخناق عليها. البشير نفسه كان دائما ما يردد في أكثر من مناسبة بأنه سيصلي فريضة الجمعة في مسجدها العتيق، إلا أنه فشل في تحقيق حلمه حيث أسقطته الثورة الشعبية في نيسان/أبريل.
لقد أسست ثورة كانون الأول/ديسمبر السودانية واقعاً جديداً في عموم مناطق السودان، وكان لكاودا نصيب من المساهمة في التغيير، فبعيداً عن أنها ملاذ للكفاح المسلح، فقد شاركت بفعالية في الثورة السلمية، وكانت مواكبها المتضامنة تخرج يومياً مع المتظاهرين في الخرطوم والمدن الأخرى المنتفضة، وكان طلاب مدارس كاودا يرفعون اللافتات وينشدون في طابورهم الصباحي شعارات تدعم الثورة، وقيادة الحركة الشعبية نفسها أعلنت وقف إطلاق النار ودعمها للحراك السلمي حتى لا تتم شيطنة المواقف.
سقط نظام البشير وانطلقت كاودا كغيرها من المدن التي انهكتها الحروب الطويلة والظالمة تنشد السلام. فسنوات الحروب خلفت جروحا عميقة في بيئة المكان ونفوس القاطنين. الأمل بالسلام دفع لمفاوضات جوبا التي تعثرت في وقت عقب تخيير الحركة الشعبية في الخرطوم بين علمانية الدولة أو تقرير المصير، وتم تعليق التفاوض من قبل الوساطة لمزيد من التشاور. كان الجو العام يسوده حلم السلام، لكن من طرف آخر كان التخوف من تجار الحرب واهتزاز الثقة أيضا يسودان المنطقة، فكانت البادرة لتلطيف التوتر حتى تعود المفاوضات إلى مسارها الصحيح من قبل الحركة الشعبية التي دعت رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك لزيارة المنطقة والذي هو الآخر لم يتأخر وخف على عجل لتعيش كاودا يومها عند وصوله حالة الفرح الهستيري واختلاج المشاعر. كانت كثافة الحشود وزغاريد النساء تعم المكان، وعلت طبول الطرق الصوفية وعلقت لافتات الكنائس المرحبة بالوفد الزائر وفي المقابل انهمرت دموع المسؤولين مع وعودهم بإحلال السلام، كذلك كانت بيانات الترحيب والدعم من الترويكا والدول الصديقة مرافقة الاحتفاء الكبير بالسلام في مواقع التواصل الاجتماعي.
عموماً يبدو أن مدينة كاودا ستخلع عنها جلباب الحرب وتكشف عن جمالها، لأن المشهد الأخير الذي عكسته كان في غاية الوسامة ولا يشي سوى بأن ثمة أبواب مشرعة فتحت لتحقيق السلام ووطن يسع الجميع.