في صناعة النخُبة

في النبش في معاني النخبوية كجسر واصل بين المجتمع والإنسان من جهة، والتفاعلات المحيطة من جهة أخرى، حيث كانت النُخب على المستوى العربي دائماً عاملاً مهماً في تشكيل الوعي بفروعه، المقاوم والديني والعلمي والسياسي. لعب الأدباء الدور الأبرز في خلق مفهوم القضايا في عقل الإنسان العربي، من خلال الشعر الذي وجد فيه نزار قباني لمخاطبة قضايا شكلت محوراً في حياة العرب، كما كان محمود درويش ناقلاً للقضية الفلسطينية عبر الكلمات، والماغوط في أدب السجون. وقبلهم طه حسين وجبران خليل جبران وغيرهم من الأسماء التي بنت جسراً بين المجتمعات والتطور والقضايا، بحيث استطاعت أن تعبر جسور التاريخ لتصل إلى أجيالنا، على الرغم من تراجع دور الكتاب في حياة الإنسان العربي، وهذا ما بدا واضحاً من خلال تراجع عدد الكتب المطبوعة وفقاً لعديد من دور النشر، خاصة في صعيد الأدب والشعر، بالتالي، كان هناك تراجع لدور النخبة ووجودية النخبة في المجتمعات العربية. هناك ضبابية كبيرة تسود معنى النخبوية ودورها الحالي، وتعريفها، ودور وهوية المثقفين والنخب. فكما أن الحياة تتغاير بشكل دراماتيكي، أيضاً تعريف النخب والنخبوي يتغير، بل تلاشى في فضاء التغيرات الرقمية الهائلة، حيث أن الثقافة باتت مفتوحة أمام عولمة الثقافة وقد تكون خاضعة لها ولقوانينها. تغيرت تعاريفنا للنُخب وماهيتها ودورها، فتغيرت هوياتنا الثقافية ما أفقدنا وكثير من المفاهيم، ربما للأفضل أو للأسوأ ، المستقبل كفيل بإيضاح النتائج.
أنتمي إلى جيلٍ استطاع أن يعاصر الأيام الأخيرة للكتاب، وأرى أننا قد نُحسد على أننا استطعنا أن نعي ولو لسنين معدودات معنى الكتاب وعلاقته بالنخبة.
لم يكن الكتاب يوماً مجرد أوراق تتقلب بين أيدي من يقرأ، بل مرآة تعكس حال المجتمعات وعلاقتها بالثقافة والعلم، ما ينعكس بدوره على مستوى الوعي والنمو. وهذا ما يعكس حال الواقع الحالي، حيث وضمن دراسة لمؤسسة الفكر العربي في تقرير التنمية الفكرية عام 2012، أن الإنسان العربي يقرأ بمعدل ربع صفحة في العام، مقابل 11 كتاباً في الغرب. هذا الفقر في قيمة الكتاب من الطبيعي ستكون له تبعاته على قيمة الفكر والمفكرين وغياب أثرهم، خاصةً مع دخول مرحلة السوشيال ميديا (التواصل الاجتماعي)، حيث أصبحت ممراً اجبارياً لصناعة النخبة وترويجها. فهذا الفضاء المفتوح للجميع الخارج من الرقابة، سواء كانت رقابة إيجابية أم سلبية، أصبح مساحة بلا قيود لصناعة النخبة الثقافية، أصبح الكتاب ودور النشر تعاني أمام منافسة شرسة من قبل المحتوى الرقمي (المرئي والسمعي)، الذي يشكل تفاعل المتابعين معه معياراً للنجاح والقيمة، هذا المحتوى الذي فرض نفسه منافساً حقيقياً للكتاب ولمفهوم الثقافة، علماً أنه قد يفتقر أي قيمة علمية أو فكرية مضافة حقيقية.

قد يبدو الوقت الآن أكثر حاجة لإعادة ولادة مجمع فكري عربي، يكون امتداداً للأدب والفكر والثقافة، الحاجة الآن أكبر والمجتمعات والشباب العربي يهوي في الأزمات المعيشية والحريات.

لا يمكن القول، بأن دفة النخبوية تنتقل من الكتّاب والمفكرين إلى مجموعات من أصحاب المحتوى، في الحقيقة يكون من عدم الإنصاف وضع الطرفين في وضع المقارنة، فهناك فرق بين صانع المعلومة وناقلها، ومن الإجحاف استبدال النخبوية بناقلي المعلومة أو (المؤثرين) (Influencers) كما أُطلق عليهم مؤخراً. مع أهمية بعض المحتويات المُقدمة، لكن يبقى هذا النوع من المعلومة محكوماً بظروف النقل وتكاد تكون خاضعة لأسلوب المُلقي أكثر منها لقيمة المعلومة أو الفكرة نفسها. بالإضافة إلى دور مؤسسات إعلامية كبيرة في صناعة أصحاب المحتوى ونقلهم إلى الجمهور، ما يشكل حالة من الفرض على الذوق العام، وهذا ما يشكل أثراً سلبياً جداً على مستوى الثقافة والوعي العامين. لا يمكن نكران دور المحتوى في العالم الرقمي المسموع والمرئي منها والمقروء، فبالإضافة إلى كسر هيمنة دور النشر ومراكز الأبحاث على الفكر العربي، وهذا ما شكل ملاذاً للكثيرين لاتخاذ المنصات الاجتماعية مكاناً للتعبير وطرح الآراء والأفكار، بعيداً عن ذوق الناشر وأفكاره والعلاقات الشخصية التي قد تلعب الدور الرئيسي في كواليس الإعلام مثلا ودور الأدب ومراكز الدراسات، لكن وبعد سنوات من تجربة ما قد نسميه «النخبوية الرقمية» هل استطاعت إضافة ما يمكن اعتباره قيمة حقيقية إلى الفكر العربي، هل يمكن اعتباره امتداداً للإرث الكبير منذ أكثر من مئة عام، أم أنه وكما أراه، استنساخ متكرر لأفكار في كثير منها ليست عربية ومحاولة إسقاطها على هذه المجتمعات. وهي التي ليست فقيرة فكرياً، وليست في حاجةللاستنساخ بقدر ما هي في حاجةللمساحة بعيداً عن تسلط المال وأصحاب المال على الفكر، كي تستطيع تجديد فكرها وإنتاج ما هو جديد.
قد يبدو الوقت الآن أكثر حاجة لإعادة ولادة مجمع فكري عربي، يكون امتداداً للأدب والفكر والثقافة، الحاجة الآن أكبر والمجتمعات والشباب العربي يهوي في الأزمات المعيشية والحريات، وأزمة الإحباط التي تلت مرحلة «الربيع العربي» وكيفية تحوله لقاعدة لردود فعل شرسة من الحكومات، ما أثر بمزيد من التسطيح والسلبية على الثقافة والمثقفين. حتى باتت المسافة بين المثقف والشارع أكبر من قدرة الطرفين على ردمها، خاصة ومرةً أخرى في ظل هيمنة المحتوى الرقمي ورواده والترويج المهوول لهم على الشارع العربي.
قد لا تدوم هذه المرحلة طويلاً، فإن المثقف إن لم يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقبه كمثقف. هكذا عرفها غرامشي. ونحن الآن إذ نتغنى بأسماء بعينها، ونستذكر قصائدهم وأفكارهم وفلسفاتهم، إلا لأنها لامست وما تزال تلامس حال الإنسان في مجتمعاتنا، تعكس حالته وحاجاته، تنمي آماله وتكشف آلامه. إن بناء النخبوية الثقافية ليس وليد عوامل مرحلية سريعة ولا تخضع لقوانين السرعة والمال والثورات التكنولوجية. فالمثقف إن لم يكن هناك ما يضيفه على مستوى الإنسان أولاً، لن يكون إلا مجموعة ناقلة للأفكار، لن يتذكرها الناس طويلاً، طالما أننا نعيش في زمن السرعة، وما يأتي بسرعة سيذهب سريعاً. وما تحتاجه المجتمعات الآن هو القدرة على التعامل مع سرعة النمو واجتياح العالم الرقمي بشكل يسمح بشيء من التفكر والهدوء، والوقوف وخلق فكر جديد يكمل الذخيرة الثقافية الغنية التي نملكها، ويكون امتداداً لها، بعيداً عن كل لغات المصالح السطحية السائدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية