نتنياهو لن يحترم اتفاق تسليم مقود الحكومة لحليفه بيني غانتس
بعد التحايل والخداع نجح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بتفتيت حزب “أزرق-أبيض” بقيادة بيني غانتس، وتحويله إلى شرذمة سياسية بدون أي هدف أو رؤية سياسية، وبالتالي لم يعد هذا التحالف يشكل أي تهديد استراتيجي على مستقبل نتنياهو السياسي. وكان غانتس يملك إمكانيات وحظوظا وصلت إلى 62 عضوا من 120 تساعده في تشكيل حكومة له ولكنه لم يستغل هذه القوة نظرا لتواجد قائمة عربية “المشتركة” كانت في صف مؤيديه وفضل التنازل عن هذه الأكثرية البرلمانية والانبطاح في ركب نتنياهو ليكون حليفا ثانويا له. وتعتبر هذه الحكومة الـ 35 في الدولة اليهودية، والخامسة لنتنياهو الذي انطلق في أول حكومة له عام 1995 بعدما فاز في انتخابات عامة على مرشح حزب “العمل” شيمون بيريز بعد شهور من اغتيال اسحق رابين على يد متطرف يهودي رفض اتفاق أوسلو الموقع عام 1993. ويحكم نتنياهو إسرائيل باستمرار منذ عام 2009 ورسميا من المتوقع أن تدوم هذه الحكومة أربع سنوات مقبلة، رغم أن محللين إسرائيليين يتوقعون انهيارها والإعلان عن انتخابات مبكّرة، إما لأن طرفي الائتلاف غير متجانسين أو لأن نتنياهو لن يحترم الاتفاق ولن يبادر لتسليم مقود الحكومة لحليفه بيني غانتس. وبالفعل هناك أمور وعقبات عديدة يمكن أن تؤدي خلال الفترة القليلة المقبلة إلى انهيار ائتلافه وعلى رأسها خلاف قوي على الصلاحيات مع غانتس يمكن أن يحدث خلال الأشهر القريبة المقبلة. ومن جملة هذه المواضيع المرشحة لأن تثير خلافا بين الطرفين موضوع الصلاحيات وتفسير نص الاتفاق الائتلافي بشكل مختلف من قبل الطرفين. كذلك من المتوقع أن يسقط الائتلاف الجديد بين حلفاء اليوم وخصوم الأمس نتيجة تعاظم الهبة الشعبية ضد حكومة نتنياهو بعد ازدياد البطالة والفقر التي وصلت حتى الآن إلى مليون عاطل عن العمل كنتيجة مباشرة لجائحة كورونا. من المرجح أيضا أن تشهد هذه الحكومة حالة من عدم الاستقرار السياسي نتيجة تجاذبات أمنية وسياسية بين إسرائيل وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزه كنتيجة حتمية لقيام نتنياهو المرتقب بضم المستوطنات وغور الأردن تحت السيادة الإسرائيلية. ويسود الاعتقاد لدى كافة المحللين والمراقبين المحليين بأن هذه الحكومة المستقبلية ستقدم على ضم غور الأردن وبسط السيادة الإسرائيلية على مستوطنات القدس والضفة الغربية في مطلع تموز/يوليو المقبل كخطوة أولى من خطة “صفقة القرن” التي عرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في أيلول/سبتمبر الماضي. في خلفية كل ذلك هناك تبادل مصالح وثيق بين الطرفين الإسرائيلي والأمريكي في الأقبال على عملية الضم تتمثل في رغبة إسرائيل الجامحة بعملية الضّم خلال فترة هذه الإدارة، حيث يسود الاعتقاد والمخاوف بأن لا ينتخب ترامب ثانية نظرا لإسقاطات جائحة كورونا في الولايات المتحدة، علما أن من الصعب الاقدام على عملية كهذا خلال أي إدارة ديمقراطية مقبلة. وفي المقابل فإن ترامب وإدارته الحالية الصهيونية بامتياز تريد بعض الانجازات التي لا تملكها على الصعيد الدولي، حيث تظن هذه الإدارة أن “صفقة القرن” يمكن أن تحسب كإنجاز في العلاقات الدولية لصالحه يمكن استثمارها انتخابيا خاصة لدى المتجددين المسيحيين. ومن هنا ينبع استعجال بعض الجهات الأمريكية في حثّ إسرائيل للقيام بعملية الضم. وهناك محللون آخرون يميلون إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وبدعمها الكبير لعملية الضم تسعى في الأساس إلى جعل المنطقة مشتعلة وغير مستقرة خلال السنوات المقبلة، بحيث تحتاج كافة الأطراف إلى مساعدتها لإخماد هذا الحريق وكل ذلك حسب النظرية الأمريكية التي تمخضت عن تجربتها في غزو العراق وأفغانستان. إذ وصلت الولايات المتحدة إلى قناعة مفادها بأن من الأفضل أن تشعل الصراعات بين كافة الدول والكيانات على أن تتواجد هي نفسها كطرف في هذه الصراعات تماما كما حدث في غزوها العراق في عام 2003 والهدف خدمة مختلف مصالحها. ولم يفاجئ الطرف الفلسطيني بهذه الخطوة حيث أن الرئيس أبو مازن رفض قبل عامين استقبال نائب الرئيس الأمريكي مايكل بينس، في القدس للتداول في “صفقة القرن”. واعتبر هذا الرفض الفلسطيني آنذاك وعدم مقابلة أي طرف أمريكي في هذا الشأن صفعة قوية لهذه الإدارة والتي أصرت بالاستمرار ضاربة في عرض الخطة توجهات ومصالح الطرف الفلسطيني، وما لبث ترامب أن قام بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل. كما هو واضح للعيان فلا يبدو بأن الطرف الفلسطيني يملك خيارات وخططا واضحة المعالم لمواجهة هذا الضّم الحتمي الذي ستقدم عليه حكومة نتنياهو بعد شهرين، بحيث تعتمد إسرائيل على دعم أمريكي قوي يمكنّها من عدم الاكتراث لأي ضغط من الأطراف الأوروبية. ومما يشجع إسرائيل في غيها هو انحياز بعض هذه الدول الأوروبية لها خاصة الشرق أوروبية المناصرة بل المتحالفة مع إسرائيل على خلفية تصاعد قوة اليمين في ظل تفاعل قضايا اللاجئين والإسلام السياسي والإسلاموفوبيا. كما أن العديد من الدول الأسيوية وعلى رأسها الهند والصين تعمل جاهدة على تطوير علاقتها التكنولوجية والاقتصادية مع إسرائيل. ولا يملك الجانب الفلسطيني أي غطاء عربي وخاصة مع ضعف الموقف المصري المهادن لإسرائيل والموقف الخليجي وبالذات السعودي الذي من المؤكد أنه لا يكترث للقضية الفلسطينية، بل بات مطبعا مع إسرائيل نهارا جهارا. النتيجة مفادها أن الخيار الحقيقي الوحيد المتبقي للفلسطينيين هو دحر وصدّ هذا الضم بأيديهم العارية ضمن مقاومة الاحتلال. وأكثر ما تخشاه إسرائيل ويمكن أن يقوم به الفلسطينيون هو انهيار السلطة الفلسطينية أو تسليم المفاتيح لها، الأمر الذي يؤدي إلى فوضى عارمة ويحملها أوزارا اقتصادية وسياسية ثقيلة خاصة. ربما يكون للأردن دور فاعل في مقاومة هذا الضم لأن أي عملية ضم تعتبر ليس مساّ فقط بمصالح ومقدرات وسيادة الشعب الفلسطيني، بل إن الضمّ تهديد مباشر على الأمن القومي للأردن. ويبقى السؤال إذا ما كانت عمان ستصعد من تحذيراتها وتهديداتها في محاولة لردع إسرائيل عن الضم تتمة لتصريحات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أم أنها ستكتفي بتصريحاته لمجلة “دير شبيغل” الألمانية قبل أسبوع؟