«غنائية نيوزيز»: إضراب بائعي الصحف وهزيمة بوليتزر

في «غنائية نيوزيز» التي عرضت للمرة الأولى على مسارح برودواي عام 2012، نجد أسطورة الصحافة الأمريكية جوزيف بوليتزر كبطل شرير، وصاحب أعمال جشع وأحد وحوش المال، يلتهم في طريقه مجموعة من الصبية البؤساء، الذين يبيعون الصحف في نيويورك، ولا يكسبون سوى قليل من المال، لا يكاد يكفي لشراء الطعام، ويقسو على هؤلاء الفقراء المظلومين، الذين حرمتهم الأقدار، إما من الأهل أو المأوى، أو بعض أجزاء أجسادهم، مـــثل الصـــبي الذي فقد إحدى ساقيه، ورغم ذلك يكون عليهم العمـــل في ظــروف قاسية، فلا البرد يرحمهم ولا الكبار الذين يرفضون دفع النقود في بعض الأحيان، وكذلك لا يرحمهم جوزيف بوليتزر، الذي كان يرى نفسه امبراطور الصحافة، وملك نيويورك في ذلك الوقت، ولا يجد هذا العقل الاقتصادي الجبار سبيلا لزيادة أرباح مبيعاته، إلا من خلال رفع الأسعار على هؤلاء الصبية وتقليل مكسبهم الضئيل في الأساس، ولا يكفي حاجاتهم الضرورية، ويضطر بعضهم إلى تسول الخبز في أوقات كثيرة، ومنذ بداية العمل ننضم على الفور إلى صف أصحاب الإضراب، ونتمنى هزيمة بوليتزر، عندما نستمع إلى عباراته المستفزة ونرى عجرفته وانعدام إنسانيته.
يعتمد العمل على أحداث إضراب عام 1899 الحقيقية التي وقعت بالفعل في نيويورك، التي كان يحكمها في ذلك الوقت ثيودور روزفلت، الذي صار رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في ما بعد، وكان له الدور الكبير والمهم في هذا الإضراب وفي الغنائية أيضا، التي التزمت بالواقع والتاريخ إلى حد بعيد، ولم تضف سوى القليل من الخيال الذي يتمثل في شخصية كاثرين، الصحافية الشابة التي تغطي أمور الإضراب وتتواصل مع بائعي الصحف وتكون صوتا لهم بشكل أو بآخر، وترى في هذا الإضراب فرصة كبيرة لتقدمها المهني، ولكي تثبت قدرتها كامرأة على أن تكون صحافية ناجحة، تتناول الموضوعات المهمة المثيرة، ولكي لا تظل طوال حياتها تكتب مراجعات عن مسرحيات الفودفيل التي تذهب لمشاهدتها، وقد جعل صناع العمل من كاثرين ابنة لجوزيف بوليتزر، وهو ما لم يكن يوما، كما جعلوها تخفي هويتها عن المضربين، ويكون اكتشاف اسمها الحقيقي صدمة للجميع، وعلى رأسهم جاك زعيم المضربين وأكبرهم سنا، الذي وقع في غرامها وأحبته هي أيضا، ووقفت إلى جواره وساندته حتى النهاية.

كما يكثر الغناء الجماعي في هذا العمل بطبيعة الحال، وتكون هناك بعض الأغنيات التي تمثل مواجهة بين بائعي الصحف وجوزيف بوليتزر، وتعبر عن الصراع الدائر، ومدى احتقار الرجل الثري لهؤلاء الصبية.

يحتوي العمل على بعض المقاطع الحوارية والكثير من الاستعراضات والرقصات الجماعية التي تتفجر طاقة وحركة، وتعبر عن المرحلة العمرية لبائعي الصحف، التي لا تخلو من انطلاق الأطفال وغضب الشباب، ومن أجمل الرقصات وأصعبها على مستوى الحركة تلك التي يتم فيها تمزيق الصحف بالأقدام والرقص فوق صفحاتها، والحفاظ على ثباتها تحت القدم والتحكم بها جيدا، وقد حصل هذا العمل على جائزة توني كأفضل عرض، كما حقق ألبوم برودواي الأصلي الذي صدر عام 2012 نجاحا كبيرا، وهو يضم 18 أغنية، إلا أن مشاهدة الأغنيات تظل أفضل من الاستماع إليها بالطبع، بسبب الاستعراضات الراقصة المتميزة.
كما يكثر الغناء الجماعي في هذا العمل بطبيعة الحال، وتكون هناك بعض الأغنيات التي تمثل مواجهة بين بائعي الصحف وجوزيف بوليتزر، وتعبر عن الصراع الدائر، ومدى احتقار الرجل الثري لهؤلاء الصبية، إلى درجة أنه يراهم «لا شيء»، ما يزيد من إصرارهم على أن يثبتوا له العكس، وأن يظهروا لهم مدى قوتهم، رغم أنهم لا يمتلكون شيئا، لكنهم أقوياء بموقفهم وكلمتهم الموحدة، وتسرد بعض الأغنيات ملامح كفاح هؤلاء الصبية وأحلامهم ورفضـــهم للظلم، ومن أجمـــل هذه الأغنيات أغنية «سيعرف العالم» حيث يكون الهتاف «بوليتزر يمتلك العالم لكنه لا يمتلكنا»، وتعرض بعض الأغنيات الأخرى أسوأ جوانب شخصية جوزيف بوليتزر الذي يسخر من جاك، ويعيره بأنه لا يمتلك مالا، ولا أهل له أو وظيفة أو مأوى، ويخبره بأنه يجب أن يكون شاكرا سعيدا لمجرد أنه لا يزال على قيد الحياة، هذا الثري العنيد لم يستسلم إلا بعد أن اكتسب جاك وأصحابه المزيد من القوة والتعاطف من الكثيرين، لكن الذي حسم الأمر في النهاية هو ثيودور روزفلت، حاكم نيويورك الذي انحاز لبائعي الصحف، وأرغم جوزيف بوليتزر على تعويضهم والكف عن أذاهم، والتعهد بشراء كل الصحف التي لا يتمكنون من بيعها.

٭ كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية