كيف انتصر الاسلاميون في تونس ؟

على شاشة تلفزيون خاص في تونس ظهر قبل سنوات شاب ثلاثيني ممتلئ الوجه يضع نظارات طبية ويرتدي ربطة عنق انيقة. كل ما عرفه الجمهور عن الشاب هو انه عضو بالمجلس الوطني التأسيسي.
اما مقدم البرنامج فقد فاجأه على الارجح مظهر الضيف وبدا له الامر بعيدا عن التصور المعهود والسائد، وتساءل بعد تقديم روتيني بارد وبشيء من السخرية المكشوفة «انت تلبس بدلة عصرية ولا شيء بمظهرك يدل على انك تنتمي لحركة النهضة الاسلامية»! الشاب الذي كان على قدر من الثقة والهدوء، اجاب ببساطة واختصار «انا انتمي لحزب كبير ومتنوع فيه من يلبس الجاكيت وفيه ايضا من يلبس الجبة التونسية». لكن خارج الحديث عن المظهر لاحظ المتابعون للبرنامج ان المتحدث كان كثيرا ما يخلط في كلامه، مثلما يفعل معظم التونسيين بين العربية والفرنسية، وهو امر غير مألوف في المنتمين للاحزاب الاسلامية او القومية. قوبل الظهور التلفزيوني الاول باعجاب البعض ودهشة البعض الاخر، لكن صوت زياد العذاري لم يكن مسموعا او مرتفعا طوال الشهور الاولى لحكم «الترويكا»، اذ ظل تصدر المشهد حكرا على قيادات الصف الاول، قبل ان تحصل انعطافة مهمة منذ نحو عام من الان، ويتحول الى ناطق رسمي باسم حركة النهضة، في اعقاب ترشيح رئيسها له للمنصب، بعد ان قدم لاعضاء مجلس الشورى سيرة ذاتية لمحام وخبير في القانون الدولي وفي الشؤون المالية والاقتصاد يتقن اللغة الانكليزية، فضلا عن اللغتين العربية والفرنسية.
الشاب الذي صعدت اسهمه بسرعة قياسية لتغطي على مناضلين ورموز كبيرة داخل الحركة الاسلامية، واحد من رؤساء القوائم المرشحة في انتخابات السادس والعشرين من اكتوبر/ تشرين الاول الحالي وحظوظه وافرة للفوز بمقعد بمجلس الشعب المقبل، اما اكثر ما جلب الانظار اليه فهو تمكنه في ظرف وجيز من تكوين شبكة علاقات عامة واسعة ومهمة، خصوصا مع الاعلاميين الذين شهدت علاقاتهم بالاسلاميين فتورا وجفاء وتبادلا مستمرا للشكوك والاتهامات. بعيدا عن ذلك لم يكن زياد سوى واحد من فريق موسع من الشباب الذين القت بهم حركة النهضة في مواقع عليا متقدمة، لتدارك الزلات والاخطاء الاعلامية والاتصالية التي وقعت فيها اثناء تجربتها الاولى في الحكم. الامر يشبه استعادة ذكية ومحسوبة لمبادرة اضحت شبه مشلولة في السابق بفعل الضربات الموجعة التي هزت صورة الحركة الاسلامية بعد الاغتيالات السياسية شتاء وصيف العام الماضي، والتي انضافت الى كم من الزلات والاخطاء الاتصالية السابقة. لم تكن الخيارات واسعة ومفتوحة، فاما الاستمرار في ادارة الظهر الى الازمة او امتلاك الرغبة والشجاعة في مواجهتها بصبر ومهارة، وتحمل التكلفة المؤلمة لذلك. العبارة التي اختارها الشيخ راشد الغنوشي لتوصيف الوضعية الصعبة والفريدة، تتلخص في ما قاله في احدى جلسات مجلس الشورى من ضرورة «الخروج قبل ان ينهار السقف فوق رؤوس الجميع». خروج منظم ومدروس، أم انسحاب عشوائي مذعور تحت وقع معارضة حادة لاستمرار وجودهم في السلطة؟
يجيب الشيخ في واحد من اجتماعات الحملة الانتخابية بان حزبه «خرج من الحكم ليدخل قلوب التونسيين» بخطابه التوفيقي، أم بجيل قيادييه الجدد، أم بتصوراته وقراءاته البراغماتية للواقع المحلي والدولي، قد لا يكون كل ذلك مهما مادامت بعض القلوب لا تستقر على حال، وتميل يمينا وشمالا وفقا لاعتبارات المال او العصبية المحلية او حتى بفعل التأثير السحري لجزء واسع من الاعلام المضاد. ادراك الاسلاميين لتلك الحقيقة جعلهم يعدلون خط سيرهم ويظهرون كمشاركين في صناعة الحداثة، لا مناوئين واعداء لها، مثلما حاول خصومهم الايهام طويلا بذلك. الخطوات الاولى كانت إبعاد بعض الوجوه المعروفة التي لم تحسن التواصل الاعلامي والميداني، ثم الترويج في حملات دعائية على الطريقة «الهوليوودية» لخطاب حداثي يجمع التونسيين ولا يفرقهم، تحت اي مسمى.
العائق الاكبر الذي واجه حركة النهضة كان عامل الوقت، فالفاصل بين خروجها من الحكومة مطلع العام الحالي واستحقاق الانتخابات التشريعية لم يكن واسعا او مناسبا لازالة ما بقي عالقا من خدوش وتشوهات عميقة، ظل الاعلام يحركها على مدى الشهور الاخيرة، وينفخ في حجمها حتى ترسخ اكبر وقت ممكن في اكثر عدد من الاذهان والقلوب. الانفتاح على الجميع بمن فيهم الجلادون وفلول النظام السابق، كان اشارة لا لبس فيها على ان الاسلاميين يدركون اكثر من غيرهم صعوبات المرحلة القادمة، واستحالة استئثارهم بمقاليد السلطة حتى ان منحتهم الصناديق اغلبية مريحة. لكن ما حصل بعد ذلك هو ان مثل ذلك الخطاب المنفتح رآه خصومهم مناورة سياسية محسوبة لحصد اصوات الدستوريين او التجمعيين، اي انصار الحزب الحاكم زمن الاستبداد، ومثلت كلمات الباجي قائد السبسي زعيم الحزب الذي استحدث على عجل لوقف ما وصف بزحف الاسلاميين، الاشارة العملية لانطلاق منازلة الاستقطاب الثنائي في اولى المعارك الانتخابية واشدها شراسة. «من لم يصوت لنداء تونس فقد منح صوته لحركة النهضة»، هذا ما انتهى اليه الزعيم المخضرم الذي خبر العمل السياسي منذ ان استقلت البلاد قبل نحو ستين عاما من الان، واعلنه صراحة امام حشد من انصاره في ضاحية حمام الانف جنوب العاصمة في ختام حملته الانتخابية، بعد ان اطلق في السابق تقسيما اخر للتونسيين بين حداثيين يفترض ان يمنحوه اصواتهم ومناهضين للحداثة والتقدم، والمقصود بذلك التوصيف، انصار النهضة والمصوتون لفائدتها .
لم يكن الترويج للاستقطاب عملا معزولا او دعاية فجة بلا معنى، فالآلة الانتخابية الصماء التي اشتغلت طوال عقود الاستبداد فهمت الرسالة واستوعبتها، ليلتئم «الشتات الحداثي» بعدها بقدرة قادر ويصب في صالح الحزب الاكبر والاكثر قدرة على اسقاط الاسلاميين، بعد ان وجد هؤلاء انفسهم بلا حلفاء حقيقيين يملكون الوزن والثقل المناسب لترجيح الكفة في حرب كسر العظم الانتخابية.
بظهور التسريبات والنتائج الاولية لفرز الاصوات قفز على الفور تساؤل وحيد وهو، إن كان الامر ايذانا بهزيمة مدوية ونهائية للاسلاميين وتعجيلا بطردهم من السلطة وخروجهم منها، بعد ان طردوا وخرجوا بانقلابات عسكرية في دول اخرى؟
القراءة المبسطة والسطحية للنتائج، توحي للبعض وللوهلة الاولى بذلك، لكنها قد تحجب بالمقابل انتصارا حققه هؤلاء في ظرف محلي واقليمي مضطرب ومتوتر. لم يكن الانتصار فقط بـ»ايصال الشعب التونسي الى هذه المرحلة» مثلما قال عبد الحميد الجلاصي نائب رئيس حركة النهضة في مؤتمر صحافي ساعة بعد اقفال مكاتب الاقتراع، بل في تغيير فكرة سادت داخل تونس وخارجها من ان الاسلاميين هم طلاب سلطة يستترون بالدين ولا يمكن ان يقبلوا باللعبة الديمقراطية، الا مرة واحدة فقط، اي عندما يفوزون في الانتخابات، ثم سرعان ما يتنكرون لها بعد ذلك وينقلبون عليها متى جاءت النتائج في المرة او المرات القادمة مخالفة لانتظاراتهم وتوقعاتهم.
من هذه الزاوية قدم الاسلاميون نموذجا فريدا لإيمانهم بالديمقراطية وقدرتهم على ان يكونوا بالفعل من صناعها وحراسها المخلصين وحتى تراجعهم النسبي في حصد اعلى النسب في مقاعد مجلس الشعب المقبل، لا يعنى بالضرورة افتقادهم لاوراق مهمة بامكانهم استخدامها في الوقت المناسب. والوقت المناسب هنا قبل ان ينطلق سباق الانتخابات الرئاسية التي لم تحسم حركة النهضة اسم مرشحها فيه، قد يكون مأزق تشكيل الحكومة الجديدة بعد تقارب النتائج مع حركة نداء تونس، التي قد تجد نفسها امام احتمالين اثنين وهما، إما القبول بائتلاف حكومي واسع مع الاسلاميين او تجاهلهم وضم احزاب دستورية ويسارية لحصد الاغلبية ووئد فكرة وتصور الوفاق الوطني الشامل. تبدو الكرة اذن بملعب خصوم النهضة بعد اعلان النتائج، فهم الذين سيقررون شكل المشهد المقبل، إما بالسير مع الاسلاميين او المضي بدونهم وتحمل النتائج والتبعات. اختيارهم سوف يعني انهم يقبلون بزياد والجيل الجديد في حركة النهضة، ولم تعد لهم مشكلة لا مع شكله او فكره. وعدم استعدادهم سوف يرسل اكثر من اشارة على ان التنوع الفكري والايديولوجي لم يعد حلا لتونس بل صار مشكلا اضافيا من مشاكلها الكثيرة والعويصة.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية