تونس ـ «القدس العربي»: يقدم الفنان والمخرج التونسي نجيب بلقاضي من خلال فيلمه الجديد « 7 ونصف» الذي يعرض في الصالات التونسية طيلة شهر اكتوبر عملا توثيقيا للأحداث التي شهدتها تونس منذ 14 يناير/ كانون الثاني 2014 تاريخ سقوط نظام بن علي وحتى اليوم .. أكثر من 200 ساعة تصوير كرسها بلقاضي من أجل هذا الفيلم الذي اختار عرضه أياما قبل اليوم الانتخابي الموعود في 26 اكتوبر.
في بداية العرض ..كان هناك تساؤل عن مغزى العنوان الذي يبدو رمزيا وإيحائيا إلى أبعد الحدود ..فماذا يعني أن يختار المخرج رقم 7 عنوانا لفيلم يقدم كتوثيق لأحداث مصيرية عاشتها الخضراء ؟
ومع انطلاق المشاهد ..نفهم أن الرقم 7 هو الذي كان محببا لدى بن علي باعتباره التاريخ الذي وصل فيه الى الحكم (07 نوفمبر/ تشرين ثاني 1987) ..واختار المخرج التونسي أن يضيف إليه « النصف «… فالتونسيون لم يصلوا بعد إلى شكل الحكم المناسب لهم وما زالوا في فترة انتقالية ..لم يكتمل بعد الرقم الحقيقي الذي سيختزل مستقبلهم السياسي..
موسم الوعود
بأسلوب ساخر يستعرض الفيلم تصريحات لسياسيين لعبوا دورا مؤثرا بعيد انطلاق الثورة وفي الفترة الانتقالية ..فنلحظ الازدواجية بين الوعود التي لم تتحقق وبين الواقع السياسي المليء بالانتهازية ..لنجد ان « الثورة « كانت بالنسبة الى الكثير من الطامعين بالسلطة مجرد موسم لكسب المزيد من النفوذ ..
في البداية تنقل كاميرا بلقاضي مشاهد الحشود الغفيرة التي ملأت شارع الحبيب بو رقيبة وسط العاصمة مطالبة بالحرية والكرامة يوم 14 يناير/ كانون ثاني …. ثم تنقلنا الى يوم 23 اكتوبر/ تشربن ثاني 2011 تاريخ إجراء أول انتخابات ديمقراطية بعد الثورة ..وتلحظ الكاميرا لامبالاة بعض التونسيين الذين اختاروا يوم الراحة من العمل للذهاب للتسوق قبل انتهاء موسم التخفيض التجاري..فبين الحماسة التي أطلقها الملايين في 14 يناير/كانون ثاني وبين لامبالاة 23 اكتوبر من نفس السنة..هناك خيبة أمل من ممارسات السياسيين ووعودهم التي لم تتحقق ..
يقول أحد جرحى الثورة في إحدى مشاهد الفيلم :» أنه نال وعودا من عديد السياسيين لمساعدته خاصة أنه أصبح يستخدم قدما اصطناعية لكن لم يتحقق شيء من هذه الوعود .. ويضيف قائلا :»أشعر بالخيبة، أين هم هؤلاء بعد أن وصلوا إلى الحكم، لقد نسوا قضيتنا «.
يستعرض الفيلم على مدى ساعة ونصف أحوال المواطنين في أكثر الأحياء والمدن تهميشا في تونس .. في حي التضامن والانطلاقة و في مدن سيدي بو زيد (مسقط رأس البوعزيزي) وتالة والقصرين …هناك معاناة واحدة والثورة لم تستجب بعد لمتطلبات هؤلاء المهمشين .. في أحد مشاهد الفيلم يتحدث مواطنو هذه المناطق عن الانتخابات وماذا تعني لهم ..
وفي أكثر المشاهد سخرية يصور الفيلم أحد الناخبين بعد الإدلاء بصوته يقول «يحيا التجمع» (يقصد حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، حزب بن علي ) في تلقائية تمثل في الحقيقة عدم قدرة البعض على تقبل الواقع الجديد..
بين الفني والسياسي
في حديثه لـ «القدس العربي» يقول المخرج التونسي نجيب بلقاضي أن الفن جزء لا يتجزأ من الحياة السياسية والاجتماعية. وانطلاقا من ذلك يحاول من هذا العمل الفني أن يوجه رسالة إلى التونسيين بأن لا ينسوا ما حصل في الانتخابات الماضية ويضيف قائلا: «نحن في تونس خصوصا، وفي العالم العربي عموما لدينا مشكلة مع الذاكرة. نحن شعوب تنسى بطريقة مريعة، والدليل على ذلك هو إهمال الارشيفات الوطنية..لذلك « 7 ونصف» ينوه بما حدث في الفترة الانتقالية الماضية. فلا يمكن لنا أن نقبل على انتخابات جديدة إذا لم نتعلم من دروس الماضي».
وعن سؤالنا عن توقيت العرض وتزامنه مع الإستعداد للإنتخابات أجاب بلقاضي: «الوقت مهم بالنظر الى الوضع السياسي في البلاد..» 7 ونصف» هو تذكير بالمسار السياسي في الفترة الانتقالية الأولى بعد الثورة ..إلى تاريخ إجراء اول انتخابات وهي فترة هامة «.
يبرز الفيلم أيضا جدلية العلاقة بين المواطن والأحزاب ..إذ تتجلى مسافة كبيرة بين ما يحلم به المواطنون وبين ما يريده رجال السياسة. فالأحزاب تسابقت قبل انتخابات 32 اكتوبر2011 لكسب أصوات الناخبين باستخدام كل الطرق بما فيها الزواج الجماعي ..وفي هذا السياق يقول بلقاضي: «في الفيلم أيضا تركيز على الوعود الاقتصادية والاجتماعية التي وعد بها المترشحون، وعند وصولهم إلى الحكم دخلوا في صراعات أخرى ايديولوجية لا علاقة لها بوعودهم السابقة وبما يريده المواطن» ..
أما عن أكثر المشاهد المحببة إلى نفسه فأشار إلى أن مشهد خروج المحامي المرحوم فوزي بن مراد معلنا نبأ حل التجمع الدستوري الذي كان اليد اليمنى لنظام بن علي، وسط ترحيب من الجمهور الغفير هو من أكثر المشاهد التي تحمل دلالة تاريخية، وأيضا اللقطة الأخيرة التي تصور امرأة وهي تعبر عن ندمها لأنها ربت أولادها على الخوف وكبلت أحلامهم في زمن الديكتاتورية».
هذه المرأة ليست إلا تونس التي عاشت عقودا تحت سطوة الديكتاتورية .. مكبلة أبناءها . فما أشبه البارحة باليوم، تونس تنتخب، ومواطنون يرسمون بأصواتهم مصير بلادهم عسى ان يكون المستقبل أفضل مما كان..
روعة قاسم