الناصرة – “القدس العربي”: قال المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس إن عالمنا لا يحتاج لعلاج الكورونا فحسب بل لمعالجة سياسات الظلم والقمع والاستبداد المنتهجة ضد الشعوب.
جاء ذلك خلال مشاركته في ندوة إلكترونية أقامها مجلس الكنائس الأسترالية وذلك للتداول في أحوال العالم ما بعد حقبة الكورونا ولطرح جملة من القضايا الإنسانية التي تهم الكنائس المسيحية في العالم.
وقد تحدث المطران في أعمال هذه الندوة من القدس إلى جانب عدد من المتحدثين من أستراليا ومن مختلف أرجاء العالم مؤكدا أن وباء الكورونا في طريقه إلى الاندثار والانتهاء والحياة الطبيعية يجب أن تعود إلى طبيعتها تدريجيا.
وتابع حنا: “لقد مررنا بفترة مؤلمة وحزينة في زمن الكورونا الرديء الذي تزامن مع فترة الصوم والأسبوع العظيم المقدس والفصح المجيد وأدى هذا إلى حرمان أبنائنا من أن يصلوا إلى كنائسهم ويحتفلوا بهذه المواسم المقدسة. نتمنى أن لا يتكرر زمن الكورونا الذي كان أليما وحزينا ونحن بدورنا نتضامن مع كل أولئك الذين فقدوا أحبتهم وأقرباءهم، وإن كانت عندنا علامات استفهام كثيرة حول هذا الوباء تحتاج إلى أجوبة من قبل ذوي الاختصاص”.
وقال المطران عطا الله حنا إن الكثيرين في البلاد يتساءلون عن حقيقة الكورونا ومن الذي أوجدها ومن المستفيد منها وهل هي عمل من صنع البشر أو ظاهرة طبيعة عابرة؟ وعن ذلك قال: “نترك الإجابة على هذه التساؤلات لذوي الاختصاص المجردين عن الأجندات السياسية والمصالح التي تمنعهم من أن يقولوا الحقيقة”. ومع ذلك قال إن عالم ما بعد الكورونا سوف يكون عالما جديدا وأشياء كثيرة سوف تتغير فيه متمنيا بأن يكون التغيير نحو الأفضل وليس نحو الأسوأ.
كما قال إن فترة الحجر الصحي والعزل كانت فترة للتأمل والصلاة والقراءة والتفرغ للحياة العائلية كما وغيرها من الأمور الخاصة وأضاف: “ما نتمناه أن تكون فترة ما بعد الكورونا فترة أفضل من سابقتها، فترة توبة حقيقية وعودة إلى الأحضان الإلهية وتصحيح كثير من الأخطاء والاعوجاجات الموجودة في عالمنا. وبدلا من أن يغدق المال بغزارة على التسليح والحروب والدمار والخراب والموت نتمنى أن يدفع هذا المال من أجل خدمة الإنسان ورقيه ومساعدة الشعوب الفقيرة لا سيما العالم الثالث والوقوف مع عدد من شعوبنا العربية التي تعاني من البطالة والفقر ومظاهر الجوع كما وغيرها من الآفات الاجتماعية والمعيشية”، مؤكدا أن المال يجب أن يستعمل من أجل الخير وليس من أجل الدمار والحروب والتسلط وفرض سياسات الهيمنة الاستعمارية.
وتابع: “ونحن في فلسطين دفعنا وما زلنا ندفع ثمنا باهظا بسبب سياسات ترتكبها دول عظمى في عالمنا وفي مقدمتها أمريكا والتي تعمل على تصفية قضيتنا الفلسطينية ناهيك عن الدمار والخراب الذي خلفته في كثير من الدول والأقطار العربية الشقيقة”.
ودعا حنا الإدارة الأمريكية وحلفاءها للتوقف عن تخريبهم وعن سياساتهم الاستعمارية وعجرفتهم وتابع: “نقول للإدارة الأمريكية كما ولغيرها من الحكومات في الغرب راجعوا حساباتكم وصححوا اعوجاجاتكم وعودوا إلى رشدكم ولا تكونوا إلى جانب الظالمين بل إلى جانب المظلومين الذين يجب أن يؤازروا حتى يُرفع الظلم عنهم”، موضحا أن المسيحيين الفلسطينيين ينتمون إلى وطنهم ويدافعون عن قضية شعبهم وأن المسيحية في ديارهم المقدسة ليست بضاعة مستوردة من هنا أو من هناك بل بلادنا هي أرض الميلاد والقيامة والبقعة المقدسة من العالم التي منها انطلقت الرسالة المسيحية إلى مشارق الأرض ومغاربها.
وأضاف: “نحن قوم نرفض العنصرية والكراهية والتطرف والإرهاب وثقافة الموت والعنف وننادي بالحرية لشعبنا الذي قدم الكثير من التضحيات وما زال يقدم حتى يعيش بحرية واستقلال في وطنه وفي ارضه المقدسة”.
وطالب الكنائس المسيحية في العالم بأن تلتفت إلى فلسطين وإلى مدينة القدس بشكل خاص وقال إن دفاعها عن فلسطين وشعبها المظلوم وعن القدس إنما هو انحياز للحق والعدالة ونصرة لشعب مظلوم عانى وما زال يعاني من ظلم تاريخي ويحق له أن يعيش بحرية وسلام في أرضه المقدسة.
وتابع: “عندما تدافعون عن فلسطين انما تدافعون عن مهد المسيحية وعن اعرق حضور مسيحي في هذا العالم، فلا تتركوا الشعب الفلسطيني لوحده ولا تتركوا مدينة القدس لوحدها تعاني من سياسات الاحتلال المدعومة من امريكا وحلفائها”. مستذكرا أن كنائس ومسيحيي فلسطين نادوا دوما بالحرية لشعبهم الفلسطيني ودافعوا عن عدالة القضية الفلسطينية مع تأكيدنا على رفض مظاهر العنف والقتل وامتهان الكرامة الانسانية بأي شكل من الاشكال.
كما أكد حنا بأن ما يسمى بـ “صفقة القرن” واستهداف مدينة القدس والتخطيط لضم اراض من الضفة والغور انما يجب ان يدفع الفلسطينيين جميعا الى استعادة وحدتهم المغيبة بفعل عوامل داخلية وخارجية. مشددا على أن الوحدة بين كافة الفصائل والاحزاب والتيارات السياسية الفلسطينية باتت مسألة حيوية استراتيجية ضرورية والجميع يجب ان يكون لهم دور في اتخاذ القرارات المصيرية التي تتعلق بالقضية الفلسطينية.
وخلص عطا الله حنا للقول: “نتمنى ان تكون هنالك صحوة ضمير في عالمنا في حقبة ما بعد الكورونا فالعالم اليوم لا يحتاج فقط الى دواء وامصال لمعالجة هذا الفيروس بل هو بحاجة ايضا الى تكريس قيم العدل والرحمة والانحياز للشعوب المظلومة والمقهورة لا سيما شعبنا الفلسطيني”.