من أجل الفيلم الفلسطيني… لنبنِ دور سينما في الأراضي المحتلة

حجم الخط
0

لا تنتهي الأسئلة متى بدأت حول السينما الفلسطينية، لأسباب تتعلق أولاً بالصناعة والتوزيع ودور السينما والجمهور، وبطبيعة كل من هذه الجوانب، وثانياً، وبشكل مقابل، بكمية ونوعية الإنتاج السينمائي الفلسطيني الأفضل حالاً مما ذكرتُه في «أولاً».
لن أتناول الكمية والنوعية، فليس هنا «الخلل» في حال السينما الفلسطينية، بل في «أولاً». إذ لا صناعة ولا توزيع ولا دور سينما ولا جمهور، ولا حتى حركة نقدية سينمائية يمكن أن ترافق الكمية والنوعية المذكورين.
لسنا في عالم غائم في محاولات الإجابة عن تلك الأسئلة، غير المنتهية دائماً، وليس حال السينما الفلسطينية بائساً إن أخذناه في سياقاته، وهذا ما يجب، وسياقاته هي: التشتت الذي يعيشه الفلسطينيون، تاريخهم المعاصر الممتلئ بالمآسي (التي كانت كذلك وماتزال رافداً لفنونهم)، هشاشة معنى الهوية الفلسطينية لديهم، في مختلف أماكن تجمعهم/تشتتهم، وهي هشاشة قد تمتد من جذر المعنى لهذه الهوية كالذاكرة إلى أفرعها كجواز السفر. لكن، رغم كل ذلك (وقد يكون بفضله) كان للفلسطينيين أفلامٌ من داخل الأرض المحتلة وخارجها في الشتات، بمستوى أهلها (في حالات عدة) للحضور في مهرجانات العالم الأولى، للمنافسة على جوائزها، ولنيل حصة من تلك الجوائز يُضاف إليها استقبال نقدي مُنجم.
ما لا أستطيع تحديده هنا هو: أين يبدأ الخلل السينمائي لدى الفلسطينيين؟ في الصناعة، أم في دور السينما (أي طبيعة التلقي لهذه الأفلام)؟ وقد يكون ذلك للتفاعل الجدلي بينهما. ويبقى التوزيع مسألة متوسطة بينهما، فلا يبدأ الخلل به إنما يؤثر به ويغير طبيعته، وأقصد بذلك ظروف مشاهدة الفيلم، وهو ما أعلقه على «دور السينما».
جمهور السينما الفلسطينية هو عموماً جمهور مهرجانات، أكانت عالمية أو مهرجانات سينما فلسطينية منتشرة في العالم، أو مهرجانات فلسطينية داخل الوطن وتعرض أفلاماً فلسطينية لن تُتاح خارج برنامج المهرجان، إلا بعروض خاصة هنا وهناك وفي ما هي ليست صالات سينما.
سأبدأ إذن من دور السينما، وبالتالي تلقي الفيلم الفلسطيني. هذا الفيلم غير متاح للمُشاهد الفلسطيني داخل البلد (المُشاهد المحلي وهو المُشاهد الأهم لأي فيلم) إلا بعروض استثنائية، قد لا تتوافق وبرنامج أحدهم اليومي، ولا هي متاحة جيداً للمُشاهد الفلسطيني خارج البلد، في أوروبا مثلاً، وحاله أفضل من غيره، نظراً لاهتمام دور السينما بنسبةٍ ما، بعرض أفلام «أجنبية»، ولا تكون حصة الفيلم الفلسطيني من هذه النسبة، إلا بمدى اهتمام القائمين على هذه الدور، فرنسيين وألمانا، بفيلم فلسطيني ما، وهذا الاهتمام من عدمه قد لا يكون لأسباب سينمائية، وقبل ذلك وبعده قد لا يجد الفيلم الفلسطيني موزعاً في هذه البلدان، أو قد لا يتفق الموزع مع دور السينما على عرضه، أو مسائل أخرى ليست كلها مهنية/سينمائية، قد تحول دون مشاهدة فلسطينيين لنتاج «شركائهم في الوطن» السينمائي، فيُحرم هذا النتاج من محليته. وذلك ما يؤدي بنا إلى المساومة على ظروف المشاهدة السينمائية، إلى البديل الذي سيطر أخيراً، في العالم كله، وهو الإنترنت.

الفيلم الفلسطيني يحتاج متلقياً محلياً لا يكون موسمياً ولا إنترنتياً، وهذا يستحيل بدون دور سينما. لنبنِ، إذن، دور سينما في فلسطين.

كأن العالم، في حالة الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي، صار فلسطين كبيرة، صار بلداً بأفلام إنما بلا دور سينما. وفكرة أن يصير العالم فلسطين كبيرة، أو فلسطَنةُ العالم، هي إحدى الأفكار الأساسية في الفيلم الأخير لإيليا سليمان «إن شئت كما في السماء»، وإن كانت مقاربة الفيلم أكثر أبوكالبتية من أن يعيش العالم بلا دور سينما وإن مؤقتاً، وأن تقتصر مشاهدتُه على الشاشات المنزلية، كما يعيش الفلسطينيون دائماً، ويشاهدون. لم تفك كل البلاد حالات الحجر الإلزامية، لكن ماتزال دور السينما مغلقة، ولايزال الإنترنت هو البديل المنزلي للمشاهدة السينمائية، بما يحمل ذلك من تغييرات (ومن ضرر) في ظروف المشاهدة السينمائية، وهي ظروف استثنائية في العالم وطبيعية في فلسطين، طبيعية لفقدان البلد «الطبيعي» لدور سينما (المراكز الثقافية وصالات المولات ليست دور سينما، لو سمحتم). اليوم، الإنترنت هو البديل الملح لدور سينما أغلقت أبوابها. لن يعوضها لكنه نافذة ليست مثالية (لا ملائكية ولا شيطانية) لمشاهدة الأفلام. هي الحل العالمي الطارئ لحالة هي دائماً ، فلسطينيا، طارئة.
في هذا السياق أتاح العديد من المخرجين الفلسطينيين (والعرب) أفلامهم على الإنترنت، وأنشأت «مؤسسة الفيلم الفلسطيني» «منصةَ الفيلم الفلسطيني» لتعرض فيلماً فلسطينياً كل أسبوع، كبديل ظرفي طارئ لحالة انعدام دور سينما في فلسطين، تعرض القديم والجديد، وحالة انعدام نسبي لحضور سينما فلسطينية في دور سينما خارج فلسطين. هو بديل طارئ لحالة استقرت في «طارئيتها» فكانت مشاهدةُ الأفلام الفلسطينية ضمن ظروف مشاهدة سينمائية في صالة سينما، صدفةً أو موسميةً أو حتى احتمالاً قد لا يتحقق.
يتكيف بذلك حال توزيع الأفلام الفلسطينية مع حال انعدام/افتقار مشاهدة فيلم فلسطيني في صالة سينما، وبشكل غير موسمي. هو حل مؤقت سيكون في صالح هذه السينما إن بقي مؤقتاً وطارئاً وغير بديل عن المشاهدة السينمائية في صالات سينما وضمن شروط المشاهدة التي تؤمنه هذه الصالات.
في ظل حديث عن ظروف المشاهدة السينمائية، عن كيف نتلقى الفيلم الفلسطيني، وأين نشاهده؟ في استحالةٍ نسبية لهذه المشاهدة خارج الشاشات السحابية، كبيرها وصغيرها، مهما كانت ذكية، في ظل حديث كهذا سيكون الحديث عن صناعة سينمائية فلسطينية سابقاً لأوانه، وهو حديث لاحقٌ لحالة يكون الفلسطينيون، داخل الأرض المحتلة على الأقل، قد خرجوا من حالة طوارئ تبقيهم في بيوتهم كلما أرادوا مشاهدة فيلم فلسطيني.
فلسطين بأهلها الساكنين فيها، وبكل فنونها (ليس سينماها وحسب) تحتاج دور سينما كي تكون هنالك حالة تلقٍ محلية للفيلم الفلسطيني، وهذه أحد أسس الخلل في كل حديث عن السينما الفلسطينية.
الفيلم الفلسطيني يحتاج متلقياً محلياً لا يكون موسمياً ولا إنترنتياً، وهذا يستحيل بدون دور سينما. لنبنِ، إذن، دور سينما في فلسطين.

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية