إسطنبول ـ «القدس العربي»: بعد 60 عاماً على أول انقلاب عسكري في تاريخ تركيا الحديث، أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الأربعاء، جزيرة «ياسي آدا» التي حوكم فيها رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس قبيل إعدامه «جزيرة الديمقراطية والحريات» لتخليد هذه الذكرى الأليمة في التاريخ التركي وتأكيداً على نبذ الشعب لحقبة الانقلابات العسكرية الصعبة التي شهدتها البلاد طوال العقود الماضية، وسط استمرار الجدل حول ما إن كانت حقبة الانقلابات العسكرية قد انطوت بالفعل في تركيا.
وجرى تحويل الجزيرة النائية الواقعة في بحر مرمرة قبالة إسطنبول إلى مزار مفتوح للشعب بعد أن جرى إعادة تأهيلها وإقامة فيها متاحف وحدائق وقاعة مؤتمرات عالمية ومنارات وتماثيل ترمز جميعها إلى الانقلاب العسكري ومحاكمة مندريس في خطوة جديدة يهدف من خلالها الرئيس التركي إلى تعزيز الوعي الجمعي بالظلم والخراب الذي جلبته الانقلابات العسكرية لتركيا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
ففي السابع والعشرين من مايو/أيار عام 1960 نفذ الجيش أول انقلاب عسكري في تاريخ البلاد ضد حكومة الحزب الديمقراطي الذي فاز بالانتخابات البرلمانية برئاسة عدنان مندريس الذي كان يتولى رئاسة الوزراء قبل أن تتم محاكمته وإعدامه برفقة عدد من رفاقه بتهمة الإخلال بأسس العلمانية في البلاد. وفي الثاني عشر من آذار/مارس 1971 حصل الانقلاب العسكري الثاني الذي لم تستخدم به الدبابات وعرف باسم «انقلاب المذكرة» حيث أجبر الجيش وعبر مذكرة رئيس الوزراء آنذاك سليمان دمرال على ترك منصبه قبل أن يسيطر الجيش على الحياة السياسية في البلاد.
أما الانقلاب الثالث، فوقع في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر عام 1980 الذي قاده مجموعة من كبار قادة الجيش بزعامة كنعان إفرين بدعوى الحفاظ على مبادئ الجمهورية التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك والذي استهدف الإسلاميين بالدرجة الأولى وتبعه إعدام عشرات السياسيين والنشطاء بتهم مختلفة.
وتجدد الانقلاب للمرة الرابعة في الثامن عشر من يونيو/حزيران عام 1997 ضد حكومة نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه ذي التوجه الإسلامي، حيث أجبره الجيش على الاستقالة رغم فوز حزبه بالانتخابات البرلمانية وتشكيله حكومة مدنية ديمقراطية.
واخيراً، تجددت محاولة الانقلاب في الخامس عشر من يونيو/تموز عام 2016 عندما تحرك مجموعة من كبار ضبط الجيش للانقلاب على حزب العدالة والتنمية الحاكم وزعيمه رجب طيب اردوغان في محاولة لم يكتب لها النجاح واعتبرها البعض نهاية عصر الانقلابات العسكرية في تركيا، إلا أن الجدل حول إمكانية حصول انقلاب عسكري جديد في البلاد لم يتوقف في الأشهر الأخيرة.
وطوال السنوات الماضية، أجمعت كافة القوى السياسية في البلاد على أن الوعي الشعبي العام والرفض الشامل للعودة إلى حكم العسكر وتدمير الديمقراطية التي جرى تأسيسها في البلاد على مدى العقود الماضية هو من ساهم في إفشال محاولة الانقلاب الأخيرة وأسس لمرحلة جديدة يبدو فيها من الصعب جداً نجاح أي محاولة انقلابية جديدة.
لكن حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي لا ينكر دور الوعي الشعبية ومقاومته للمحاولة الانقلابية، يولي أهمية كبيرة لإنهاء أي خطر حقيقي نابع من وجود أطراف ما زالت تؤمن بالانقلاب العسكري داخل المؤسسات المدنية والعسكرية في البلاد، وطبق ذلك من خلال حملة التطهير الأكبر في تاريخ البلاد، والتي استهدفت كافة المشتبه بهم داخل المؤسسات العسكرية والمدنية عبر الإبعاد من الوظائف الرسمية أو الاعتقال والمحاكمة، لا سيما المتهمين بالمشاركة ودعم محاولة الانقلاب الأخيرة، إلى جانب التغييرات الجوهرية التي أجريت على هيكلية وعقيدة الجيش التركي.
والثلاثاء، توفي في مدينة إسطنبول رئيس هيئة الأركان السابق الجنرال إسماعيل حقي، الذي قاد انقلاب عام 1997 ضد أربكان، وذلك بعد معاناة مع المرض، وشكل حقي رمزاً للتحول السياسي في البلاد، وذلك بعدما خضع للمحاكمة وأودع السجن قبل أن يطلق سراحه بسبب مرضه وتقدمه بالسن، حيث تعرف في تركيا مقولاته الشهيرة عن أن انقلاب 1997 سيمنح السلطة للجيش لألف عام مقبلة، وهو ما لم يحصل.
وقبل أسابيع، تصاعد الاحتقان السياسي الداخلي في تركيا بشكل مفاجئ وبدرجة حادة بعدما رفعت المعارضة التركية من حدة خطابها ضد أردوغان والنظام الرئاسي، وهو ما دفع حزب العدالة والتنمية الحاكم ومسؤولي الحكومة للتحذير من «مساع انقلابية»، وسط اتهامات للمعارضة بمحاولة استغلال الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد بسبب انتشار فيروس كورونا في تحقيق مكاسب سياسية.
ومنذ المحاولة الانقلابية عام 2016 ومع كل احتدام في السياسة الداخلية بتركيا، يعود الحديث عن احتمال حدوث محاولة انقلابية جديدة. وبينما يتهم أنصار الحزب الحاكم أطرافاً بالمعارضة بالتعاون مع تنظيم غولن، تقول المعارضة إن الحزب الحاكم بات يستخدم تهمة الانقلاب وتنظيم غولن لترهيب أي صوت معارض في الانقلاب.
ورغم أن المحاولة الانقلابية الأخيرة لا تدفع للاعتقاد باستحالة حصول محاولة انقلاب جديدة في تركيا، إلا أن زيادة الوعي الشعبي والحزبي العام برفض الانقلابات العسكري ومقاومته، وحملة التطهير الواسعة التي نفذتها الحكومة في السنوات الأخيرة، تجعل من حصول محاولة انقلابية جديدة أمراً بالغ التعقيد وفرصاً ضئيلة جداً للنجاح.