بعد قيام ثورة يوليو شكلت بعض المحاكم – إن جاز أن نسميها محاكم – الاستثنائية مثل محكمة الغدر، ومحكمة الثورة، ومحكمة الشعب، وقد قدم للمحاكمة أمام محكمة الثورة، التي تشكلت في ايلول/ سبتمبر 1953 إبراهيم عبد الهادي، الذي تولى الحكم بعد اغتيال النقراشي في 28 /12/1948 والذي حدث في عهده اغتيال حسن البنا في 12 شباط/فبراير1949، وقد وجهت لعبد الهادي العديد من التهم، ومن ضمنها دوره في قتل حسن البنا، وتعذيب الإخوان، وقد صدر الحكم بإعدامه في أول تشرين الاول/ اكتوبر 1953، وعلى الرغم مما شهده وعاناه الإخوان في عهده من تعذيب واضطهاد وقتل لمرشدهم، إلا أن المرشد العام للإخوان حسن الهضيبي أعلن بوضوح ‘لا أستطيع أن أطمئن إلى عدالة حكم صدر بعد محاكمة غير عادلة، ومحاكمة إبراهيم عبد الهادي كانت غير عادلة’، وقد أرسل الهضيبي، حسن العشماوي ليطلب من عبد الناصر عدم تنفيذ الحكم، والذي أبدى تعجبه من أن يشفع الإخوان في عدوهم، وكان رد العشماوي واضحا ‘نحن نطلب العدالة لنا ولخصومنا على السواء’، وقد خفف الحكم إلى المؤبد، ثم أفرج عنه صحيا بعد ذلك في فبراير 1954، لقد قامت ثورة يناير لتزيح هذا النظام الفاسد المستبد، إلا أنه وبعدما يقرب من شهر من نجاح الثورة مازال قادة الحزب الوطني طلقاء، فهل من المعقول أن يظل الشريف وعزمي وسرور، الذين أفسدوا الحياة السياسة من دون أي محاسبة؟ وهل ننتظر وقادة هذا الحزب الفاسد يواصلون تهريب الأموال وحرق المستندات، وتدبير الدسائس والمؤامرات على الثورة؟لقد طالبت من قبل بضرورة التحفظ عليهم، وكذلك طالبت القوات المسلحة بضرورة التحفظ على مقار أمن الدولة، والتحفظ على الوثائق والمستندات حتى لا يتم التخلص منها لإخفاء معالم جرائمهم، وحدث ماتوقعته وأقدم هذا الجهاز الإجرامي على حرق المستندات والملفات لاشاعة الفوضى، ولولا تصدي الشعب لهم لنجحوا في التخلص من جميع الوثائق والمستندات التي تدين ممارستهم الإجرامية وتكشف دولة أمن الدولة التي كنا نعيش فيها، لذا يجب المسارعة على الفور بالتحفظ على قادة الحزب الوطني لأنه لا معنى لهذا البطء والتباطؤ الشديد في اتخاذ هذه الخطوة المهمة، ولا معنى لانتظار أن يتقدم أحد المواطنين ببلاغ ضدهم للنائب العام، ثم طلب التحريات من الأجهزة الرقابية، ثم منعهم من السفر، والتحفظ على أموالهم، ثم تقديمهم للمحاكمة بعد أن تكون خربت مالطة.إن الاستبداد والفساد السياسي هو أصل الداء ورأس البلاء، وهو الذي أدى إلى الفساد المالي، فليس من المعقول أن نمسك في الفرع ونترك الأصل مع تقدير أهمية التصدي للفساد المالي، واسترجاع الأموال المنهوبة فليس من المعقول أن يساق بعض الذين أفسدوا الحياة السياسية، وقتلوا الثوار للمحاكمة بتهم مالية، والبعض الآخر مازال حرا طليقا في عملية تبعث على الشك في الخلفية، التي قدم هؤلاء على أساسها للمحاكمة، والأوضاع والصور التي صاحبت ذلك، خاصة أن بعض الإجراءات القانونية التي اتخذت ضدهم قد تكون موضع تساؤل، إن المطلوب هو إجراء احتياطي – وهم الذين طالما استخدموا الحبس الاحتياطي كعقاب ضد الشرفاء من الإخوان وغيرهم ـ حتى يتم التحقيق العادل وتقديم من يستحق منهم للمحاكمة أمام قاضيهم الطبيعي، لا أحد من الثوار يطاب بمحاكم استثنائية – ولا حتى الذين ذاقوا على ايديهم الظلم أمام المحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة طوارئ – فليقدموا إلى المحاكم ولتوفر لهم كل الضمانات القانونية، وتتولى هيئات المحامين الدفاع عنهم، فهذا حقهم من أول مبارك وحتى أقل واحد من أذنابه.ومع أن المرء يستطيع تفهم اسباب امتناع المحامين الكبار عن قبول الدفاع عن الرئيس السابق، لكن قواعد العدالة المجردة تتطلب أن يكون للمتهم ـ مهما كانت طبيعة ودرجة التهم الموجهة اليه- محام، وإن كانت العدالة مطلوبة للجميع فإن من الظلم البين استمرار المعتقلين السياسيين، وكذلك السياسيين الذين صدرت بحقهم أحكام من المحاكم الاستثنائية في السجون، والذين يجب إطلاق سراحهم على الفور، لقد تم الإفراج عن خيرت الشاطر وحسن مالك، وهي خطوة جيدة ولكن يجب الإفراج عن الجميع بلا استثناء، كما يجب إسقاط العقوبة عنهم، فلا يصح بعد هذا الظلم الذي تعرض له الشاطر ومالك من سجن ومصادرة أموال أن يكون الإفراج عنهم صحيا، فلابد من تصحيح هذا الوضع وإعادة ممتلكاتهم ورد الاعتبار إليهم وتعويضهم ماليا، وأن يتمتعوا بكافة حقوقهم السياسية، فلتتحقق العدالة، ولكن للجميع.د. صفوت حسين – جامعة دمنهور[email protected]