رأي القدس اعلان البيت الابيض الذي صدر يوم امس حول اتفاق الرئيس باراك اوباما مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان على ضرورة ‘الانتقال الى الديمقراطية’ في سورية يأتي في اطار التنسيق المكثف بين الولايات المتحدة وتركيا على صعيد الملف السوري، وكيفية التعاطي معه في ظل تصاعد اعمال الانتفاضة الاحتجاجية المطالبة بالتغيير، والتصدي الرسمي السوري لها بالدبابات والرصاص الحي.
السيد اردوغان ارسل وزير خارجيته احمد داوود اوغلو الى دمشق حاملا رسالة قوية تطالب بوقف اعمال القتل في صفوف المحتجين، وارسل سفيره في دمشق الى مدينة حماة للتأكد من انسحاب الدبابات السورية منها تنفيذا للمطالب التركية. الدبابات انسحبت بالفعل ولكن اعمال القتل ما زالت مستمرة في بعض المناطق السورية الاخرى.
من السابق لاوانه اصدار احكام قاطعة بشأن تجاوب السلطات السورية مع المطالب التركية سلبا او ايجابا. فلم يمر على زيارة وزير الخارجية التركي لدمشق الا يومان فقط، ولكن هناك العديد من الشواهد حول رغبة ولو ظاهرية لتنفيذ بعض هذه المطالب ان لم يكن كلها. فالتلفزيون السوري الرسمي حمل اخبارا عاجلة تؤكد انسحاب الدبابات من درعا وعدم عودتها اليها، وتحذر من تصديق قنوات فضائية عربية ‘مغرضة’ تقول عكس ذلك.
الاختبار الحقيقي لنوايا السلطات السورية هو كيفية تعاطيها مع المظاهرات المتوقع انطلاقها اليوم الجمعة في اكثر من مدينة وخاصة حماة ودير الزور وحمص علاوة على ريف دمشق، والمعيار هنا هو اعداد القتلى والشهداء، لان مواصلة اعمال القتل واقتحام الدبابات للمدن ستعني عدم الالتزام باي تعهدات اعطيت لوزير الخارجية التركي بوقف هذه الاعمال، ووضع تركيا ورئيس وزرائها في موقف حرج للغاية.
الرئيس بشار الاسد عين رئيسا جديدا لهيئة اركان الجيش السوري، واختار جنرالا مسيحيا لهذه المهمة، بعد ايام معدودة من اقالة وزير الدفاع، في رسالة واضحة تؤشر الى اعتراف بحدوث اخطاء ورغبة في فتح صفحة جديدة، ولكن الافعال هي التي تحكم على الاقوال في نهاية المطاف.
الرئيس اوباما اتفق مع الزعيم التركي اردوغان على ضرورة حدوث الانتقال الديمقراطي في سورية، ولكنهما لم يقولا كيف سيتم هذا الانتقال، وما هي ادواته، وهل سيتم في ظل النظام او بالاحرى الرئيس الحالي بشار الاسد او نظام آخر؟ الاجابة على هذه الاسئلة تأتي على درجة كبيرة من الاهمية لمعرفة النوايا الامريكية والتركية الحقيقية تجاه سورية.
السيد اردوغان توقع حدوث الانتقال الديمقراطي في غضون اسبوعين مثلما صرح في مؤتمره الصحافي الذي عقده بعد عودة وزير خارجيته من دمشق ولا بد انه تلقى تعهدات من الرئيس بشار الاسد في هذا الخصوص.
اكثر ما نخشاه ان يكون هذا التنسيق التركي ـ الامريكي مقدمة لتدخل ما في الشأن السوري، خاصة ان عمليات التنديد باعمال القتل التي يمارسها النظام السوري ضد شعبه قد تصاعدت في الايام الاخيرة خاصة من المملكة العربية السعودية ومصر ودول الخليج الاخرى. فهل هذا التنديد والشجب هما عماد غطاء عربي لمثل هذا التدخل في حال حدوثه؟
التدخل الاجنبي، خاصة اذا جاء عسكريا، سيكون كارثة على سورية وشعبها، وامام السلطات السورية فرصة اخيرة لتجنبه اذا ما اوقفت فعلا وبحزم آلة القتل الدموي وسحبت دباباتها من المدن واعادت الجيش الى ثكناته وبدأت الاصلاح الحقيقي والجدي.. الامل ضعيف ولكنه موجود على اي حال او نتمنى ان يكون الحال كذلك، لان البديل خطير وكارثي لسورية والمنطقة العربية باسرها.
النظام السوري تنازل لتركيا بطرد عبدالله اوجلان الزعيم الكردي تمهيدا لتسليمه، وسحب قواته من لبنان لتجنب حرب مع الولايات المتحدة وحلفائها بعد اغتيال الحريري، وقد حان الوقت للتنازل لمطالب شعبه في التغيير وهذا ليس عيبا وانما قمة العقل في رأينا.