إسطنبول-“القدس العربي”: في الوقت الذي ظهرت فيه مؤشرات اتفاق تركي روسي على تقاسم النفوذ والمصالح في ليبيا، ظهرت بوادر صدام خطير بين البلدين على الأراضي الليبية في تناقض يظهر ضبابية المشهد وتعقيده في ظل التطورات العسكرية والسياسية المتلاحقة في الملف الليبي المعقد أصلاً.
وفي الوقت الذي كانت فيه الطائرات المسيرة التركية تدمر أنظمة بانتسير الدفاعية الروسية واحدة تلو الأخرى، وانسحاب مرتزقة فاغنر الروس من محيط طرابلس والغرب الليبي بشكل عام، كانت التحقيقات الدولية تكشف عن إرسال الجيش الروسي عددا من الطائرات الحربية المتطورة إلى ليبيا لدعم ميليشيات حليفه حفتر سواء بشكل غير مباشر أو كمقدمة لتدخل عسكري مباشر على غرار ما فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا.
وعلى الرغم من أن تركيا تقدم الدعم العسكري لحكومة الوفاق بشكل معلن منذ سنوات، ووقعت معها اتفاقا رسميا للتعاون العسكري نهاية العام الماضي، إلا أن أنقرة بدأت بتقديم دعم عسكري حقيقي ومؤثر في الأسابيع الأخيرة ما قلب المعادلة عسكرياً على الأرض ومكن حكومة الوفاق من إلحاق سلسلة هزائم بميليشيات حفتر والأنظمة والميليشيات الداعمة له وعلى رأسها مرتزقة فاغنر الروس.
وبفعل الدعم العسكري التركي سيطرت حكومة الوفاق على 8 مناطق على الساحل الغربي قبل أن تسيطر على قاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية وتقترب من تطهير جنوب ومحيط العاصمة طرابلس بشكل كامل، وسط توقعات بسيطرتها قريباً على كامل جنوب العاصمة وصولاً إلى ترهونة، وهو ما يعني تأمين العاصمة بشكل تام ودحر حفتر وداعميه من غربي ليبيا بعد أن كاد يسيطر على وسط العاصمة طرابلس قبيل أسابيع فقط.
هذا الانقلاب الهائل في موازين القوى لم يكن لولا الدعم التركي النوعي الذي مكن حكومة الوفاق من إنهاء التفوق الجوي لميليشيات حفتر وداعميه وذلك من خلال نصب أنظمة دفاع جوي مختلفة في محيط طرابلس حيدت الطائرات المسيرة الإماراتية إلى درجة كبيرة، وتوجيه ضربات جوية متتالية لمنظومة بانتسير الدفاعية الروسية التي دمر ما لا يقل عن 10 منها في محيط طرابلس، وصولاً لتسيد المسيرات التركية أجواء المنطقة حيث باتت ميليشيات حفتر مكشوفة جواً لحكومة الوفاق.
وأدى نشر تركيا بشكل غير مباشر للمنظومات الروسية وهي تتساقط واحدة تلو الأخرى بضربات المسيرات التركية إلى ما اعتبر بمثابة “إهانة كبرى” لروسيا وصناعاتها الدفاعية، كما قتل العديد من مرتزقة فاغنر بضربات حكومة الوفاق وعرضت جثامينهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو مشهد أظهر المستوى الخطير من الصراع شبه المباشر الذي وصلت إليه الأمور بين تركيا وروسيا.
وعلى وقع هذه الضربات، بدأ مرتزقة فاغنر الروسي بالانسحاب بشكل مفاجئ من محيط العاصمة طرابلس، وأكدت مصادر ليبية مختلفة طوال الأيام الماضية أن قرابة 2000 من مرتزقة فاغنر انسحبوا تدريجياً باتجاه ترهونة ومن ثم بني وليد ومن هناك ركبوا طائرات لم يعرف ما إن كانت نقلتهم إلى شرق ليبيا أم إلى خارج البلاد. وخلال عملية الانسحاب أعلنت حكومة الوفاق وقف الهجوم على ترهونة لمدة 48 ساعة وتوقفت الطائرات التركية المسيرة عن استهداف القوات المنسحبة نحو الجنوب.
هذا المشهد دفع الكثيرين للاعتقاد بوجود تفاهم ما بين روسيا وتركيا مكن مرتزقة فاغنر من الانسحاب من محيط طرابلس بأقل الخسائر، وهو ما دلت عليه الكثير من الدلائل على الأرض، لكن ما لا يعرف حتى الآن ما إن كان ذلك مجرد اتفاق ميداني لمنع صدام أكبر بين البلدين أم انه اتفاق أكبر ببعد سياسي بحيث يكون البلدان قد توافقا على ترك طرابلس والمناطق الغربية تحت النفوذ التركي وتراجع روسيا لتركيز تواجدها ونفوذها في المناطق الشرقية.
وما يزيد المشهد تعقيداً ويجعل الباب مفتوحاً أمام جميع الاحتمالات، وعقب سلسلة تسريبات إعلامية وتصريحات من حكومة الوفاق، حسمت قيادة القوات الأمريكية في افريقيا الجدل بتأكيدها واثباتها إرسال روسيا مجموعة من الطائرات الحربية المتطورة لميليشيات حفتر خلال الأيام الماضية.
وتحدثت مصادر مختلفة عن إرسال روسيا ما بين 8 إلى 14 طائرة حربية متطورة من الجيل الرابع أقلعت من روسيا وهبطت في سوريا لتغيير طلائها والتمويه قبيل أن تهبط في قاعدة الجفرة الجوية التي تسيطر عليها ميليشيات حفتر في ليبيا، وجرى إثبات ذلك بصور أقمار صناعية وصور أخرى نشرها الجيش الأمريكي لهذه الطائرات وهي في أجواء ليبيا.
ورداً على ذلك، زادت الطائرات الحربية التركية من مناوراتها الجوية في شرق البحر المتوسط وقبالة السواحل الليبية بمشاركة طائرات التزود بالوقود في خطوة تؤكد استعداد أنقرة للرد باستخدام الطائرات الحربية في حال نفذ حفتر تهديداته بتوجيه ضربات جوية واسعة ضد المصالح التركية في ليبيا باستخدام الطائرات الروسية، وسط تعزيز تركيا إرسال طائرات الشحن العسكرية إلى طرابلس وأنباء لم تؤكد بعد عن تزويد حكومة الوفاق الليبية بعدد من الطائرات الحربية من طراز إف 16 أمريكية الصنع.
كما أن زيادة التدخل العسكري الروسي في ليبيا دفع الولايات المتحدة والناتو إلى التحرك بشكل غير مسبوق والتحذير من مخاطر تحويل روسيا لليبيا إلى “سوريا جديدة” وبناء قواعد عسكرية تمثل تهديداً مباشراً لجنوب أوروبا، وهو ما يدفع تركيا للاصطفاف أكثر إلى جانب الحلف وربما تكون رأس الحربة لموقفه المتعلق بمحاولة الحد من سعي روسيا لترسيخ تدخلها المباشر في ليبيا.
هذا المشهد المعقد يضع أنقرة في فوهة البندقية أمام روسيا التي سعت دائماً وأبداً إلى تجنب الصدام المباشر معها سواء في سوريا أو ليبيا، الأمر الذي يبقي الباب مفتوحاً بقوة أمام جميع الاحتمالات سواء المتعلقة بالصدام العسكري المباشر أو غير المباشر أو التوصل إلى تفاهمات لتقاسم النفوذ في ليبيا.
اقتباس
بوادر دعم روسي مباشر لحفتر بعد قلب تركيا موازين القوى لصالح الوفاق