النخب وأسئلة الربيع العربي

حجم الخط
0

النخب وأسئلة الربيع العربي ميرنا لحود ولد الربيعُ العربي من رحم الشعاراتِ فغصَّت الميادينُ والساحاتُ بالتجمعات من ‘ساحة القصـــبة’ إلى ‘ميــــدان التحرير’ ومن ‘ساحة النصر’ إلى ‘ساحة الحرية’ وتعاقبتْ الأسابيعُ مع الوقفات والاعتصامات فمن ‘الجمعة المليونية’ إلى ‘جمعة الصمود’ ومـــن ‘جمـــعة الغـــضب’ إلى ‘جمعة الإصرار’. واختلفت ردودُ الأفعال والتجاوب حيال الحراك الثوري. فهناك من يُلبي دعوةَ الانضمام وهناك من يرفضُ وهناك من يترددُ رغم تاريخية اللحظة الحاسمة. وقد تميز غلَياَنُ الشارع العربي بالطابع التلقائي على غرار الثورتين التونسية والمصرية. فلا أحزابُ سياسيةٌ ولا نخبٌ لتؤطِّرَ وتقود فقط عفويةُ الشباب ووعيٌّ عميق بالفساد والاستبداد وإسقاط النظام. تُعرف النخب بالجماعة التي وصلت إلى قدر من الخبرة والثقافة يؤهلُها لتحتل مراكزَ متقدمةً في رعاية الشأن العام. ومنذ نشأتها معادية للاستعمار ومتصدية له، مرت النخب بمراحلَ تاريخيةٍ جعلتها تغيِّر طريقتَها وأسلوبَها السياسي والاجتماعي الداخلي فتجعلنا بين الفينة والأخرى نتساءلُ إنْ كانت تشكلُ جزءً من النظام لتؤمنَ وجودَها وتثبتَه. وفي خضَّم هذا الربيع العربي تَكثُرُ الأسئلة وتُطرحُ بشكل أو بآخرَ عن دورها ووظيفتِها من أجل إنجاح الحراك الثوري. يتأرجح موقف النخب في غالبية الأحيان بين حالتين فإما أن تعتمدَ الاصطفاف مع النظام بشكل علني وإما أن تنضمَ إليه بشكل سري وكثيراً ما تتردَدُ بين الموقفين. أمّا فيما يتعلق بنشاطها السياسي فيقتصر هذا الأخير على التنظير الإيديولوجي وهو في العالم العربي أقربُ إلى الشطحات الصوفية والرقص الفكري منه إلى العمل البناء القادر على الفعل الاجتماعي. وقد أوضحت بداية الثورة بجلاء إخفاق عمل النخبة العربية وفشلها الذريع وقد كانت منذ تأسيسِها محكومة بالنظام الرسمي فلم تستطعْ أن تَشغَلَ الساحةَ الاجتماعية نظراً للترابط الوثيق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. فأضحت متعكزةً وما زالت حتى الساعة. من زاوية أخرى يَطرحُ الربيع العربي تساؤلاتٍ عدةً حول مستقبل النخبة في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة التي تُحاول فيها الشعوبُ العبورَ من مرحلة الاستعباد والاستبداد إلى مرحلة العدالة المنشودة والحرية المترقبة. وفي هذا السياق وبحكم الوضع الراهن هناك احتمالان أساسيان لمستقبل النخب العربية. يتمثل الأول في حتمية التغيير، تغيير الخطاب وتغيير المضمون السياسي وآليات العمل. ففشل النخب ما قبل الثورة وما بعدها والذي أصبح من أبرز سماتها الفارقة جعل الجميع يستنتج بوضوح عقم برامجها الجوفاء المعدومة الأسس والمبادئ والتي لا أثر فيها للمصلحة العامة. توج هذا الفشل إذن بغياب قدرة النخبة على تغيير الواقع بل حتى على مسايرته. وهو ما يفتح الباب أمام الاحتمال الثاني متمثلا في اختفائها من مسرح الفعل السياسي والاجتماعي. في هذه المرحلة الدقيقة الصعبة تتحدد بعضُ حقائقَ ما بعد الثورة. لعل أبرزها أنَّ مواصلةَ النخب العربية العمل بنفس الآليات هو أشبه بالانتحار وأن فشلَ إعادة النخبة بناء نفسها من جديد يدفعها إلى الإقصاء الذاتي في منطقة تشهد اليوم تحولاً تاريخياً كلياّ.

إن ّطوراً جديداً يفرض نفسَه على النخب العربية ككل حاملاً في طياته ضرورةً ملحةً من أجل إعادة التشكّل في كافة المجالات وعلى كافة الأصعدة سواءٌ كانت سياسية أو اجتماعية أو فكرية. وهو طورٌ قد يعيدُ ترتيبَ الأولوياتِ والمرجعياتِ وآليات الاشتغال التي من شأنها أن تنقلَها من حالة العطالة إلى حالة فاعلة من العمل الاجتماعي والسياسي.’ كاتبة لبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية