المنسيّون!

حجم الخط
0

خيري منصور

ما اكثرهم، وما اقل الوفاء لهم، فالذاكرة الرملية يتسرب منها حتى الدم، والخذلان لا يستثني حتى هؤلاء الذين افتدونا بأنفسهم وافتدوا حريتنا بقيودهم، فخيط الدم لم ينقطع، وكذلك الوضوء به، ما دامت صلاة للعشق، فهم افراد عملوا بأضعاف طاقاتهم تعويضا للبطالة والأمية، خصوصا في العقود الاولى من القرن الماضي، عندما كان الاستقلال اشبه ببحيرة الاسطورة، ما ان تقترب منه الشفاه الظمأى حتى تتشقق لأن الماء ينأى… ولو كان للمنسيين عميد تبعا لتقاليد ثقافتنا التي لم تخرج من عباءة القبيلة لكان عمر فاخوري هو هذا العميد، فهو منذ الثامنة عشرة من عمره بلغ الرشد الصعب بمقياس آخر غير مقياس البلوغ العضوي، ورأى ابعد مما رأى الناس من حوله، ولم يرصد عقارب الساعة التي تدور الى الوراء في أيامه فقط، بل أدرك ان للتخلف قوانين نمو، وانه ليس مجرد ركام كالفوضى لا يقبل القياس، وكان كتابه الاول، وباكورة مشروعه النهضوي هو ‘كيف ينهض العرب’ اي انه لم يتوقف عند هجاء التخلف وتوصيف الحال، بل تجاسر في صباه على اجتراح أفق كان محرّما من قبل، رغم ان له اسلافا سبقوه الى هذا الاجتراح، لكنهم دفعوا الثمن تباعا، وهناك من مات مسموما او محقونا بالوباء في شفته السفلى، والمطارد من الباب العالي الى الابواب الواطئة، هؤلاء هم كوكبة النهضة التي اجهضت في القرن التاسع عشر العربي، قرن الايديولوجيا في الغرب واطول القرون جميعا في التاريخ، بعكس القرن الذي اعقبه وهو القرن العشرون الذي لم يتجاوز الثمانين عاما، وهي المسافة الممتدة بين الحرب العالمية الاولى وانتهاء الحرب الباردة. لقد حققت ونشرت الاعمال الكاملة لفاخوري، كما حدث ايضا لكل من الكواكبي وعبدة واسحق وآخرين، لكن هل هذا يكفي؟ ام ان من يحملون الاسفار على ظهورهم ليسوا بالضرورة حامليها بمعنى الاستقراء والاستيعاب؟ كتاب عمر فاخوري البكر رُميت نسخه في البئر بعد ان القيت من النوافذ، هربا من الملاحقة، وتعامل الرقيب معها باعتبارها مادة محرّمة وممنوعة من التداول كالمخدرات، هذا بالرغم من ان المخدرات تجد من يمررها ويتواطأ عليها مقابل اجر او بمعنى أدق رشوة.. في تلك الاونة كانت كلمة عروبة ومرادفاتها جرائم يعاقب عليها الاحتلال المزدوج وليست كما هو الحال في أيامنا مثارا للتقريع والهجاء والسخرية من الذات، واقرب مثال لهذا هو قصيدة محمود درويش الشهيرة ‘سجّل انا عربي’، فحين كان محمود يطالب بقراءة هذه القصيدة في دمشق او بيروت او القاهرة يمتنع، ويقول ان قيمة هذه القصيدة تكمن اولا في انها كتبت ونشرت داخل فلسطين وفي زمن الاحتلال، لهذا فهي ذات معنى ودلالات عديدة عندما تقرأ في حيفا لكنها تصبح مثيرة للسخرية اذا قرئت في عاصمة عربية، وهذا ما حدث ايضا في فرنسا خلال الاربعينات من القرن الماضي عندما كانت محتلة من المانيا النازية، يقول سارتر في ‘جمهورية الصمت’، ان كلمة فرنسا قبل الاحتلال لم يكن لها اي معنى اضافي، لكن ما ان وقع الاحتلال حتى اصبح النطق بها او كتابتها على جدار تكلف الفرنسي حياته… لهذا علينا اولا ان نتذكر السياقات التاريخية والسياسية التي ظهر خلالها هؤلاء المنسيّون.* * * * * ** * *في كتابه آراء غربية في مسائل شرقية حدد عمر فاخوري فهمه الخاص للاستشراق، وكان علينا ان ننتظر ستة عقود كي يصوغ الراحل ادوارد سعيد تلك الرؤى في عبارة بالغة الكثافة واشبه بكبسولة.. وهي ان الشرق بدعة الغرب. وكان فاخوري قد قال شيئا كهذا في كتابه عام 1922 ، وحين عثرت بالصدفة في بيروت وعلى احد الارصفة على الطبعة الاولى من ذلك الكتاب لم اصدق بادىء الامر ان هناك من العرب من كان يملك مثل هذا الوعي بالآخر، خصوصا الآخر الغالب، فعمر فاخوري لم يسقط في فخ التماهي الذي سقط فيه آخرون من جيله، لأنه عندما كان يكتب عن الشرق بعيون استشراقية وعن نهوض العرب كان آخرون يصدرون الكتب المبشرة بالتماهي مع الانجليز والفرنسيين، سواء في بيروت او بغداد او القاهرة او تونس او فلسطين.

في تونس رأى ابن ابي ضياف في الفرنسيين نموذجا للخلاص والتماهي، وفي مصر كتب د. حافظ عفيفي باشا عام 1935 كتابا بعنوان ‘الانكليز كما عرفتهم’ يشيد فيه بخصال البريطانيين في مرحلة استعمارهم لمصر وتبعه في العراق امين المميز الذي الف كتابا يمكن اعتباره وصفة نموذجية من قبل صاحبه للتعاون مع الانجليز سياسيا واقتصاديا وثقافيا لأن العرب كما يقول اقرب في تكوينهم الى الانغلو ساكسونيين، وفي تلك الفترة يكتب الشاعر اسكندر الخوري عن الانكليز:

بني التايمز قد فزتم وبالانقاذ قد جئتمبلاد القدس شرّفتم فأهلا أينما بِتّمومقابل هذا الاستلاب ازاء الاخر الغالب والغازي معا كانت هناك اصوات محصّنة بوعي مضاد ومفارق، لهذا فهي تستحق اعادة الاستقراء وليس القراءة الأفقية فقط، ومن المؤسف ان بعض تلك الاصوات لم يسقط سهوا من ذاكرتنا بل بالاصرار والترصّد، لأنها سبحت ضد التيار وقاومت ثقافة الكمبرادور والسماسرة والوكلاء.* * * * * * * * كتب فاخوري في كتابه آراء غربية في مسائل شرقية:

ما رأي الاوروبيين في عالم من أقصى الأرض يتناول المتناقضات التي تكثر في بلاد الفرنسيس (فرنسا)؟ ويمحصها بمنطقه الشرقي البعيد ثم يهدم قصة الكاردينال راشيليو كما نعرفها ليعيد الينا راشيليو آخر له عقلية كاهن من بكين.

لقد قرأ فاخوري غوستاف لوبون وتأثر به، ولوبون معروف بانحياز للحضارة العربية الاسلامية لا ينافسه عليه الا ازوالد شبنجلر في كتابه تدهور الغرب الذي صدر خلال الحرب العالمية الاولى، ومما أخذه فاخوري عن لوبون قوله:

لا نستطيع ان نذكر في التاريخ شعبا وصل الى الدرجة التي ادركها العرب في تلك المدة الوجيزة، فقد اسسوا من الوجهة الدينية ديانة من اعظم الديانات السائدة في العالم، وشيدوا من الوجهة السياسية صروح احدى الممالك الكبرى التي عرفها التاريخ ومدّنوا اوروبا من الوجهة الاخلاقية والعقلية، لكن لوبون لم يتوقف عند هذا الانحياز للعرب في نهضتهم، اذ رأى الوجه الآخر للمشهد وهو يرصد مراحل الانحطاط التي اعقبت النهوض فكتب يقول: ليس هناك من امة تجاوزت العرب في تقدمهم، كما انه ليس هناك من امة عانت ما عانوه من انحطاط في مراحل الانحسار والافول.

هذه الرؤية الجدلية لا الاحادية للتاريخ اتسم بها منهج فاخوري ايضا الذي لم ينشغل بالتبشير بالنهوض على رصد السقوط والانحلال، لهذا لم يتوقف عند تقديم الحلول المتناسبة مع عصره وسياقاته السياسية والاجتماعية لحالة التخلف، بل مضى الى ما هو أبعد وهو يفحص التخلف ويستخلص منه لقاحات ضد تكراره……

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية