الرباط: عن دار لوسيل للنشر في الدوحة صدر للكاتب المغربي خالد أقلعي نص مسرحي بعنوان «الوهم»، يرصد فيه سيرة صراع نشب بين صديقين هما، سراج وعبد الجبار منذ طفولتهما المبكرة في حارة شعبية، إلى حياتهما الجامعية، إلى أن أشرفا على الشيخوخة، مستحضرا فيه بعض المنعطفات النوعية في علاقتهما الصاخبة، ومشاعرهما العاطفية تجاه محبوبة، ومسارهما المهني ورؤية كل منهما إلى بعض القضايا العامة.
يتخلل النص حوار وجداني يمتح من شجون الماضي، بين المحقق عبد الجبار والمتهم سراج، والحديث عن تغيرات الحياة وعن الحرية، وأشياء أخرى، يحاول عبد الجبار إقناع سراج بالاعتراف بالتهم المنسوبة إليه، وعدم تمثيل دور الضحية، مدعيا بذلك أنه يريد إنقاذه من ورطته، إنها محاولة لاستدراج سراج للاعتراف، وهو ما انتبه إليه ورد عليه بسخرية قائلا: متى أشفق الذئب على فريسته؟ تلك السخرية كانت بمثابة سلاح رمزي وظفه سراج واستطاع بواسطته التغلب على محققه ومن ثم قهره.
ينمو التحقيق ويتطور دراميا فتوثر الأجواء وتتشابك الأيادي، ويحدث تدافع ما بين المحقق والمتهم الجالس على كرسيه المتحرك، يحدث هذا التوتر الدرامي في اتساق تام على مستوى الإضاءة والموسيقى، وهي مؤثرات تكفل بها الإرشاد المسرحي بفعالية. فالمشاهد الحوارية كانت تهدأ ثم تتوتر تبعا لحدة المواقف، فكان الحوار يحمل أحيانا شحنات انفعالية حادة، تكشف عن نفسية ومواقف كل من المحقق والمعتقل، وقد امتاز الحوار (بالعنف اللفظي، والتهديد والوعيد، ثم السخرية، والاستهزاء)، وبذلك أضافت اللغة المسرحية للنص جمالا ورونقا، وكانت ردود سراج من خلال سخريته وتعابيره المجازية والاستعارية، تمثل أقوى رد على لغة التهديد، والعنف المادي للمحقق. حين كان يعجز عبد الجبار عن مجابهة لغة سراج الهادئة والمقنعة، كان يخرج مسدسه ويقول: إنها مجرد طلقة ثم اختلاق أي مبرر، بوم… جثة. هكذا كان عبد الجبار يتحدث بمنطق القوة، وسراج كان يعكس الوجه الإنساني والقانوني، عبد الجبار يتهم سراج بزراعة الكراهية واليأس في نفوس الشباب، وسراج يعتبر ذلك توعية وفضحا للفساد، والعصيان في نظر عبد الجبار يعتبره سراج انتفاضة الكرامة. والشغب /انتفاضة، هكذا وظف النص حوارا يتطور على شكل ثنائية لغوية ضدية تعكس قناعة كل طرف. ففي إحدى المشاهد الحوارية، حين يعجز عبد الجبار عن إقناع المتهم أو إجباره على الاعتراف، يخرج مسدسه ويصوبه نحو رأس سراج، فيستمر الصراخ واللغط ضمن تلك الثنائية شغب/ انتفاضة.. مع ما يصاحب ذلك من موسيقى صاخبة ومؤثرة وحركية الأضواء، فيرتقي بذلك المشهد إلى درجة عالية من التوتر الدرامي.
لقد أفرز مسار التحقيق المتوتر، غير العادل، باقة من المفارقات الدرامية والساخرة شكلتها بمهارة معتبرة لغة المسرحية وما فيها من مفاجآت، حيث يبني النص عوالمه التخييلية في تمازج بين مشهدية مسرحية وأخرى سينمائية، محدثا بذلك تفاعلا دراميا بامتياز، وهو ما أضفى عليه أسلوبا جماليا، يواكب آليات التلقي الحديثة التي أصبحت تستثمر مكونات الأجناس السمعية البصرية، لتحقيق الفرجة المسرحية، ما جعله نصا معاصرا، ليس فقط من ناحية مضمونه الفكري الأصيل، وإنما أيضا بالنظر إلى آليات إنتاجه الحديثة. يستثمر النص كذلك تقنية الاحتفال المسرحي عن طريق توظيف أغنيتين اثنتين تتخللان جسد النص، وتعملان على امتداده، أغنية أكتب، التي ينفتح بها النص المسرحي، والتي تدعو إلى ممارسة الكتابة المسرحية بكل التزام وثقة وشجاعة خدمة للوطن وقضاياه. والثانية، هذا الطريق الذي يجمعنا: وهي دعوة إلى التآخي، والتضامن والتعاون، لبناء مجتمع سليم يسوده السلم والأمن والتعاون.
يتميز هذا العمل بسمات المفارقة الدرامية الساخرة، وكذا ببعض التقنيات الدرامية التي تجعله يتدفق توترا وتشويقا، وفي مقدمة هذه التقنيات، تقنية عدم التوقع التي تمنح النص حيوية وجمالية خاصة. لقد خضع نص مسرحية «الوهم» إلى مقتضبات ومتطلبات الكتابة المسرحية، من تخييل وبناء درامي ومشهديات حوارية ذات مستويات جمالية متعددة، وقد تطور الحدث فيها بشكل تصاعدي مقنع خلص فيه النص إلى ما يمكن أن نسميه بلحظة التنوير، وهي اللحظة المأساوية والدرامية للمحقق عبد الجبار، وقد وجهتنا الإرشادات المسرحية إلى تمثل الحدث والتفاعل معه، وذلك حين تلقى عبد الجبار مكالمة من زوجته تخبره بالطلاق نتيجة افتضاح أسرار نزواته، وبالتالي إزالة المظلة التي كانت تتستر على خروقاته العديدة والمتمثلة في نفوذ أصهاره، والمكالمة الأخرى جاءت من مسؤوله الأعلى يخبره بتقديمه للتحقيق والمساءلة عن العديد من تجاوزاته المهنية والأخلاقية والقانونية، بحيث لم يقو على تحمل هذه الأخبار، فسقط مغشيا عليه نتيجة أزمة قلبية حادة، وبعد ذلك تدخل المسرحية في نهاية أخرى مفتوحة، وحضور لجنة تحقيق لها علاقة بسقوط المحقق عبد الجبار نتيجة أزمته القلبية.
لقد أدت الإرشادات المسرحية وظيفة درامية، من حيث تمثل الأحداث والمواقف وطبيعة الصراع، ومن جهة أخرى وجهت المتلقي إلى تمثل الحدث أو الموقف وحتى دواخل الشخصيات النفسية، في مختلف تمظهراتها، خاصة حينما يترك المؤلف للشخصية حرية التعبير عن تلك الأحاسيس، فيقول الإرشاد المسرحي مثلا بأن: هذا حوار وجداني ومنولوغ مسموع، كل ذلك من أجل وضع المتلقي في صلب الحالة الدرامية المشخصة، كما عملت الكتابة النصية والسينوغرافية على إبراز عناصر الفرجة، والكشف عن الطبيعة الدرامية للصراع عبر بلاغة لغوية عالية، ورؤية فنية محكمة.
إن مسرحية «الوهم» لخالد أقلعي في منزلة رحلة تخييلية مؤثرة، تجعل القارئ مختلفا تماما عما كان عليه قبل أن يخوض غمار عوالمها الخاصة.
٭ كاتب من المغرب