الدوحة ـ”القدس العربي”: يحاول المراقبون والمتابعون لتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، تفكيك شيفرة الأزمة الخليجية المفتعلة من العواصم الأربع، التي تفرض حصاراً شاملاً على قطر، يدخل عامه الرابع، من أجل إدراك وفهم سر هذا العداء والتمادي في الخصومة الذي تعتمده الدول المحاصرة.
وتفرض هذه التساؤلات نفسها، في ظل حالة الجمود التي يشهدها الملف، وما يرافقها من تداعيات تؤثر على استقرار الأوضاع في منطقة تشهد توترات مختلفة، مع تضارب حسابات القوى المؤثرة، والتي تزيد من حدة الاستقطابات، التي تنذر بانفجار قد يعصف بالوضع في أي وقت.
وتبحث الأطراف المؤثرة والساعية لإيجاد تسوية للأزمة التي أشعلت شرارتها العواصم الأربع، الرياض، وأبو ظبي، والمنامة، والقاهرة، وفرضت حصاراً شاملاً على قطر، منتصف سنة 2017 عن الدافع الحقيقي والواقعي الذي يحرك هذه الدول، وما الذي يراد من قطر تنفيذه، ليرضى عنها المحاصرون.
واصطدمت جهود الوساطة التي تبذلها الكويت وسلطنة عمان لحلحلة الأزمة، وتفادي انشطار مجلس التعاون الخليجية الذي يواجه أسوء أزمة منذ تأسيسه سنة 1981 بتعنت المحاصرين ولاعقلانية مطالبهم التي يصعب المضي معها نحو حل.
وتكشف المصادر الدبلوماسية التي تتحرك في جميع الاتجاهات من أجل تخفيف حدة الصراع، عن استحالة تنفيذ الشروط المعلن عنها من الرياض وأبو ظبي التي تمس بسيادة الدوحة، والتي ليس بوسع أي طرف الضغط للقبول بما يتعارض واستقلالية قرار الدولة المعنية.
القناعة التي توصل إليها الوسطاء العاملون على الملف من أن جهودهم لن تثمر أي حل، مردها اكتشاف الدوافع الحقيقية التي تحرك الدول المحاصرة التي فرضت شروطاً تعجيزية، تدرك سلفاً أن الدوحة لن ترضى تنفيذها، وإلا تخلت نهائياً عن استقلال قرارها، حتى تتحول إلى تابع للرياض ومن خلفها أبو ظبي.
ويعتبر هذا العامل شيفرة أساسية ساهمت في فهم واستيعاب الأجندة الحقيقية لهذا التحرك من دول الحصار التي ترغب في إعادة رسم معالم المنطقة، وفق أجندات كل من محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، ولأهداف سياساتهما في الشرق الأوسط.
الدافع السيطرة على قرار الدوحة
تفضح الخطوات التي تتخذها دول الحصار على قطر، النوايا الحقيقية الكامنة خلف هذا التحرك، وتتوالى المعلومات والحقائق التي تعزز هذه الحقيقة، وتصب جميعها في اتجاه واحد، وهو إدخال الدوحة بيت الطاعة، حتى تتماهى مع سياسات المحاصرين.
وتمادت العواصم المفتعلة للأزمة، ومضت بعيداً حد التخطيط لانقلاب على السلطة في الدوحة، وتوفير كافة الإمكانيات اللازمة لتحقيق هذا الهدف، والذي اصطدم على صخرة التفاف الشعب القطري بمختلف فئاته بقيادته.
وقد سمحت التغطية السياسية التي وفرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بداية، لدول الحصار، إلى الذهاب أبعد مدى ممكن في ضغوطها على قطر، بما في ذلك التفكير في القيام بعمل عسكري ضدها.
هذه المعلومات أكدتها الخطوات الأخرى التي تم التخطيط لها من أبو ظبي والاستعانة بقوات مرتزقة تشن حملة عسكرية للتخلص من النظام القطري، وهي المعلومات التي أعلنها نائب رئيس الوزراء القطري عبد الله بن حمد العطية.
كما كشف عن ذلك أمير دولة الكويت الذي صرح خلال زيارة قام بها لواشنطن في أيلول/سبتمبر 2017 “أن الجهود التي بذلها نجحت في تجنب عمل عسكري في الأزمة الخليجية”.
ويدرك المتابعون للملف أن أحد الأسباب الحقيقية للأزمة، هو وقوف قطر والتزامها بحل مشاكل المنطقة عبر القنوات الدبلوماسية، واصطفافها مع الشعوب التواقة للحرية، وهو ما يتعارض مع الطرف المقابل الذي تحركه أجندة خاصة.
وشددت الدوحة في مناسبات عدة، على أن تبعات الحصار المفروض عليها لا يؤثر عليها فحسب، بل تهدد ارتداداته المنطقة برمتها.
وعبرت عن ذلك السفيرة الشيخة علياء أحمد بن سيف آل ثاني، المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، والتي شددت على “أن هذا الحصار مفروض تحت ذرائع زائفة وواهية بدون اكتراث بالنتائج الوخيمة على أمن واستقرار منطقتنا، في الوقت الذي تشهد المنطقة العربية أزمات ونزاعات عديدة تتسبب بكمّ هائل من المعاناة”.
وأضافت أنه “عوضا عن السعي للمساهمة في حل وتسوية تلك الأزمات وأسبابها الجذرية، اختارت دول الحصار مسارا ينتهك أحكام القانون الدولي ويتناقض مع توجهات المجتمع الدولي”.
حسابات ومصالح سياسية
أشار عدد من التقارير التي أصدرتها عدد من المراكز البحثية الدولية، أن كلاً من أبو ظبي والرياض تحولتا تدريجياً لوكلاء الدكتاتوريين وتجار الحروب، على غرار دعمهما المتواصل للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي يسيطر على السلطة في بلاده، والماريشال خليفة حفتر الذي يقود عمليات لتقويض سلطة الحكومة الليبية الشرعية، والمعترف بها دولياً.
وأشار الباحث في جامعة جورج تاون الأمريكية، مهران كامرافا أن “التوتر الحاصل، نتاج طبيعي لوجود دولة صغيرة بمحاذاة دولة أكبر منها بكثير ولديها مطامح إقليمية: (السعودية)”.
وتعكس هذه الفكرة التوجس الذي أبدته الرياض علناً من الاتفاق القطري التركي، بالرغم من أنه توافق دولتين على تعزيز تعاونهما الثنائي، إلا أن الأمر لم يرض (الأخ الأكبر).
وفي هذا الصدد يقرأ تصريح سفير المملكة العربية السعودية لدى أنقرة “أن وجود قاعدة عسكرية تركية في قطر يعقد الوضع الراهن”. وفي هذا التعبير دلالات لا تحصى ولا تعد قد تمتد لأبعد من أزمة إقليمية بين دول مجلس التعاون الخليجي، بل تتجاوزها إلى أبعد من تلك الحدود.
وتندرج الأزمات السابقة بين السعودية وقطر، ضمن هذا المناخ التنافسي، ومحاولات الرياض فرض وصايتها على جاراتها، لتكون على غرار مملكة البحرين التي توصف أنها عاصمة “الرتويت” أي مجاراة كل مواقف جاراتها الكبرى.
ولتبسيط الفكرة، لابد من العودة إلى آذار/مارس 2014 حينما سحبت الدول الثلاث، وهي السعودية والبحرين والإمارات لسفرائها لدى الدوحة لمدة 9 أشهر، فيما يسميه المتابعون للأزمة الخليجية، بأنه الانقلاب الناعم الأول على قطر. وجاء ذلك لاختلاف في وجهات النظر إبان أحداث إقليمية، أبرزها الانقلاب العسكري في مصر. ويومها جاء في البيان المشترك للدول الثلاث إن “القرار اتخذ بعد فشل كافة الجهود في إقناع قطر بضرورة الالتزام بالمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر”.
تغير الموقف الأمريكي
اتضح من تطورات الموقف الأمريكي من الأزمة، تباين وجهات نظر الفاعلين الرئيسيين في واشنطن حول الأزمة التي ارتبطت بالرئيس ترامب، ودائرته الضيقة، وعلى رأسها صهره ومستشاره جاريد كوشنير المقرب من الرياض وأبو ظبي.
ويعزز هذه الفرضية ما كشفه وزير الخارجية الأمريكي السابق، ريكس تيلرسون، في مقابلة مغلقة استمرت سبع ساعات، مع قادة لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي سنة 2019. وحسب تسريبات لصحيفة “نيويورك تايمز” لفحوى النقاشات، فإن تيلرسون اعتبر إن “خلافات السعودية والإمارات مع قطر ترجع إلى ثروة الدوحة، وأدائها دوراً فعالاً بالمنطقة (الشرق الأوسط)”.
وأكد أن أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، “ينظر للأمام ويتمتع بعقلية إصلاحية، وذلك يخلق ضغوطاً على الآخرين” (في إشارة إلى السعودية والإمارات).
وأضافت الصحيفة أن السعوديين والإماراتيين أبلغوا جاريد كوشنر، مستشار الرئيس دونالد ترامب، ومستشار الشؤون الاستراتيجية السابق ستيف بانون، خلال مأدبة عشاء في الرياض، في 2017 عن خططهم السرية لفرض الحصار على قطر.
وتابع المسؤول الأمريكي: “لم أكن أعرف عن هذه الخطط، وهذا ما جعلني غاضباً (..) لم يكن لدي ما أقوله، بالعادة لا يتم الإفصاح عن رؤى وزارة الخارجية”.
الحقيقة
أشار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تقدير موقف صدر بمناسبة ذكرى الحصار، ونشره على موقعه الإلكتروني، أن قطر شرعت مباشرة بعد استخلاص الموقف الأمريكي القريب من دول الحصار لتبديد سوء الفهم مع البيت الأبيض. واعتبر أن الأمر ناجم عن استقاء معلومات من مصدر واحد، كما كثفت العمل في الكونغرس، واستثمرت في الخلاف الذي برز بين الرئيس ترامب ووزارتَي الخارجية والدفاع الأمريكيتين بخصوص الأزمة الخليجية. وأضاف خبراء المركز أنه، ففي حين أيّد ترامب مواقف دول الحصار من قطر في بداية الأزمة، حثّت الوزارتان على حل الخلاف بالحوار، وعرضتا المساعدة في ذلك.
ويستطرد الباحثون أنه بالتوازي مع تجاوبها مع الوساطة الكويتية التي انطلقت مع بداية الأزمة، ركّزت قطر جهودها على تغيير موقف الرئيس ترامب، باعتباره عامل القوة الرئيسي الذي تستند إليه دول الحصار في هجومها على قطر. وبدأت في تعزيز موقف وزارتَي الخارجية والدفاع في مقابل موقف ترامب؛ فوقّعت مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة لمكافحة تمويل الإرهاب في 12 تموز/يوليو 2017 وذلك خلال جولة دبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي قام بها وزير الخارجية الأمريكية ريكس تيلرسون.
كما نجحت – حسب ما جاء في تقدير الموقف – قبل ذلك في إبرام اتفاقية جرى توقيعها في مقر وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن لشراء 36 طائرة أف -15 بقيمة 12 مليار دولار.
وأشار باحثو المركز العربي للأبحاث، أن قطر انتقلت بعد ذلك إلى التركيز على تغيير موقف ترامب من الأزمة؛ فجرى ترتيب لقاء لأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض في 19 أيلول/سبتمبر 2017. كان اللقاء الأول بين الرجلين ناجحًا؛ إذ وصف ترامب علاقته بالأمير بـ “الصداقة الطويلة”. تكرّرت بعد ذلك اللقاءات بين ترامب والشيخ تميم، فعُقدت القمة الرسمية الأولى في نيسان/أبريل 2018 في البيت الأبيض، وعُقدت الثانية في تموز/يوليو 2019 وفيها تعزّز التغيير في موقف الرئيس ترامب بوضوح من الأزمة الخليجية، وانعكس ذلك في البيان المشترك الذي صدر عقب محادثات الطرفين في البيت الأبيض؛ إذ أكد الطرفان “أن العلاقة الاستراتيجية والدفاعية الوثيقة تعزّزت بين البلدين، كما قال الرئيس ترامب في تغريدة له: بعد عشاء رائع في وزارة الخزانة مع أمير دولة قطر، كان لي شرف استقبال الأمير من جديد في البيت الأبيض”.
توّجت القمة الأخيرة جهود قطر في تغيير موقف الرئيس الأمريكي الذي تحوّل تدريجيًا من تبنّيه لفكرة أن قطر تدعم الإرهاب، وصولًا إلى الاعتراف بها “حليفًا رئيسيا” في تحقيق استقرار المنطقة وأمنها.
معنا أو ضدنا
تتجه الأوضاع في منطقة الخليج إلى مزيد من التأزم، على ضوء التداعيات التي فرضها حصار قطر، والتمادي في الخصومة الذي يعتمده المحاصرون لمن يغرد خارج سربهم.
ولم تقف التحركات عند حدود الدوحة التي واجهت مناورات مختلفة، كان منها الإشاعات التي تم إطلاقها عن انقلاب على السلطة، لتصل حدود الدول المحايدة مثل سلطنة عمان والكويت.
وواجهت مسقط عدداً من المناكفات والاستفزاز من قبل عناصر محسوبة على الرياض وأبو ظبي، وهي رسائل ضمنية مفادها لا مجال للحياد، إما أن تكونوا معنا، أو تحسبون معهم.
وتعاملت السلطات العمانية والكويتية بالحكمة مع تلك التفاعلات، وجددت تمسكها بمبدأ الصلح، حتى تعود المياه لمجاريها.
الدوحة تمضي قدماً
نجحت قطر خلال السنوات اللاحقة للحصار، في تحقيق تطور ملحوظ فيما يخص الأمن الغذائي، وكذلك في قطاعي الزراعة والصناعة، وهو ما أسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي بكثير من السلع والمنتجات.
وبلغ عدد المنشآت الصناعية المسجلة في البلاد بحلول نهاية 2019 نحو 1464 بمختلف القطاعات، مقارنة بنحو 1171 نهاية عام 2016 وهو ما يعني تأسيس 293 مصنعاً جديداً.
وتأسست أكثر من 47 ألف شركة جديدة خلال أعوام الحصار، حسب السؤول القطري، مشيراً إلى أن فترة الحصار شهدت جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.
وقال رئيس غرفة قطر الشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني، إن الحصار المفروض على الدوحة منذ ثلاث سنوات، لم ينجح في كبح نمو اقتصاد بلاده.
وأوضح الشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني، أن “قطر استطاعت تحويل سلبيات الحصار إلى مكاسب؛ حيث أسهم في تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية وتعزيز التجارة الخارجية، لا سيما مع افتتاح ميناء حمد، وتدشين خطوط ملاحية بَحرية مباشرة مع عدد من الدول”.
وأضاف: إن “الاقتصاد القطري أثبت خلال أزمة الحصار، أنه قوي ومرن في وجه الأزمات، وأنه ما زال يحتفظ بوتيرة نمو متسارعة، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي”.
ميزان الربح والخسارة
تشي التطورات الحاصلة في الملف وعلى ضوء ما كشفته صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضغط على السعودية والإمارات لوقف الحظر الذي تفرضانه على عبور طائرات الخطوط الجوية القطرية في أجوائهما، وأن الضغط ينتقل الآن للمحاصرين وليس المتضرر منه أي الدوحة.
وقالت الصحيفة إن ترامب ضغط شخصيا – في اتصال هاتفي مع الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان – لإنهاء الحظر الجوي الذي يجبر الطائرات المتجهة إلى الدوحة، في معظم الأحيان، على التحليق فوق إيران، وهي خطوة تمنح طهران مصدر تمويل تريد الولايات المتحدة قطعه.
وحسب “وول ستريت جورنال” فإن إدارة ترامب وضعت جانبا جهود الوساطة الشاملة لإنهاء جميع مظاهر الخلاف جراء الانتكاسات الدبلوماسية المتكررة، وباتت تركز بدلا من ذلك، على حل عنصر واحد وهو قضية المجال الجوي.
وتفسر هذه المعلومات القناعة الراسخة لدى المتابعين من أن الدول المحاصرة تحركها أساساً دوافع أخرى لا علاقة لها بما تدعيه من أسباب في قرارها.
وأمام هذا التعنت وحالة الجمود التي تشهدها محاولات الوساطة، تمضي الدوحة قدماً في مشاريع البناء والتطوير، وترسيخ نفسها في الساحة الدولية، من دون قيود تحاول دولها الشقيقة فرضها عليها، وتستعد لتنظيم مونديال 2022 كأول دولة شرق أوسطية تخلد به نفسها في العالم.