المجتمع بدأ “يغلي” مع استلام ترامب السلطة
واشنطن-“القدس العربي”: يقترب النسيج الاجتماعي في الولايات المتحدة من التمزق، أكثر مما كان عليه قبل نصف قرن، حيث اندلعت احتجاجات ضخمة في جميع أنحاء البلاد في أعقاب مقتل جورج فلويد على أيدي الشرطة في مينيابوليس بولاية مينيسوتا في 25 أيار/مايو، في حين اندلعت أعمال عنف ونهب في بعض المناطق.
وزادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التوتر بدلاً من التهدئة، بما في ذلك تهديداته بضرب المتظاهرين السلميين واستخدام الغاز المسيل للدموع واستدعاء القوات شبه العسكرية إلى الشوارع وتهديد حكام الولايات بالتدخل إذا لم يستخدموا القوة الكافية.
وترامب نفسه، هو الرئيس الأكثر استقطاباً في العصر الحديث، مما أثار ردود فعل عنيفة شرسة على فترة ولايته، وعلى حد تعبير العديد من المحللين، فإن الاحتجاجات الأخيرة كانت نتيجة لفترة طويلة من الغليان الشعبي.
وقد فقد أكثر من 100 ألف أمريكي أرواحهم بسبب فيروس كورونا في الأشهر الأخيرة، وتسببت الأزمة الصحية العالمية في ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات أسوأ من فترة الركود العظيم قبل عقد من الزمن، وهناك أيضاً، عوامل طويلة المدى: عدم المساواة العرقية المستمرة، ليس فقط في عمل الشرطة ولكن في كل جانب من جوانب الحياة الأمريكية، وعدم الرضا الاقتصادي الذي كان موجوداً قبل سنوات من الأزمة الحالية، وزيادة الاستقطاب، المدفوعة بشكل جزئي بتأثير وسائل الإعلام الاجتماعي وتقسيم وسائل الإعلام الرئيسية إلى منافذ حزبية.
واحتشد المتظاهرون في الاحتجاجات في جميع البلاد مرة أخرى، وتم فرض التجول الليلي في العديد من المدن، بما في ذلك العاصمة واشنطن ونيويورك، على الرغم من تجاهل المتظاهرين لها في كثير من الأحيان.
واقتربت الاحتجاجات من البيت الأبيض، وترددت هتافات “حياة السود قّيمة” و”ارفعوا أيديكم لا تطلقوا النار” عبر ساحة لافاييت، وكانت هناك هتافات أكثر قسوة ضد ترامب والشرطة، وكان يمكن التقاط لحظات حزينة للمتظاهرين وهم يركعون على الأرض تضامناً مع ضحايا الظلم العنصري.
وبالنسبة إلى العديد من المتظاهرين الأمريكيين، فقد كان هناك شعور بأن القيم الأساسية للديمقراطية الأمريكية قد تعرضت للهجوم، وبرزت علامات استياء على نطاق واسع بسبب استخدام القوة العسكرية في الاحتجاجات السلمية.
وتصاعدت الاتهامات لترامب بأنه لا يهتم بالديمقراطية أو الدستور، وأعرب العديد من المتظاهرين عن شعورهم بالقلق من الوضع المتقلب الذي وصلت إليه البلاد.
وقد ساد نوع من التوتر في الولايات المتحدة منذ إستلام ترامب للسلطة، ولكن الأمور وصلت إلى ذروتها مع الاحتجاجات الحالية، وكان هناك شبه اتفاق بين الخبراء على أن الأمر لم يأت من العدم.
وتبدو المعركة السياسية بشأن الاحتجاجات الحالية جارية على قدم ساق، حيث هاجم ترامب خصمه الديمقراطي جو بايدن، نائب الرئيس السابق، ووصفه بأنه “ضعيف” خلال مؤتمر عبر الهاتف مع المحافظين، وأصر ترامب على أن هناك حاجة “للسيطرة” على المتظاهرين، وحذر من أن الفشل في القيام بذلك سيجعل التيار المحافظ يبدو وكأنه يرتعش.
واتهم بايدن في خطاب ترامب بأنه “يهتم بالسلطة أكثر من المبدأ” وقال: “نحن أمة نتألم، ولكن يجب أن لا نسمح لهذا الألم بتدميرنا، نحن أمة غاضبة، ولكن لا يمكننا أن ندع غضبنا يستهلكنا، نحن أمة منهكة ولكننا لن نسمح لإرهاقنا بهزيمتنا”.
ومع ذلك، من الواضح بالفعل أن أي مرشح يفوز في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، سيواجه مهمة ضخمة في البلاد، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة مونماوث أن 74 في المئة من المستطلعين يعتقدون أن أمريكا تسير على الطريق الخاطئ.
وتقول إلين غروس، رئيسة منظمة الحقوق المدنية في منطقة لونغ آيلاند في نيويورك، إن الاحتجاجات والاضطرابات التي سادت في جميع أنحاء أمريكا بعد الوفاة المروعة لجورج فلويد تطرح قضية جوهرية.
وأضافت أن القضية، هيكلية عنصرية، تعود إلى أيام الرق ولكنها لا تزال متأصلة في النسيج المدني الأمريكي، مشيرة إلى أن العنصرية الهيكلية هي التي خلقت بيئة يستطيع فيها ضابط شرطة أبيض أن يضع ركبته على عنق رجل أسود لمدة 8 دقائق حتى يموت، بسبب ورقة نقدية مزورة، وبدون أن يتدخل الضباط بأي شكل لوقف وفاته.
ويعني تركيز الاضطرابات في المدن الكبرى الانطباع بأنها مشكلة حضرية إلى حد كبير، ولكن العنصرية الهيكلية هي ظاهرة واسعة في جميع أرجاء البلاد، وهي متأصلة في الضواحي والمجتمعات الصغيرة أو الريفية.
وقال العديد من المحللين الأمريكيين إن الغضب واليأس قد ظهرا في جميع أنحاء أمريكا بسبب القتل المأساوي وغير المنطقي لجورج فلويد، ولكن الاحتجاجات هي رد على أكثر من ذلك، وأكدوا بأنه رد على سلسلة لا تتوقف من الوفيات الفظيعة للسود على أيدي الضباط البيض.
وبالنسبة إلى العديد من الأمريكيين، هناك إدراك أن العنصرية الهيكلية غير المٌعالجة ستضمن استمرار هذا السيناريو نفسه للاحداث، في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة.
وينظر حلفاء الولايات المتحدة إلى مشاهد الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، وهم لا يصدقون ما يشاهدونه، إذ يمكن رؤية ضباط شرطة وهم يلكمون العديد من المصورين، ويستخدمون الدروع لضربهم على الصدور، في حين يستخدم بعض الضباط الهروات الثقيلة لضرب المراسلين، الذين يحاولون الفرار.
وقد شوهدت لقطات عنيفة وفوضوية مثل هذه في أماكن متفرقة في العالم، ولكن الدول الأخرى لم تكن معتادة على رؤية ذلك في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن.
واستخدمت الشرطة الأمريكية الغاز المسيل للدموع والقذائف لتشتيت المتظاهرين السلميين بالقوة بالقرب من البيت الأبيض، وكل ذلك حتى يتمكن الرئيس دونالد ترامب من المشي إلى كنيسة سانت جون الأسقفية للحصول على فرصة لالتقاط الصور، على حد تعبير العديد من المعلقين الأمريكيين.
وقالت أميليا بريس، مراسلة القناة السابعة في أستراليا، وهي تتنفس بصعوبة بعد هروبها من المشهد: “إنهم لا يهتمون، طاردونا في الشوارع، وكانوا يطلقون الرصاص المطاطي على الجميع”.
وزادت حوادث اشتباكات الشرطة مع المتظاهرين أو الصحافيين، حيث تم إلقاء القبض على مر جيمينيز، مراسل قناة “سي إن إن” والطاقم الذي يعمل معه على الهواء مباشرة، ولكن مشهد الضباط وهم يضربون طواقم الأخبار الأجنبية ترك العديد من المراقبين الدوليين يشعرون بأن هذه منطقة جديدة لا ترحب بالحريات.
وقال محللون أمريكيون إن الولايات المتحدة تشهد تصاعداً في الفوضى وسوء الحكم والاحتكاك الاجتماعي وضعف الشرطة والقيادة.
ولاحظ المراقبون أن هناك الكثير من العلامات التي تشير إلى الرغبة الاستبدادية في التعامل مع الاحتجاجات، حيث طلب ترامب من الشرطة “السيطرة على الشوارع” وتم إرسال طائرات مروحية عسكرية من طراز بلاك هوك لتحلق على ارتفاع منخفض فوق المتظاهرين في واشنطن العاصمة.
ومع انتشار الاحتجاجات في جميع أنحاء الولايات المتحدة وتحولها إلى حالة من الفوضى، يواجه الأمريكيون تبايناً بين الرئيس ترامب يهدد بإطلاق العنان للجيش في الشوارع وبين منافسه الديمقراطي جو بايدن، الذي تعهد بمواجهة المخاوف بشأن العنصرية.
وتعهد بايدن بالسعي إلى “شفاء الجروح العرقية” التي أُبتليت بها الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، وأكد بأنه لن يستخدمها لتحقيق مكاسب سياسية.
واختار ترامب بشكل واضح رسالة “القانون والنظام” لسحق المظاهرات الجامحة، مردداً رسالة ريتشارد نيكسون الناجحة في عام 1968 رداُ على أعمال الشغب، ولكن الفرق الكبير، كما قال الخبراء، هو أن نيكسون كان يطرح نفسه كترياق يكافح من أجل التعامل مع الفوضى في حين كان ترامب نفسه جزءاً من مشكلة الفوضى.
واتفق المحللون على أن الانتخابات المقبلة ستكون بالفعل عبارة عن استفتاء على القيادة مع الإشارة إلى أن الغالبية من الناخبين الأمريكيين يعتقدون أن تصرفات المحتجين لها ما يبررها، وقال 74 في المئة من أمريكيين إن البلاد “تسير في الاتجاه الخاطئ”.
وتستعد المدن الأمريكية لمزيد من العنف بعد أيام من الاحتجاجات، التي أدت إلى مشاهد فوضوية بين اشتباكات الشرطة والمتظاهرين وكذلك أعمال النهب والتخريب.
ولا تزال عشرات المدن تحت حظر التجول بينما يخرج المتظاهرون إلى الشوارع للاحتجاج على مقتل فلويد، في حين تعهد ترامب بإرسال القوات العسكرية إلى المدن التي لا تستطيع السيطرة على مناطقها، مما أثار مخاوف من تصعيد العنف بدلاً من السعي إلى إخماد المخاوف والحرائق.
وأدان الديمقراطيون استخدام الشرطة للقوة ضد المتظاهرين السلميين في واشنطن، بينما أعرب بعض الجمهوريين عن انزعاجهم.
وأكد نواب أمريكيون أن الاحتجاج هو حق أساسي في الدستور الأمريكي، في حين أغلقت المتاجر أبوابها ونوافذها في محاولة لحماية الأعمال، ولكن الحواجز لم تردع في بعض الأحيان اللصوص.