لندن – “القدس العربي”: اعتدنا في السنوات القليلة الماضية، على ميلاد نجوم ومشاريع أساطير بعد إرسالهم لأندية أخرى على سبيل الإعارة، كما حدث مع جواو كانسيلو بعد انتقاله من الإنتر إلى يوفنتوس الموسم قبل الماضي على سبيل الإعارة، وقبله تيبو كورتوا، حين وضع قدميه على أول طريق سلم النجومية الحقيقية بإعارته من تشلسي إلى أتلتيكو مدريد بين عامي 2011 و2014، ليصبح في ما بعد أفضل حارس مرمى في الليغا وحامي عرين منتخب بلجيكا وريال مدريد في الوقت الراهن.
ملايين سهلة
الشيء الملاحظ، أن جُل الأندية بدأت تتعامل مع نظام الإعارة على أنه استثمار أو تجارة لكسب أموال طائلة بطريقة “سهلة” وفي وقت قياسي، ولنا في تشلسي ويوفنتوس وريال مدريد خير دليل، بإرسال جيش من مواهب المستقبل على سبيل الإعارة، لضرب عصفورين بحجر واحد، منها رفع القيمة السوقية لهؤلاء الشباب، ومنها أيضا الاستفادة من أبرز العناصر، بعد اكتساب الخبرة اللازمة للمنافسة على مكان في التشكيلة الأساسية، كما انفجر تامي آبراهام مع أستون فيلا، بتقمص دور المخلص لإعادة الفيلانز إلى البريميرليغ بفضل أهدافه الـ25 التي سجلها في 37 مباراة في مشوار “تشامبيون شيب”، ليفرض نفسه على تشكيلة فرانك لامبارد الأساسية في الموسم التالي على حساب من هم أكثر منه خبرة كالفرنسي أوليفييه جيرو والبلجيكي ميتشي باتشواي، ونفس الأمر بالنسبة للثنائي فيكايو توموري وماسون ماونت في تجربتهما مع دربي كاونتي الموسم الماضي، بخلاف القائمة العريضة التي أنعشت الخزينة بـ142 مليون يورو بدون احتساب تفعيل شرط بيع ألفارو موراتا لأتلتيكو مدريد مقابل حوالي 57 من نفس العملة، ولم ينفق سوى الـ45 مليون المستحقة لتحرير ماتيو كوفاشيتش من ريال مدريد، ثم 40 مليوناً للتوقيع مع المغربي حكيم زياش بداية من الموسم الجديد.
أحدث الوجوه
مع التضخم غير المسبوق في أسعار وأجور اللاعبين ومعاناة الأندية من قبضة قانون اليويفا للعب المالي النظيف، وصلت أعداد المعارين لرقم غير مسبوق، كوسيلة أو متنفس للأندية للهروب من قانون الاتحاد الأوروبي، وكانت في الوقت ذاته فرصة للاعبين المتمردين على مقاعد البدلاء للتشبث بأمل الدفاع عن ألوان الوطن في اليورو أو كوبا أميريكا، قبل قرار تأجيل البطولتين للعام المقبل، منها صفقات إعارة مؤمنة بحقوق شراء ضخمة، كالبرازيلي فيليب كوتينيو، الذي حاول برشلونة التخلص منه، بإرساله إلى بايرن ميونيخ على سبيل الإعارة، على أمل أن يقنع النادي البافاري بدفع 100 مليون يورو لتفعيل بند نقل الملكية، لكنه فشل في استعادة النسخة التي كان عليها تحت قيادة يورغن كلوب في “أنفيلد”، ونفس الأمر بالنسبة لابن قارته أليكسيس سانشيز، الذي حاول إحياء مسيرته بعيدا عن تجربته المأساوية مع مانشستر يونايتد، بإعارة مع الإنتر، لكن في النهاية، قضى جُل أوقاته قبل التوقف في صراعه مع انتكاسات طويلة الأجل. على النقيض منهما، نجح اللاتيني الآخر ماورو إيكاردي في جني ثمار نجاح إعارته من الإنتر إلى باريس سان جيرمان، بتوقيع عقد انتقاله إلى “حديقة الأمراء” بصفة نهائية، مقابل 60 مليون يورو، بعد عروضه المميزة برفقة كيليان مبابي ونيمار جونيور، خاصة في النصف الأول من الموسم، بتوقيعه على 20 هدفا، وكانت قابلة للزيادة لولا إلغاء الموسم في فرنسا، وسبقه الكولومبي دوفان زاباتا، بانتقاله بعقد دائم من سامبدوريا إلى أتالانتا قبل ستة شهور من انتهاء مدة إعارته.
غموض موقف الناجحين
بالنظر إلى أفضل المعارين منذ بداية الموسم وحتى وقت توقف النشاط، سنجد أن موقفهم مع أنديتهم ما زال غامضا، مثل الإنكليزي كريس سمولينغ، الذي اضطر لمغادرة مانشستر يونايتد لخوض مغامرة جديدة مع ذئاب روما، لتقلص فرصه في الحصول على دقائق أكثر في ظل وجود هاري ماغواير وليندلوف، وعلى عكس أغلب التوقعات التي رجحت فشله مع فريقه الإيطالي، أبلى بلاءً حسنا مع أصحاب “الأولمبيكو”، وكأنه مدافع آخر مختلف عن صورته البائسة مع الشياطين الحمر، وصلت لحد تصنيفه كواحد من أفضل المدافعين في الكالتشيو هذا الموسم، لأدائه الرائع والنظيف، بحصوله على بطاقة صفراء واحد، وهو ما كان سيضمن له المنافسة على مكان في تشكيلة غاريث ساوثغيت الأساسية لولا تأجيل البطولة الأوروبية. لكن حتى الآن، لا يعرف مصيره الموسم المقبل، سواء بموافقة اليونايتد على مد إعارته لموسم آخر، أو إقناعه بالعودة لمنافسة ليندلوف على المكان الثاني بجانب ماغواير، ومثله تماما مواطنه دين هيندرسون، هو الآخر عبر عن نفسه كما ينبغي في إعارته مع شيفيلد يونايتد، وكان قريبا من التواجد في قائمة إنكلترا في اليورو، بعد الطفرة الهائلة في مستواه، والتي أسفرت عن حفاظه على شباكه نظيفة 10 مرات في الدوري الإنكليزي الممتاز، كأقرب منافس على القفاز الذهبي لأفضل حارس مرمى في البريميرليغ هذا الموسم، وفي نفس الوقت، لا يرغب في العودة إلى “مسرح الأحلام”، لرفضه مبدأ الجلوس على مقاعد البدلاء في وجود الصخرة الإسبانية دافيد دي خيا. ومن غير الواضح، إذا كان أولي غونار سولشاير والمدير التنفيذي إد وودوارد، سيتفقان معه أم لا، ببيع دي خيا لإفساح المجال أمامه ليصبح الحارس الأول في الموسم المقبل، أم مد إعارته لموسم آخر كما يريد في المرحلة القادمة.
ثنائي ريال مدريد
يبقى ريال مدريد المستفيد الأكبر من نظام الإعارة هذا الموسم، بارتفاع القيمة السوقية لبعض اللاعبين أكثر من 200%. دعك من داني سيبايوس ولوكا زيدان وريغيليون وكوبو، الأهم هو الشاب المغربي أشرف حكيمي، الذي انتقل إلى بوروسيا دورتموند في صيف 2017 على سبيل الإعارة لمدة عامين، ليتحول إلى نجم سوبر، بقدرة وإجادة غير عادية على شغل مركزي الظهير والجناح في الناحية اليمنى، والآن يصنف على أنه واحد من أفضل الأظهرة في العالم، لما يمتلكه من سرعة ومهارة المراوغة في موقف لاعب ضد لاعب، مع إبداع قلما تجده في لاعب مدافع، يتجلى في لمسته الدقيقة في عرضيات وهداياه لرفاقه في الثلث الأخير من الملعب، لكنه لم يحصل على ضمان بشأن مستقبله مع الملكي، في ظل وجود المدافع الأيمن المفضل لزيدان داني كاربخال. ورغم الشائعات التي تحوم حول مستقبله مع ريال مدريد، إلا أنه بقليل من المنطق، سيكون من الصعب أن يتركه زيدان بهذه السهولة، وفي الغالب سيعود أسد أطلس بعد انتهاء الإعارة مع إطلاق صافرة نهاية موسم البوندسليغا، ليشعل المنافسة مع كاربخال في الجهة اليمنى. فقط النرويجي مارتن أوديغارد، سيبقى موقفه معلقا وغامضا إلى أن يتخذ لوكا مودريتش قراره النهائي بشأن مستقبله مع ملوك مدريد، وأثبت صاحب الـ21 عاما، أنه أصبح جاهزا لارتداء قميص اللوس بلانكوس، بعد ثلاث إعارات، آخرها وأنجحها الحالية مع ريال سوسييداد، والتي من المفترض أن تنتهي منتصف العام المقبل. صحيح اللاعب أعطى تلميحات أكثر من مرة لرغبته في البقاء مع أصحاب “أنويتا” لعام آخر، بعد توهجه هذا الموسم بتسجيل 7 أهداف في 28 مباراة وحفاظه على معدله شبه المثالي بصناعة 2.5 فرصة مؤكدة في المباراة الواحدة، بخلاف دوره الكبير في وصول الفريق لنهائي كأس ملك إسبانيا، لكن لن تكون مفاجأة، إذا حصل على استدعاء من زيدان قبل بداية الموسم الجديد، في حال قرر أفضل لاعب في العالم 2018 مغادرة النادي قبل عام من انتهاء عقده كما تخطط وتريد الإدارة، وهذا بطبيعة الحال، بعدما أثبت اليافع النرويجي أنه الخليفة المستقبلي الإستراتيجي لكرويف الشرق، فمن يا ترى من هؤلاء سيكون اكتشاف الإعارة الموسم المقبل.