خبير الخرائط الأول في إسرائيل يهاجم مخطط الضمّ: فشل معروف مسبقا وعلينا التعلم من ضمّ شرقي القدس

وديع عواودة
حجم الخط
0

إذا ضمت إسرائيل مناطق الضفة وبعد ذلك قطاع غزة فإنها ستضطر إلى الاختيار بين أمرين: أن تكون ديكتاتورية أقلية كنظام الابرتهايد، أو إلى دولة عربية ديمقراطية مع أقلية يهودية.

 

الناصرة-“القدس العربي”: حذر خبير الخرائط الأول في إسرائيل الجنرال في الاحتياط شاؤول أرئيلي من تبعات مخطط الضم الإسرائيلي واعتبره “فشلا معروفا سلفا” داعيا للتعلم من ضمّ الشطر الشرقي للقدس المحتلة. في محاضرة له ضمن ندوة عن مخطط إحالة السيادة الإسرائيلية على ثلث الضفة الغربية. ويقول أرئيلي إنه من المحظور التورط به لأنه سيحول إسرائيل مثلما حدث في القدس إلى دولة فقيرة مليئة بالتوتر والعنف، مع أغلبية عربية، حيث تتحول إلى دولة مجذومة في العالم في أعقاب نظام “ابرتهايد” تفرضه على وطن فيه شعبان مثلما فرضته على عاصمتها. ويوضح أن أحد ادعاءات رافضي التسوية الدائمة ومؤيدي الضم هو الزعم بأنه تم ضم شرقي القدس والعالم صمت، لافتا إلى أن عددا منهم يواصل تمجيد إنجازات الضم بتبني أقوال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في خطابه في يوم القدس في عام 2015: “لقد تم رأب الصدع في عاصمتنا القدس. وقد عادت لتكون مدينة تم توحيدها. تقسيمها أدى إلى خرابها، وتوحيدها أدى إلى ازدهارها”. ويتساءل في نهاية الاحتفالات القسرية لتوحيد القدس وازدهارها، علينا أن نسأل هل ضم شرقي القدس هو نجاح كبير جدا، الذي على ضوئه يجدر أن نأخذ المخاطرة التي يكتنفها ضم مناطق في الضفة الغربية؟ أو أنه كما يتضح من البيانات التي نشرت مؤخرا من قبل معهد القدس، إعلان نتنياهو يعود إلى عالم الواقع الكاذب؟ وعن ذلك يقول أرئيلي “ربما الأهم، تطور القدس والتوجهات الديموغرافية والاقتصادية فيها يمكن أن تعلمنا عما هو متوقع لإسرائيل إذا تم تطبيق وعد نتنياهو فرض السيادة الإسرائيلية بالتدريج على أجزاء في الضفة الغربية التي ستقود إلى ضمها كلها وإلى دولة واحدة”. في محاولة للتدليل على رؤيته يعود أرئيلي للتاريخ ويقول إن حكومة ليفي أشكول اختارت بعد حرب 1967 ان لا تكتفي بتوحيد المدينة التي قسمت في العام 1949 بل أن تضيف على الكيلومترات الستة لشرقي المدينة، 64 كم مربعا أخرى شملت أكثر من 20 قرية فلسطينية لم تكن في أي يوم جزءا من القدس. معتبرا أن هذه كانت رصاصة البدء لعملية تحويل “المدينة العبرية” التي تضاعف خلال 19 سنة عدد سكانها وكانت تحظى بأكثرية يهودية بنسبة 99 في المئة إلى مدينة فيها أقلية عربية بنسبة 26 في المئة (70 ألف نسمة) والتي زادت منذ ذلك الحين إلى 40 في المئة تقريبا من عدد سكان المدينة (350 ألف نسمة) وبعد عقد ونصف يتوقع أن تتحول هذه الأقلية إلى أكثرية. ويضيف محذرا “هناك من يلوحون بانخفاض معدل الولادة للنساء المسلمات في العشرين سنة الأخيرة، من 4.5 إلى 3.2 ولادة، مقابل الزيادة في نسبة الولادة عند اليهوديات، من 3.8 إلى 4.4 ولادة، كرد على ذلك. هؤلاء يتجاهلون أن القدس الموحدة تعاني من هجرة سلبية منذ العام 1992. في أوساط المغادرين مؤخرا تبرز النسبة العالية (44 في المئة) من الشباب في أعمار 20-34 سنة”.

​كما ينبه إلى أن معظم السكان الفلسطينيين في القدس المحتلة لا يمارسون حقهم في التصويت في الانتخابات البلدية، يقاطعونها (نسبة التصويت أقل من 2 في المئة). موضحا أن إسرائيل تعمل من أجل منع وجود وضع فيه المعنيين بالجنسية الإسرائيلية، أن يستطيعوا المشاركة في الانتخابات العامة، عن طريق رفض طلبات الحصول على الجنسية. ويقول إن عام 2019 شهد قفزة في عدد الموافقات على طلبات الحصول على الجنسية من متوسط يبلغ 300 في السنة إلى 1200 ولكن قفزة مشابهة كانت أيضا في عدد الطلبات التي تم رفضها، من متوسط سنوي 300 إلى 1400 طلب، مشيرا إلى أن نحو 20 ألف فقط فلسطيني في القدس لديهم الجنسية الإسرائيلية.

​ويوضح أرئيلي الذي ينشط ضد مخطط السلب والنهب الإسرائيلي منذ كشف عنه بالقول إن إسرائيل تتمتع في حدود الخط الأخضر (مع شرقي القدس) من أغلبية يهودية ثابتة تبلغ 79 في المئة وإن كل هجرة يهودية إلى الضفة الغربية في ظل تنبؤ المكتب المركزي للإحصاء الذي يقول إنه يتوقع عدم حدوث هجرة، لن يغير حقيقة أنه في فلسطين التاريخية هناك أغلبية غير يهودية. ويتابع “إذا ضمت إسرائيل مناطق الضفة (وبعد ذلك قطاع غزة) فإنها ستضطر إلى الاختيار بين أمرين: أن تكون ديكتاتورية أقلية مثلما وصف بن غوريون في 1949 نظام الابرتهايد، وإما أن تتحول إلى دولة عربية ديمقراطية مع أقلية يهودية”.

​كما ينبه إلى أن المجموعات السكانية الضعيفة من الناحية الاقتصادية في إسرائيل، العرب والأصوليون، حولت القدس المحتلة بالتدريج إلى المدينة الكبيرة الأكثر فقرا في البلاد: نسبة المشاركة في قوة العمل في المدينة (68 في المئة) أقل بكثير من المتوسط القطري (81 في المئة). الأجر الشهري المتوسط للأجير في المدينة هو 8700 شيكل (2000 دولار) والمتوسط القطري هو 10600 شيكل (3000 دولار). وحسب المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل فإن المدينة مصنفة في أسفل السلم الاقتصادي -الاجتماعي وهي من بين الخمسين مدينة التي يصعب جدا العيش فيها، إلى جانب بني براك وقرية جسر الزرقاء الفلسطينية في إسرائيل.

ويضيف “هذا أيضا بخصوص الدولة الواحدة. إسرائيل، دولة متطورة، ستضطر إلى استيعاب سكان يعيشون في مستوى العالم الثالث. الفجوة في الناتج الخام الاجمالي للفرد 40 ألف دولار مقابل 3500 دولار، تشرح تقريبا كل شيء. إسرائيل في الحقيقة ستفرض على المناطق التي سيتم ضمها سياسة الاضطهاد التي فرضتها في شرقي القدس، كما اعترف رئيس بلديتها الراحل تيدي كوليك في مقابلة مع صحيفة “معاريف” في 1990: “قلنا مرة تلو الأخرى بأننا سنساوي في الحقوق بين العرب واليهود في المدينة. حديث فارغ من المضمون. لقد كانوا وما زالوا مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة. من أجل قدس يهودية فعلت شيء ما في الـ 25 سنة الأخيرة. ومن أجل شرقي القدس؟ لا شيء. ما الذي فعلته؟ مدارس؟ لا شيء. أرصفة؟ لا شيء. مراكز ثقافية؟ أبدا”.

ويقول أرئيلي أن رئيس حكومة الاحتلال السابق ايهود اولمرت أضاف إلى هذه الأقوال في ما يعرف بـ “يوم القدس” عام 2012: “فيما يتعلق بالأجزاء الأخرى من القدس التي لا يعيش فيها يهود، ليس هناك تغيير كبير. ليست هناك حكومة إسرائيلية منذ 1967 لم تعمل حتى الحد الأدنى مما هو مطلوب من أجل توحيد المدينة بشكل فعلي. أيضا الحكومة التي ترأستها لم تفعل كل ما يجب فعله من أجل تحويل القدس الى مدينة موحدة. صحيح أننا استثمرنا في القدس، لكن بشكل متعمد استثمرنا في الأساس في غربي المدينة وفي الأحياء الجديدة مثل جبل أبو غنيم، وامتنعنا عن الاستثمار في مناطق أعتقد أنها في المستقبل لن تكون جزءا من القدس”. كذلك يشير لرئيس البلدية الحالي، موشيه ليون، الذي وصف في الشهر الماضي التطوير المتوقع للقدس وأشار تقريبا فقط إلى التطوير في الأحياء اليهودية.

منطقة حرام

منوها إلى أن المناطق التي سيتم ضمها في الضفة الغربية المحتلة يعيش فيها فلسطينيون يتوقع أن يحصلوا من الحكومة ومن البلدية على المعاملة نفسها التي حصلت عليها الأحياء المقدسية التي تم إخراجها خارج الجدار الأمني. ويقول إن كفر عقب ومخيم شعفاط للاجئين تحولت إلى منطقة حرام، يعيش فيها ثلث السكان العرب في القدس بشروط متدنية جدا، لا توجد فيها خدمات بلدية وغياب لتطبيق القانون. ويحذر أنه رغم سياسة التمييز هذه، إلا أن إسرائيل لا يمكنها الامتناع عن دفع مخصصات التأمين الوطني والنفقات الباهظة في مجال التعليم والصحة والرفاه للسكان الذين يوجدون في أسفل السلم الاقتصادي-الاجتماعي. وحسب بحث تم إجراؤه في 2018 لصالح حركة “قادة من أجل أمن إسرائيل” هذه النفقات تقتضي زيادة تبلغ 52 مليار شيكل لميزانية الدولة. ويشير لما يسميه الإيجابية في ضم شرقي القدس بانه مكن اليهود من العودة وممارسة حقهم في “حرية العبادة في الأماكن المقدسة، على رأسها حائط البراق” ويتابع سيكون بالإمكان الحفاظ على هذا التغيير عن طريق تبني الاقتراحات التي تم طرحها في المفاوضات حول مستقبل القدس. ياسر عرفات ومحمود عباس اقترحا أن يكون حائط البراق والحي اليهودي ونصف الحي الأرمني وباقي جبل صهيون تحت السيادة الإسرائيلية. ومقابل ذلك اقترحت إسرائيل في مفاوضات طابا في 2001 وفي محادثات انابوليس في 2008 أن تطبق نظاما خاصا في الحرم القدسي يحافظ على حرية الوصول وحرية العبادة لجميع الديانات. وينبه إلى أن المجال هنا ضيق لتفصيل جميع التداعيات السلبية لضم المنطقة التي تحولت مع مرور الزمن لتصبح شرقي القدس. ويقول إنه يجب تعلم الدرس والتوقف عن احتفالات “التوحيد” و”الازدهار” الوهمية، التي أحسن المؤرخ الإسرائيلي ميرون بنفنستي وصفها عام 2012 بالقول “كلما ازداد الشعور بأن المدينة الموحدة مقسمة فعليا بحواجز الكراهية، كلما تسارعت جهود المؤسسات المتطرفة والمتزمتة من أجل تعزيز تاريخ احتلالها كحدث للاستفزاز وكراهية الأجانب واستنكار الخونة”. ويخلص أرئيلي للقول “يجب علينا الامتناع عن تحويل إسرائيل، مثل القدس، إلى دولة فقيرة مليئة بالتوتر والعنف، مع أغلبية عربية، حيث تتحول إلى دولة مجذومة في العالم في أعقاب نظام ابرتهايد تفرضه على وطن فيه شعبان مثلما فرضته على عاصمتها”. إلى ذلك يتواصل الجدل داخل إسرائيل بين مؤيد ومعارض لمخطط الضم وسط تحذيرات من عواقب أمنية واقتصادية ودبلوماسية تقابلها دعوات للتطبيق وانتهاز “الفرصة التاريخية” في فترة ولاية الرئيس الأمريكي الحليف للدولة اليهودية دونالد ترامب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية