وليد هرمز في “سليم بركات: لوعة كالرياضيات، وحنين كالهندسة”: حوارات عن الكتابة والحياة وأسرار الصداقة مع محمود درويش

حجم الخط
0

يصدر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” في بيروت كتاب بعنوان: “سليم بركات: لوعة كالرياضيات، وحنين كالهندسة”، يضم حواراً طويلاً في 182 صفحة، أجراه الشاعر والروائي العراقي وليد هرمز مع سليم بركات، وقدَّم له الناقد السوري سامي داوود. والمادة تطرح أسئلة شيقة وعميقة وعفوية عن تجربة بركات الشاعر والروائي، وعن علاقته بالحياة وتفاصيلها الصغيرة ضمن عزلته في غابة “سكوغوس” على أطراف العاصمة السويدية ستوكهولم.

يحتوي الكتاب، أيضاً، على ثلاث مقالات: واحدة جدُّ خاصّة عن علاقته بالشاعر الكبير محمود درويش، كُتبت في سنة 2012 وترى النور لأول مرة في “القدس العربي الأسبوعي”؛ بالإضافة إلى مقالتين في الفكر واللغة. هنا فقرات من الحوار:

* كتبت سيرة حياتك، سيرة الصِّبا، وأنت في العشرينات من عمرك، تحت عنوان “الجندب الحديدي” و “هاته عالياً؛ هات النَّفير على آخره”. ألا تعتقد أن هذه السيرة ما زالت ناقصة؟ لقد مضى عليها أكثر من أربعين عاماً. ألا تُفكر في استكمال هذا النقص؟

ــ كل سيرة سيرةٌ ناقصة. تفوتُنا أشياء، أو نقصي أشياء “لا تُكتب”: الرغبة في ذبحِ أحدٍ، أو إحراقِ مدينة، أو محوِ دولةٍ عن بِكْرة أرضها وسمائها، لا تُكْتب. من الفكاهات، مثلاً، حين صدرت “السيرتان” بالسويدية (نال الكتاب جائزة أفضل مُؤلَّفٍ أجنبي تُرجم إلى اللغة السويدية)، توالَت عليَّ اتصالات هاتفية من بَشَر “الرفق بالحيوان”، مندِّدة بالسلوك “الهمجي”، لِمَا في الكتاب من “إهانة” للكلاب، وللقطط، ومن تعنيفٍ أيضاً حتى القتل تعذيباً.

حاولت، من دون جدوى، الشرحَ للمتصلين أننا لم نكن نملك برَّاداتٍ، ومُجلِّداتٍ لحفظ الأطعمة. عندنا دجاج سارح، وأرانب أحياناً، وخُمم ظاهرةُ البيوض فوق قشِّها. أهلنا يحفظون الأطعمة على أرض ساحة البيت، في ليالي الصيف، مغطاة بسلالٍ مقلوبة، مثلاً. الكلاب الوقحة الشاردة، ومثلها القطط اللصوص المحشوة الأوبار بالبراغيث، تتصيد كلَّ شيء: فراخَ الدجاج، والأطعمة، والأرانب. وقد تختطف طفلاً لو قَدَرت.

شرحتُ، على ضربٍ من التظارف، أن الكلاب الشاردة، العقور، المكلوبة، ومثلها القطط، ليست متعلِّمة ككلابهم؛ لم تدخل معاهدَ ككلابهم؛ لا أطباء لها مذ لا أطباء للبشر عندنا أحياناً. لا أطعمة معلَّبة لكلابنا كالأطعمة لكلابهم؛ وطعام كلابهم أفضل، أحياناً، من أطعمة البشر عندنا. بل لا يملك بعضُ البشر في جهات أقاليمنا المشؤومة، الملعونة، أطعمةً تكفيهم.

إنها شروح قد تبدو غامضة لمرَفِّهِيْ الحيوان في سُوَيْدِ”نا”، خذوا هذا المثل من أقوال المغني الأمريكي بوب ديلان (حاز نوبلَ للأدب على أشعار أغانيه الأقل قيمةً من أشعار بعض الشعراء المتواضعين في عالمنا). يقول (ببعض التصرف): “بيتٌ لا كلبَ فيه ليس بيتاً”. ألم يفطن هذا “العبقري” إلى وجود بشَر في عالمه لا طعامَ في بيوتهم ليأكلوا، فكيف يطعمون الكلاب، يا ابن الجرادة؟

لا بأس. أعود، بعد الاستطراد، إلى السيرة. أنت فاتحتني برغبتك أن ترى ذات يوم، جزءاً جديداً من سيرتي. لا أستطيع حتى لو رغبتُ. هناك الكثير مما سأثيره، والكثير من قَلْبِ الأشياء على رؤوس الأشياء، والكثير من الطحنِ إن صَدَقتُ في التدوين، والكثير من الإحراج، وبعض الحرائق العنيفة، وبعض العواصف الرملية، والثلجية. لا أستطيع.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية