تكونت نواة هذا المقال على هامش حضوري لمعرض فرانكفورت للكتاب، الذي اقيم في وقت سابق من الشهر الحالي، ثم نضجت مع ما تبعه من سلسلة مجازر استثنائية في بشاعتها، لم تستثن اطفالا او نساء او اتباع اي دين او مذهب، وفي غير بلد عربي، وهو ما اصبح واقعا يتكرس استقراره تدريجيا، فيما يتسارع اتساع هوة ثقافية وحضارية تفصلنا عن عالم شغوف بالقراءة والترجمة والنشر والابداع، كمثل شغفنا بالتذابح والتناحر.
ومع البطاقة التي وصلتني لحضور الدورة السادسة والستين للمعرض، وجدت كتابا ضخما يزيد عن ألف صفحة، سرعان ما اكتشفت انه مجرد (كتالوج) لدور النشر العالمية المشاركة، يشمل كافة التفاصيل الخاصة بكل منها، مع نبذة مختصرة عن تاريخها واعمالها، الى جانب قائمة طويلة بالندوات الفكرية والمؤتمرات والاحداث الثقافية على هامش المعرض، واستعرضت قائمة تضم نحو مئتين من المتحدثين الرئيسيين، فلم اجد اسما عربيا.
انه حدث عالمي بالمعنى الكامل للكلمة، ليس فقط لانه المعرض الاكبر للكتاب في العالم، بمشاركة اكثر من ثمانية الاف دار نشر، من نحو مئة وعشرين دولة، لكن بما يمثله من قيمة جامعة لمعنى «الثقافة الانسانية» التي يحج اليها المهتمون بملاحقة عجلة الابداع من كافة انحاء البسيطة.
ولم يتوفر لدي رقم محدد عن العناوين المعروضة، بل أشك في ان احدا تمكن من جمعها، لكن يكفي القول ان المعرض اقيم على مساحة مئة واثنين وسبعين الف متر مربع في ثماني صالات ضخمة، حتى ان سائق التاكسي سيطلب منك ان تحدد الصالة التي تريد، تفاديا لمشي ماراثوني بين القاعات الموزعة في طابقين.
وفي عشرات من الاجنحة، اقامت دور للنشر حلقات ثقافية، لمؤلفين ومفكرين من مختلف انحاء العالم، مع توافر امكانية الترجمة الفورية لنحو خمس عشرة لغة، ليس بينها العربية، ويخصص جزء منها للتواصل المباشر مع الجمهور، وقامت قنوات ألمانية بنقل بعضها. وكان الازدحام في بعض تلك الندوات يجعل السير متعسرا بشكل خاص، وإن كان الاقبال الشعبي على الكتب بكافة انواعها، خاصة من الشباب، سيبقى السمة الاكثر اهمية للمعرض في رأيي. الألمان يقرأون كثيرا. انها الحقيقة التي تراها بعينيك، وهذا ايضا ما تؤكده أرقام سوق تجارة الكتاب هناك. ففي الربع الثاني من عام 2013 حقق قطاع النشر أكبر كمية من المبيعات بعد قطاع تجارة الملابس، الذي يعتبر احد اهم القطاعات الاقتصادية في المانيا.
وبرزت في المعرض ما يمكن ان تسمى عن حق «ثورة الكتاب الالكتروني»، حيث أدت المنافسة الشديدة بين دور النشر الالكترونية الى وجود عروض شبه مجانية للنشر، لتشجيع الشباب على الكتابة والنشر والابداع، بدون ان يعني هذا تراجع مكانة الكتاب الورقي، بأي حال. ووصلت نسبة مبيعات الكتاب الإلكتروني إلى 2,4٪ من حجم مبيعات سوق الكتاب في المانيا العام الماضي، وهذا يعادل ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام 2011. ورغم التراجع الخفيف في عام 2012.
اما مشاركة الدول العربية، فجاء اغلبها في «اجنحة مشتركة» بسبب إما قلة دور النشر او ضعف امكانياتها. وبالنظر الى المشاركة المصرية، شعرت بغصة عندما اكتشفت انها اقتصرت على خمسة اسماء فقط بينها جناح مشترك.
وحسب مدير احد الاجنحة العربية، الذي فضل عدم نشر اسمه، فان العالم العربي يعاني ازمة نشر كارثية، بسبب رفع الحكومات يديها عن تقديم اي دعم يذكر للثقافة، الى جانب غلاء الورق ومواد الطباعة، وهم ما يدفع بعض الدور العربية الى النشر في تركيا، الذي اصبح اقل تكلفة. اما عن اتجاهات النشر، فقال ان الناشرين العرب اصبحوا يبتعدون عن الكتب السياسية لافتقارها الى المصداقية، وتتجه بعض دور النشر الى التركيز على كتب الطفل والطبخ لاسباب اقتصادية. اما الروايات فتكتسح السوق الادبية طلبا ونشرا حاليا، وهو ما يمكن ملاحظته في لبنان ومصر ودول الخليج بشكل خاص. اما الكتب العلمية فشعبة غائبة باستثناء الاردن. واصبحت سوريا الاكثر نشرا للكتب الدينية. ويمتنع بعض الناشرين عن المشاركة في المعارض العربية، بسبب عدم قدرتهم على تغطية التكاليف، ناهيك عن تحقيق ارباح، بل ان بعضهم يعتمدون اسلوب التصوير بدلا من النشر، اي يكون عنده الكتاب على فلاشة، ويقومون باخراج الكتاب وتغليفه «عند الطلب ان وجد».
اما المسؤولة عن جناح مؤسسة الاهرام المصرية في المعرض فقالت، ان السنوات الثلاث الاخيرة شهدت تفاقما شديدا في الازمة، سواء كان ذلك نشرا او طلبا للكتاب، وهو ما اكده مدير جناح «الكتاب المقدس» ايضا. وعلى الرغم من عدم وجود ارقام او احصائيات رسمية يمــــكن الاعتماد عليها، فانه لم يستبعد ان يكون الانخفـــاض في حركة النشر قد وصل الى نحو عشرين في المئة.
انها ازمة معقدة، ازمة أمة كانت عندها يوما مكتبة الاسكندرية التي بقيت لقرون مصدر اشعاع حضاري كوني. ازمة حياة وثقافة بالمعنى الاشمل، ويخطئ من يفصلها عما نعيشه اليوم من صراعات سياسية وعقائدية دموية. هذا ما ذكرني به فيديو ارسله لي احد الاصدقاء على الفيسبوك، لتجمع في احد الاسواق التجارية العربية اثناء الاحتفال بعيد الاضحى، اقام حلقة لتدريب الاطفال (اقل من ست سنوات) على ذبح الخراف، باعطائهم سكينا ودمية ثم رش سائل يشبه الدماء تحت اقدامهم، فيما تقوم امهاتم الفخورات بتصويرهم باجهزة الهاتف. اما اليقين الذي خرجت به من معرض فرانكفورت فهو ان حربا حقيقية لاقتلاع «ثقافة التخلف والتذابح» العربية من جذورها، لا يمكن الا ان تبدأ بـ»ثورة تجديد ثقافية»، تعيد انتاج وعي عربي قادر على الانتماء الى عالم يقرأ.
٭ كاتب مصري
خالد الشامي