يسعى لرفض القسوة والعنف من خلال أعماله تماثيل العراقي خالد المبارك تضيء العتمة

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: لم يكن الفنان العراقي خالد المبارك مجرد رسام يحاول أن يقدم أعماله للجمهور في معرضة الجديد الذي افتتح على قاعة مينا للفنون وسط مدينة البصرة، بل كان يسعى ليعيد بناء الإنسان من خلال المعرض الذي سماه «تماثيلي تضيء العتمة»، رابطا بين كائنات عدَّة، منها الإنسان والحيوانات البحرية وبعض الطيور، فضلا عن كائنات عجيبة صنعها ليرمم ما تهدَّم من قيمٍ وضمائر في عالم تسوده القسوة والعنف والقتل اليومي.
هذا المعرض الذي جاء بعد سلسلة من المعارض منذ عام 1978، بعد أن قدم معرض «زقاق ومدينة» في مدينة البصرة ومن ثمَّ نقله إلى بغداد والموصل في رحلة فنية مثيرة. يعود المبارك مرة أخرى لهذه الرحلة، فيبدأ أيضا في مدينة البصرة، لكن بعد ما يقارب الـ37 عاما في معرض تحمل بعض أعماله ملامح معرضه الأول، لكن بتقنيات جديدة.
يقول المبارك عن هذه التجربة إن «فيها قصدية وانتقالات عدّة وإعادة لما نفذته في عام 1978 الذي انتقل فيه لأكثر من مدينة، عبر رحلة ممتعة ومليئة بالمغامرة والاكتشافات عبر المدن، هذه المدن التي تمتلك كل واحدة منها إيقاعات ورؤى مختلفة، وناسا تربطهم وشائج وأشياء كثيرة نفتقدها الآن في هذه الرحلة».
أما لماذا هذه الرحلة، فقد أراد المبارك منها كسر طوق العزلة، فـ»لماذا على الفنان أن يقيم معرضه في مدينته وفي قاعة واحدة؟ الآن ابحث عن كسر هذه العزلة وأرى أني بها سأحصل على المتعة ومعايشة الناس أكثر في مدن مختلفة، فضلا عن التفاعل المستمر مع أعمالي من قبل متلقين متنوعين. فضلا عن تاريخ هذه المدن الطويل والأصدقاء والأحبة، لهذا أردت أن أوصل لهم تجربتي من البصرة إلى ذي قار ومن ثمَّ ميسان وبغداد، وربما هناك مدن أخرى ستعلن حينها تبعا للظروف والأوضاع الأمنية. فمن الضروري إيصال هذه التجربة لكل مدينة».
مضيفا أنه من خلال هذه الجولة سيكتشف أسرار هذه المدن، وفي كل مرة يضيف لوحات جديدة للمعرض من روح المدينة التي يصل إليها وطبيعتها وأزقتها، مستفيدا من عوالمها وطبائع ناسها وحكاياتها الشعبية.
أما الجديد الذي يقدمه في هذا المعرض، فيشير المبارك إلى أنه بحث وتقص عما يجول في خاطره عن هذا العالم الذي نعيشه، العالم المليء بالقسوة والخوف تجاه الإنسان الحقيقي الذي يبحث عن عالم أكثر هدوءا وطمأنينة، هذه الأشياء التي نفتقدها دائما في خضم عالم مضطرب مليء بالأهوال والأحداث المؤلمة والجراحات المستمرة والمتتالية. «هناك موقف ورؤى تتخلل أعمالي ابتداء من رحلتي عام 1978 التي بدأتها من البصرة ومن ثمَّ بغداد وصولا للموصل عبر القطار، كانت رحلة مغامرة حينها عندما اعتمدت ثيمة زقاق ومدينة في معرضي الأول. بعد مرور 37 عاما من البحث والتقصي حول الأسطورة والحكايات الشعبية اللتين هما نتيجة حتمية لما يعيشه الإنسان تجاه هذا العالم.
وفي سؤالنا عن كيفية تمثل المبارك للواقع العراقي في أعماله، يقوله إنه إذا عدنا للتجربة عموما، «نلاحظ أن الاتجاهات مدروسة بعناية تجاه رؤاي في العمل الفني، قبل أربعة أعوام قدمت معرض «وجوه وأقنعة»، تلاه في العام 2013 بعنوان «كائناتي تلامس سطح اللوحة»، والآن أقدم «تماثيلي تضيء العتمة»، وهو نتيجة لما نراه من عنف وقسوة وذبح للإنسان الذي أعطاه الله القدسية والقيمة الوجودية العليا، نراه مقتولا ومضطهدا وفي بعض الأحيان أسيرا.. هكذا نرى المشهد الإنساني من خلال العتمة ورؤى تتمثل أمامي، فتحاول كائناتي تجاه العالم المضطرب إنارة العتمة، وسيرى المتلقي اني أحاول في هذه الأعمال إخراجه من عالم القسوة إلى عالم الفرح والغبطة». مضيفا أن إنساننا متعب ومليء بالضيم والإحباط والقلق، لهذا فمن واجب المثقف والفنان أن ينير درب هذا الإنسان.
قدَّم المبارك في معرضه أكثر من نموذج رسم ونحت لوجوه إنسانية وحيوانات بحرية وطيور، ومن فلسفته الخاصة في بناء اللوحة أنه يرى أن البحر عالم مليء بالغموض والأسرار والكائنات المختلطة بالطيبة والافتراس، وفيه أشياء تشبه واقعنا الحقيقي، وهو يمثل للفنان الهيبة والعمق والعنفوان وسمات فيها الشيء الكثير القابل للتأويل. أما الوجوه فهي صفة إنسانية تثير فينا الدهشة وتخبئ وراءها أسرارا كثيرة، أراد بربطها بالبحر أن ندرك العالم ونطرح تساؤلنا عن أسباب القسوة والعنف. فهذا الوجه المتمثل بالأشكال غير المعتادة، تراه تارة مبتسما وأخرى مرعوبا أو متفائلا، فتتمثل هذه الوجوه بمعايشتها وواقعها القاسي.
وحول التقنيات التي اشتغل عليها في أعماله هذه، يشير إلى أن الفنان التشكيلي يجب أن يكون ضد القولبة، فلا يتمسك بمادة واحدة ويجتر أفكاره عليها، السائد في الحركة التشكيلية العراقية، هناك الكثير من الفنانين يشتغل على ثيمة ما ويبدأ بتكرارها في أغلب أعماله، فيحذف ويضيء، لكنه يبقى في دائرته ولا يتمكن من الخروج منها. «لكني أرى أن الفنان يجب أن يكون متجددا ويغور في عوالم المادة، ويتعمق فيها ويجرب باستمرار، فأنا أرى في المادة أسرارا كثيرة غير مكتشفة حتى الآن، البحر يمثل لي جزءا من المادة التي نعيشها، وهناك أشياء كثيرة غير مكتشفة، يقوم الفنان بالبحث عنها وإزالة الغبار ليشكل عوالم جديدة دائما».
يلاحظ في المعرض أن لوحات المبارك كانت مختلفة في ملمسها، فهناك الخشن والناعم، وهناك الأملس والمجسم، وفي حديثه، يؤكد المبارك أن هذا هو السائد في معارضه، «صحيح أن هناك ثيمة وهدفا في كل معرض، لكن فلسفتي بطريقة العرض لها علاقة بجذور بحثي الدائم، فلا أقطع الوسيلة بين الماضي والحاضر وحتى المستقبل، فغالبا ما اعتمد على نموذج أو نموذجين من معرضي السابق لتقديمه مع الأعمال الجديدة، والتركيز على المبحث الجديد، فضلا عن استقراء للمستقبل. أرى أن هذه الديناميكية بطريقة العرض صائبة وذات جدوى في معارضي المستمرة، فالمشاهد يرى غرائبية في طريقة العرض، لكني أنظر للمسألة من باب البحث وما أريد تأكيده من خلال رؤاي والموضوعات التي أريد طرحها في المعرض». ويعتقد المبارك أن كل معرض هو مبحث، يبدأ بفكرة ليست بسيطة ويطور نفسه، غير أن المشاهد يجب أن يبحث عما أريد طرحه ويستوعبه من أجل الخروج بنتائج مرجوة.
المبارك عرف في الوسط الفني كنحات بالدرجة الأساس، وهذا هو سبب تقديمه أغلب أعماله؛ حتى اللوحات الزيتية منها، تحمل ملامح النحت، مبينا أن القاسم المشترك بين الرسم والنحت هو الملمس، «ملمس اللوحة يعطيك لغة مشتركة بين الرسم والنحت، لهذا قصدت هذا العنوان.. هناك في لوحة ما، ترى اللون هو الطاغي وهو الذي يسرق المشاهد ويسحبه إلى درجة أنه ينسى النحت، لكن هناك عملا فنيا آخر ترى أن البروز هو السمة الطاغية عليه، فكأنه جدارية تتغير ألوانها مع كل زاوية جديدة للنظر… لكنها بالأخير لوحة قد تكون مربعة أو مثلثة أو متعرجة أو على شكل كتاب، فالتنويع في العمل يمثل لي متعة كبيرة».
أما فلسفة المبارك في تلوين أعماله وكيفية وضع الزوايا الأولى للوحته، فيفيد بأنه من خلال تجوال، يربط عما كان يبحث عنه في بداية الوعي الفني لديه منذ منتصف سبعينيات القرن، «كانت هناك محاولة لطرح فكرتي لأكبر بقعة من الجمهور، الآن أعيد صياغة هذه الفكرة، بآلية وتقنيات جديدة بسبب تراكم الخبرات عبر كل هذه العقود، هضمت وظهرت بإطار وتقنية جديدة، بقدر ما هي اكتشافات، هي أيضا عوالم لا تخلو من المفاجآت والأسرار غير المكتشفة والطلاسم التي تحيطنا بعوالمنا الداخلية والخارجية».
وأضاف «مثلا طائر المهلهل الذي كررته في الكثير من لوحات هذا المعرض يعيش بداخلي منذ سنوات طويلة، فهو طائر جميل ينتشلنا من عالم القسوة إلى عالم الفرح، فتراه هنا مختزلا كرمز، لكن في بداياتي الأولى كنت أرسمه بشكل تقليدي وكأنه صورة حقيقية، في المعرض السابق عرضت سطوحا بيضاء فقط، لأننا بحاجة لقلوب بيضاء وصافية».
يشار إلى أن الفنان خالد المبارك من مواليد البصرة عام 1958، أقام معارض عدَّة وشارك في أخرى، كما حصل على عدد من الجوائز منها جائزة سمبوزيوم عالية الدولية للنحت والرسم 2002، وجائزة الرسم في مهرجان الواسطي ببغداد 2010، وجائزة الرواد والمبدعين العرب في الدوحة 2010، وغيرها الكثير.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية