يؤرخ الكاتب الالماني هانريش مان في روايته «الخنوع»، الصادرة من دار الوحدة في بيروت ترجمة ليلى نعيم، لالمانيا وبورجوازيتها في بدايات القرن العشرين بكافة انشغالاتها واهتماماتها الاجتماعية وصراعاتها السياسية.
المانيا في الفترة التي يتحدث عنها الكاتب، كانت تعيش مرحلة مخاض سياسي واجتماعي وانقلاب ادوار, هزيمة قوى وسيطرة قوى اخرى، بداية اندثار تقاليد اجتماعية او بداية ظهور اخرى. ولن ننسى الحديث عن المد القومي والعنصري والعداء المستحكم بين المانيا وجاراتها.
البرجوازية الالمانية وتحالفاتها المدمرة
نشاهد البطل الذي هو ابن صناعي بورجوازي في فترة صعوده، منذ ان كان تلميذا في مدينته وقبل ان ينتقل الى العاصمة طالبا جامعيا في ما بعد، والعادات والتقاليد المحافظة التي تربى عليها هو واخواته، وعنوانها الخضوع للسلطات، أكانت سلطة الاب او المدرسة او الشرطة او الحكومة او القيصر، واكثر من ذلك التعود على حبها والرضوخ لمشيئتها ومقرراتها، ثم من ورثة هذه التقاليد والعادات واحد ابرز ممثليها في ما بعد.
تفصح لنا الرواية، ومن خلال شخصية البطل عن طبيعة ثقافة العائلة البورجوازية وحرصها على العائلة واحترام التراتبية فيها المكرسة للذكور المقدر لهم دوما ادارة شؤون العائلة والمجتمع. والحرص على سمعة الفتيات من العائلة وعفتهن وعدم اقامتهن علاقات خارج اطار الزوجية، الذي هو رابطة متحالفة مع الدين غايتها الانجاب واعادة تقسيم الادوار وانتاجها من جديد بين الاناث والذكور.
وان كانت الاسر البورجوازية في الفترة التي تتحدث عنها الرواية اخذت بالتسامح مع فتياتها اللواتي تقيم احداهن علاقة جنسية خارج اطار الزواج بمحاولة تزويجها للذي فض بكارتها، عبر مفاوضات تجري بين والد او اخ العشيقة والعشيق نفسه وعرض المغريات عليه لاجل تزويجه اياها، في محاولة لما كان يعرف انذاك، الحفاظ على شرف البنت وكرامة العائلة، الا ان رفض العشاق القيام بهذا الامر مرده الى نظرتهم الدونية انذاك للفتاة التي تشاركهم الحب والغرام، وان انتفت في تلك المرحلة مظاهر المبارزة بالاسلحة لاستعادة الشرف المسلوب.. فرجال الطبقة البورجوازية كانوا ورغم سعيهم الدؤوب للايقاع بالفتيات واقامة علاقات غرامية معهن، الا انهن كن بنظرهم فتيات ساقطات وغير مؤهلات للزواج، لذلك كان طبيعيا مشهد ارتياد افراد هذه الطبقة لبيوت الدعارة، وان كانوا دائمي المحاضرة بالاخلاق والعفة والحرص على سلامة تقاليد المجتمع المحافظة.
سعى الكاتب الى حد كبير في روايته هذه لاجل ابراز ادق التفاصيل المتعلقة بالشكليات الدقيقة المتبعة في هذا المجتمع، من يتقدم على من، أي عائلة تتصدر المشهد ومن تطاله الفضائح، من هم اصحاب الحظوة والنفوذ وطبيعة العدالة ونوعيتها القائمة في اثباتاتها على التشهير بالشاهد او المدعو عليه في قضايا من المعلوم سلفا انها محل استهجان لدى الرأي العام، ما يؤثر على سلامة الحكم.
ولن ننسى طرق واساليب المرأة الملتوية المتبعة من قبلها لاجل الحصول على عريس العمر، والمفاوضات التي تجري لاجل قبوله بها، مدققا في امر ممتلكاتها وسمعة العائلة، كأننا امام صفقة تجارية بحتة، وليس امام شأن اجتماعي تدخل به المشاعر والاحاسيس، فالكل يريد الايقاع بالكل والمرأة مجبرة على هذا السلوك طالما انه من العيب عليها اقامة العلاقات خارج اطار الزوجية، وتلحق العار ليس بنفسها وبسمعتها فقط بل تنسحب اي هفوة تقوم بها على سمعة ومكانة العائلة باكملها. فتتحول بالتالي الى ممارسة الدعارة. وان كان التسامح مع بعض المغامرات بدا بالتسرب الى هذه الطبقة. بالاضافة للسهرات الاجتماعية او النشاطات الفنية التي تؤكد على ثقافة هذه الطبقة وعاداتها والرفض المطلق لاي تغيير فيها، رغم ان هذه التقاليد قد تشظت من كثرة الخروقات التي ألمت بها مع ذلك فالجميع متمسك بها وقابض عليها خوفا من ان يصيبها أي مكروه.
اما ما خص الشأن العام، فالطبقة البورجوازية الالمانية المتحالفة مع القيصر واضحة في توجهاتها التي تعبر عنها شخصية بطل الرواية الصناعي خير تعبير، والتي تحاول تعزيز روح القومية العنصرية والتشجيع على توسل العنف حيال جاراتها ومن خلال دعم القيصر في سياساته الاستعمارية وفي صراعاته الداخلية مع العمال الاشتراكيين ومحاولاتهم تعزيز مكانتهم وانتزاع مكاسب اضافية نقابية وحياتية، بالاضافة الى ما أشار له الروائي عن دور نجهله لما سماهم الماسونيين الاحرار، باعتبارهم كما سماهم قوى تقدمية. فالاولى لا تتوانى عن استعمال العنف بمواجهة عنف النظام. فيما خص الثانية بالمسالمة وحب الصالح العام وعمل الخير.
وفي محاولة لوصف مدى تحالف الطبقة البورجوازية مع القيصر، هناك فصل كامل يتحدث عن هوس الصناعي بطل الرواية بالقيصر ومطاردته له اينما حل، في محاولة دؤوبة لاجل التماهي مع شخص القيصر والذوبان بها وتقليد حركاته وانفعالاته وخطبه السياسية، لقناعته الراسخة انه يمثل مصالحه الخاصة كبورجوازي وكمواطن الماني.
شرح الكاتب باسهاب في روايته طبيعة الحياة السياسية الالمانية انذاك، والفساد الذي رافق التحالفات والخطط السياسية التي اقيمت لاجل الايقاع بالخصوم والوصول الى مراكز السلطة، مؤرخا ان حزب القيصر تحالف مع الاشتراكيين الديمقراطيين الدمويين على حساب الماسونيين، الذين منوا بشر هزيمة، الا انه اي الكاتب يعود الى التلميح عن عودة الاشتراكيين الى العنف لاجل تسلم السلطة، مؤكدا في النهاية على سيطرة البورجوازية في تحالفها مع القيصر وسيطرة فكرها القومي المتعصب والعنصري، وهو ما مهد لالمانيا كي تبني قوة عسكرية ضخمة مترافقة مع فكر متطرف توسعي مهد لاندلاع الحرب العالمية الاولى وهزيمة المانيا المعروفة فيها.
كاتب لبناني
عادل نصار