في المشروع المجتمعي

حجم الخط
0

في المشروع المجتمعي

عبد الله ساعففي المشروع المجتمعيإن الحديث عن المشروع المجتمعي ليس حديثا شكليا، بل إنه مسألة جوهرية وأساسية، يمكن تشبيه المشروع المجتمعي علي أنه بوصلة ترشد خطط أعمالنا ومجالات نشاطاتنا وتوجهاتنا، وتحدد أهدافنا، إنه آلية تضيء مسارنا وتمكننا من تملك أعمالنا انطلاقا من الأسس والمضامين وصولا إلي الآثار المادية والمعنوية.من جهة أخري، يلعب المشروع المجتمعي دور تحديد التقاطعات والتمفصلات الموجودة أو غير الموجودة بين الحقول المختلفة، وبدون مشروع مجتمعي تبدو المشاريع جميعها جزئية متقطعة دون خط رابط، فالمشروع يدمج ويعطي دلالات قوية ومعاني شاملة تساعد علي الإنجاز والتقييم وتحديد الزمن علي المستوي القريب والمتوسط والبعيد.إن المشروع المجتمعي منظومة من عدة مستويات تنبني أولا علي تشخيص الواقع في ضوء موقعنا مقارنة بالعالم، وهنا نطرح إشكالية لمن الأسبقية في هذا التشخيص، هل الأسبقية للمبادئ الموجهة أم للقراءة الواقعية والآنية للواقع، خارج أي تحديد مسبق. تاريخيا، لا فشل الماركسية الواقعية في نموذجها الأوروبي والسوفييتي أعطت الجواب، ولا استمرار النماذج الليبرالية أعطي الجواب الحاسم حول الموضوع، مع الإشارة إلي أن التشخيص عملية معقدة ولا تنتهي دائما إلي استخلاص الدرس والعبرة. قد نؤلف آلاف الصفحات والتقارير حول الأوضاع الراهنة دون الوصول كليا أو جزئيا إلي صياغة توصيات مستقبلية. وهكذا قد نفقد الميكانيزم الذي يجعل من الدرس والعبرة في حالة التوصل اليهما، والذي يساعد علي بناء مشاريع التغيير. إن كل تشخيص مبني علي قراءة الماضي وتحديد المفاصل والمقاطع الرئيسية، ثم تحديد آفاق مستقبلية واستشراقات.. مرورا بالعثور علي الميكانيزم الذي يصنع واقعا جديدا مختلفا عن الزمن الماضي. فمثلا فليب سودان رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي ـ وهو مركز عالمي لإنتاج السياسات العمومية معترف به ـ يقول بهذا الخصوص: قمنا بعدة تقارير وأنجزنا عدة دراسات ووقفنا عند عدة أعطاب لكن كل إصلاح دولتي يتوقف علي إيجاد الميكانيزم المنتج لللاختلالات الحاصلة.. فماذا نقول في الحالة المغربية التي ما تزال بعيدة عن التجربة الفرنسية؟ في مستوي ثان، المشروع المجتمعي هو مجموع المضامين التي ترسم منظومة الاعمال و للأعمال ، ونسيج التشريعات والتقنيات ذات البعد الاستراتيجي، ثم ذات البعد التطبيقي والاجرائي ثم سلم تحدد مواقع الفاعلين وارتباطاتهم وتفاعل نشاطاتهم، مع رصد عمودي (من المركز إلي المحيط) وعمودي (بين القطاعات المجتمعية المختلفة). مع الاشارة الي أن ليس هناك نموذج جاهز للاتباع، فمرة أخري لا سيرة الماركسية ولا الليبرالية تمدنا بحل حاسم حول إشكالية الدوغما في هذه المشاريع، لهذا لا بد من إبقاء إمكانات مفتوحة للاجتهاد والابتكار وحتي للنقد والانتفاض، فعدد كبير من المشاريع تم إصلاحها عن طريق انتفاضات الشارع ورفض المجتمع لها. والي حد الآن ما زال المغرب بعيدا عن هذا النوع من التفكير، من جهة لأنه حديث عهد بالسياسات العمومية، ثم لأن الحقل السياسي المغربي حقل غير تنافسي يسمح ببلورة مشاريع مختلفة، ثم إن المغرب يعرف غلبة التدبير التكتيكي والظرفي في سلوك الفاعلين، ثم إننا نحن المغاربة الذين قال عنهم والتربوي أصحاب ثقافة سياسية تكتيكية وليست استراتيجية قرأنا خطأ ازدهار البراغماتية للتخلي عن كل فكر استراتيجي ومستقبلي.إلي جانب كل هذا تمكن الاشارة إلي العامل الخارجي، حيث سلمنا للمؤسسات الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، برامج الأمم المتحدة) التي تنعت خطأ بأنها غير مسيسة، وهي في الواقع مؤسسات سياسية علي المدي البعيد، لقد سلمنا لهذه المؤسسات صلاحية التخطيط الاستراتيجي لمستقبلنا.علي مستوي ثالث، المشروع المجتمعي يحتاج تنافسية بين أطراف مختلفة، وهو من ثم مشروع تعددي، ثم إن الانتقادات، فهو بناء مفتوح علي المراجعة وإعادة النظر والتقييم المستمر، تقييم مبني علي هندسة اجتماعية ولكن بنفس سياسي قومي ونوع من المغامرة.. والجرأة علي اقتحام مجالات جديدة.من جهة أخري، صياغة المشروع المجتمعي مبنية من ناحية علي توافقات واسعة وفي نفس الوقت فهي مبنية علي الفرضية الديمقراطية القائمة علي فكرة الصراع المؤطر بقواعد، هل هذا يعني أن المشروع المجتمعي لا يتعايش مع الأنظمة السلطوية؟ التاريخ يخبرنا بأن هناك أنظمة سلطوية تعايشت مع مشاريع اجتماعية كبري واستثنائية وقادتها، لكنها في زمن الاختيار وفي محنة الصراع وخاصة الخارجي كانت السلطوية عامل إضعاف إن لم تكن موت المشروع المجتمعي (تجارب في العالم والعالم العربي والمنطقة المغاربية). السلطوية ليست هي الوحيدة التي تؤثر علي المشروع المجتمعي، ولكن هناك كذلك الطابع الترددي والإصلاحات غير المكتملة وضبابية الاختيارات الديمقراطية واضطراب الأهداف، كل هذه العوامل تخلق مناخا يميّع صدقية ومصداقية الحديث عن المشروع المجتمعي. إن الذي أنقذ مشاريع مجتمعية في أنحاء عديدة من العالم ـ إسبانيا نموذجا ـ هو ارتباطها بانتقال ديمقراطي منطقي ومتكامل وشمولي.علي مستوي رابع، إن المشروع المجتمعي منظومة من القيم والتصورات وأنماط السلوك والحكم، داخل تركيبة مختلطة من التجربة التاريخية والدينية والثقافية ثم مكونات الحداثة والعصرنة والانفتاح علي الآخر والهوية والاندماج المجتمعي لغويا ومجاليا واجتماعيا واقتصاديا، ثم توزيع السلطة والخيرات ثم مدي الإشراك والمشاركة.المشروع المجتمعي مبني علي اختيار ايديولوجي غير قابل للإخفاء أو التستر، إن الايديولوجيا مسألة حيوية وضرورية لكل مشروع. وإن كل وهم مبني علي فكرة موت الايديولوجيا فهو لا يتجاهل الواقع من حولنا في أمريكا مثلا حيث تصاغ مشاريع اجتماعية وازنة وفاعلة عالميا ومؤثرة زمنيا، كلها واضحة المنزع الايديولوجي (من يمين ويسار فرنسا وألمانيا وإسبانيا وأوروبا عموما إلي اليمين الجديد في أمريكا).ضعفنا في هذه النقطة أننا استسلمنا لأيديولوجية موت الايديولوجيا وموت السياسة ذات الطابع الايديولوجي، وتسرعنا في استيراد المذاهب التكنوقراطية الفقيرة والمفقرة فكريا وسياسيا، لأنها تناسب تخلفنا الثقافي وتنسجم مع السلطوية والاستبداد الذي يحتقر ويستصغر النقاش العمومي والعلني.إن المشروع المجتمعي لا يبني فوق معادلات رياضية وأطروحات علموية أو تدعي العلمية، بل هو مشروع مبني علي اختيارات وانحيازات وأفكار مسبقة وأحلام وآمال بل وطوبويات . بهذا المعني فإن التشخيص والمضامين والسيرورة التنافسية والتعددية التي تضمن الحيوية والنفس الديمقراطي الذي يحافظ علي هذه الحيوية تكتمل ملامح كل هذا بالإحالة إلي الايديولوجية والإطار المرجعي.ہ كاتب من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية