الهجرة بين ضفتي المتوسط كابوس أوروبا وحلم بلوغ الفردوس

سعيد المرابط
حجم الخط
0

هيلينا مالينو: إسبانيا والمغرب يفتقران إلى شجاعة المبادرة لتسوية قضايا المهاجرين

الرباط-“القدس العربي”: لطالما كان المغرب، شماله على وجه الخصوص بوابة العبور نحو أوروبا، خصوصًا للقادمين من دول جنوب الصحراء، ولكن الأرقام الرسمية المغربية والإسبانية، تقول بارتياح أن أرقام الهجرة غير النظامية، قد انخفضت بشكل كبير منذ كانون الثاني/يناير الماضي، حتى يومنا هذا، وأنها هبطت إلى مستويات أقل من تلك المسجلة في العام الماضي.

هذه الهجرة التي تشكل كابوس أوروبا وهاجس وأحلام المهاجرين، جعلت من إسبانيا الباب الرئيسي للفردوس، وهذا الانخفاض الملحوظ، سواء في الوصول عن طريق البر أو عن طريق البحر، لا يفسر فقط بالحجر الصحي بسبب انتشار فيروس كورونا وحال الطوارئ على ضفتي المحيط، ولكن بدور المغرب الفعال الذي طالما تغنت به إسبانيا.

ففي عالم يتغنى بالحريات والتقدم والازدهار، لا يزال هناك من يفضلون المخاطرة بحياتهم في البحر ويعرضون أنفسهم للمخاطر بدلاً من الفقر والحرب والبؤس في بلدانهم الأصلية، حتى لو سيقوا عبيدا كما حدث في ليبيا، أو رحلوا للحدود وتم الخلي عنهم كما حدث للمغرب، أو حتى لو تركوا لمصيرهم بين لجج البحر كما حدث بين ساحلي المغرب وإسبانيا، فعالم الهجرة دراما لا تنتهي فصولها، وأينما اتجهت وجدت فصلا يختلف عن غيره، فما يرويه المهاجر ليس هو ما يرويه النشطاء الحقوقيون، المدافعون عن حقوق هؤلاء المهاجرين في عبور الحدود، وليس هو ما تقوله المحاضر التي ترقن لدى الأجهزة الأمنية والتقارير الرسمية.

في المحصلة، تكتسب “الهجرة غير النظامية” أو “السرية” أو “غير القانونية” وفق اختلاف المسميات، التي ظلت تتطور في العقد الماضي، أهمية فريدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط​​، خاصة بين إسبانيا والمغرب.

إصرار السلطات المغربية والإسبانية، على الحد من تدفق المهاجرين، يقابله تشبث المهاجرين بتحقيق حلمهم في بلوغ الفردوس الأوروبي، وتلك معركة مرافعات حقوقية لا تنتهي، بينما يظل المهاجرون هم الضحايا في “الحرب على الهجرة” التي تخصص لها الدول الـ28 ملايين اليوروهات، وتضرب فيها المملكة بيد من حديد، ما يجعل القضية مفتوحة أمام احتمالات الشد والجذب بين السلطات الراغبة في القضاء على الهجرة، وسعي النشطاء لتحقيق مقتضيات القانون وحقوق الإنسان.

وبعد قرار الملك محمد السادس ببدء حملتين منظمتين لتنظيم المهاجرين كجزء من استراتيجيته الجديدة للهجرة، ابتداء من عام 2013 قام المغرب بخوض تجربة تغييرات اجتماعية عميقة، كانت في شرعنة إقامة المهاجرين غير النظاميين القادمين من بقية القارة الأفريقية لدى الرباط، عبر وضع قوانين جديدة تسمح بدمجهم، يراها حقوقيون غير شاملة أو كافية.

وحتى كبلد عبور للمهاجرين من دول جنوب الصحراء، فقد أصبح المغرب أيضًا أرض استقبال ووجهة لتدفقات الهجرة من غرب أفريقيا، الأمر الذي أعطاه موقعه الجديد؛ في مجال الهجرة، والذي سمح لها بالتأثير على القارة الأفريقية، وأعاد تحديد مكانته كعنصر مؤثر في الجغرافيا السياسية الإقليمية للبحر الأبيض المتوسط، ​​ونوع تحالفاته الاستراتيجية حتى الآن التي تركز على أوروبا في قضايا الهجرة.

الدفاع عن الحقوق ليس جريمة

وفي هذا الإطار، وفي بحث “القدس العربي” عن انطباعات وتقييمات الخبراء الإسبان والمغاربة حول الهجرة غير النظامية بين الحدود الجنوبية لأوروبا (جنوب الأندلس) وشمال أفريقيا (شمال المغرب) لتحليلها في البلدين، وتقريب الاستنتاجات، كان هذا الحوار مع هيلينا مالينو، الناشطة الحقوقية الإسبانية والباحثة المتخصصة في قضايا الهجرة والإتجار بالبشر، ومُؤَسِسَةُ منظمة “كاميناندو فرونتيراس” غير الحكومية، التي تعمل من طنجة (شمال المغرب) على الاعتراف بحقوق المهاجرين.

في عام 2002 قررت مالينو الاستقرار في المغرب، لتعمل من بوابة أفريقيا المطلة على أوروبا على إدانة انتهاكات حقوق المهاجرين، حصلت على العديد من الجوائز التي تعترف بعملها، بما في ذلك جائزة حقوق الإنسان لعام 2015 من المجلس العام للمحامين الإسبان، وجائزة “الصحافة الوطنية” لعام 2018 من الجمعية الإسبانية لحقوق الإنسان، وجائزة “غرنيكا للسلام والمصالحة” سنة 2018 وجائزة أخرى عام 2019 بالمهرجان الدولي للصحافة المدنية في إيطاليا.

ولدت هيلينا مالينو سنة 1970 في مدينة إِلْ إخيدو محافظة ألميريا (جنوب شرق إسبانيا) وكرست سنوات عمرها لخدمة حقوق المهاجرين، من خلال تقارير، وتغريدات “تويتر” ورسائل الدعم للعائلات.

وبعد عقد ونيف من الزمن نذرته لإنقاذ حياة آلاف الأشخاص الذين حاولوا عبور البحر من أجل حياة أفضل، واضطهدوا من قبل الحكومتين المغربية والإسبانية، نشرت الناشطة كتابها الأول، الذي عنونته بـ”امرأة الحدود… الدفاع عن الحقوق ليس جريمة” والصادر هذا العام عن دار النشر الإسبانية “إديسيون بينينسولا” ويروي حكاية امرأة حقوقية قررت النضال من أجل الذين يخاطرون بحياتهم لعبور المضيق.

وفي هذه المقابلة الأولى لها مع وسيلة إعلام عربية، تروي مُؤَسِسَةُ “كاميناندو فرونتيراس” لـ”القدس العربي” حكايتها الخاصة، التي عبرت فيها ضفتي المحيط والحدود، من أجل إنقاذ الأرواح التي تمخر عباب المحيط نحو الفردوس الأوروبي، وهي الحكاية التي قادتها للمتابعة القضائية في المغرب بتهمة بالإتجار بالبشر، قبل أن تتم تبرئتها قبل بضعة أشهر فقط، في عام 2019.

*كيف كانت تجربة الانتقال للعيش في المغرب؟

**هي تجربة أعطتني الكثير من الأشياء، أغلبها إيجابي، كعدم وجود العنصرية وعدم الخوف مما يسمى “الإسلاموفوبيا” وتعلمت فيها الكثير مما غير في شخصيتي وأفكاري، كذلك أعطاني المغاربة دفء العائلة، التي وجدتها في جاراتي وجيراني، وأصدقاء أبنائي، أبنائي الذي وهبهم المغرب ثقافة أخرى ولغة أخرى، فهم يشعرون أنهم طنجاويون حد النخاع.

*كيف دخلت إلى عالم الهجرة كمدافعة عن حقوق المهاجرين؟

**في مدينة ألميريا كانت البداية، عندما بدأت اكتشف الطريقة غير الإنسانية التي يعامل بها المهاجرون هناك، كان أغلبهم مغاربة، وجزائريون ومن شمال أفريقيا وجنوب الصحراء، الذين يبدأون عملهم مُسْتَغَلُون بطريقة أقرب إلى العبودية، من هناك بدأتُ أكتشف قضايا المهاجرين وما يجري في الحدود، والوضع الاستراتيجي للدول الواقعة شمال أفريقيا، وسياسة الدول في التعامل مع قضايا الهجرة، وهكذا اكتشفت جرائم الدول التي من بينها بلدي إسبانيا في حق هؤلاء المهاجرين بمن فيهم نساء وأطفال.

الجرائم والانتهاكات

*هل تجدين صعوبات في عملك كحقوقية أجنبية تدافع عن حقوق المهاجرين في المغرب؟

**الدفاع عن حقوق الإنسان، خصوصا قضايا المهاجرين في السنوات الأخيرة أصبح صعبًا ومعقدًا وغير مرغوب فيه لدى الدول التي لا تعتبر بلد عبور للهجرة، أو التي تعتبر وجهة المهاجر، لأن عملي يفضح الجرائم والانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون، ولكن هذه الدول لا تريد أن تعترف بحقنا في الدفاع عن حقوق المهاجرين، ناسيةً أو متجاهلةً أن العدالة الاجتماعية والديمقراطية لا يمكن تحقيقها إن لم تضمن حقوق الجميع فوق أراضيها.

*ما تقييمك لوضع المهاجرين في المغرب؟

**على المغرب توفير الحقوق الأساسية لهؤلاء المهاجرين، على سبيل المثال الحق في الصحة، تسجيل أبنائهم في سجلات الحالة المدنية (السجل المدني) الحق في الحصول على وثيقة تثبت وفاة المهاجر في حالة توفى في البحر، لأن هذا المهاجر في المحصلة هو إنسان ومن حق عائلته التأكد من وفاته في حالة وقوعها. هذا من جهة ومن جهة أخرى لهؤلاء المهاجرين الحق في الحياة، فنسبة تعرضهم للموت أثناء عبور الحدود تفوق الـ50 في المئة، والمغرب وإسبانيا ملزمتان بموجب اتفاقية “الأمم المتحدة لقانون البحار” بإنقاذ المهددين بالخطر في عرض البحر سواءً أكانوا بحارةً أو مهاجرين، وعليهم بذل كل الجهود الممكنة لكي لا يموت أحد، وعملنا نحن هو إعلام السلطات بالقوارب المعرضة لخطر الغرق والموت بعد توصلنا بنداءات الاستغاثة.

*كيف ترين تعامل السلطات الإسبانية والمغربية مع المهاجرين غير النظاميين؟

**هذه الدول تفتقر حكوماتها إلى شجاعة المبادرة لتسوية قضايا المهاجرين، فإسبانيا هي الدولة الأوروبية التي بدأت بعسكرة الحدود عبر الاستعانة بدول خارجية مقابل المال؛ للحد من تدفقات الهجرة، وهذه الأموال التي أصبحت تعطى للدول من الاتحاد الأوروبي مقابل توقيف الهجرة، أفرزت لنا ما يسمى عسكرة الحدود، وهذا يصب في صالح الشركات التي تبيع الأسلحة لهذه الدول من أجل مراقبة الحدود. وحين نتحدث عن قضايا الهجرة لابد من الوقوف على أمرينِ مهمينِ؛ أولهما السياسة التي تطلبها أوروبا من المغرب والجزائر مثلا مقابل الدعم، هي سياسة عسكرية بكل ما في الكلمة من معنى، والثانية هي توفير شروط الحياة في هذه الدول حتى تكون دولًا للوجهة بدل العبور، وهذا ما يجعل هذه الدول تعيش حالة معقدة في قضايا الهجرة، فهي مجبرة بالعمل على تطبيق سياسة أوروبا والحد من الهجرة نحوها، كما أنها ملزمة بتوفير الحقوق لهؤلاء المهاجرين على أرضها، وتسوية أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

*في عرض المحيط تخلت سلطات البلدين عن إنقاذ مهاجرين غير نظاميين، وتعرضوا للغرق، ما هي معلوماتك حول تلك القضية، وهل ذلك صحيح؟

**نعم حدث ذلك مرات عديدة. وكما ذكرتُ لكَ سابقًا المغرب وإسبانيا ملزمتان بموجب اتفاقية دولية على حماية الأرواح البشرية في البحر، والدولة الإسبانية تمتلك واحدة من أفضل خدمات الإنقاذ البحري في العالم، “سالبامينتو ماريتيمو” تتوفر على قوارب وعلى طائرات وأطباء وكل شروط الإنقاذ، ولكن مدريد بدأت في خفض معداتها وميزانيتها، عكس المغرب الذي ليست لديها خدمة إنقاذ بحرية، بل هي موكلة إلى “البحرية الملكية” التي لا تتوفر على معدات كافية لذلك، وما حدث لهؤلاء المهاجرين هو أنه يتم التوصل بنداء الاستغاثة الذي أطلقوه ولم يتم التنسيق بين الجانبين.

*يمكن أن تروي لنا قصتك مع الاعتقال في المغرب، وهل أثر ذلك على حياتك الخاصة وعلى عملك الحقوقي؟

**بدأ ملفي منذ 2012 والممتلئ بتهم جنائية ثقيلة موجهة إلي، ولكن لم أعلم حتى سنة 2017 حين استدعيت من طرف العدالة المغربية، في سنة 2012  معلومات بعثتها شرطة مراقبة الحدود الإسبانية، إلى المغرب؛ تقول بأنني متورطة في تهريب المهاجرين من التراب المغربي، وتطلب من المغرب التحقيق في ذلك، وفي سنة 2014 السلطات المغربية ترد على نظيرتها الإسبانية بأن لا وجود لدليل على ذلك، وتطلب منها إرسال “الملف الجنائي الإسباني” الخاص بي، وفِي العام 2016 فعلًا، بعثت الشرطة الإسبانية ملفًا حولي، لكنها لم تتضمن فيه وثيقة من القاضي المختص بقضايا الإسبان المقيمين في الخارج، يؤكد عدم تورطي في تلك التهم الموجهة إلي، وهكذا تم استدعائي من قبل المحكمة المغربية، وواجهني القضاء بالملف الفظيع الذي بعثته سلطات بلدي، والذي لم يكن ملفًا به تحقيق للشرطة، بل كان مليئا بالكذب والتلفيق، لتوريط القضاء المغربي الذي لم يكن يعرف أن ما بين يديه هو تلفيق، رفضه قبله قاض إسباني، وأنهم يريدون توريط المغرب في اعتقالي. وهكذا بدأت حملة دولية للتضامن مع قضيتي التي كانت فعلا معقدة، وكذلك وجدت تضامنًا من طرف المجتمع المغربي والإسباني. لقد كان مؤلمًا التلفيق الذي تعرضت له، والذي يثبت أن أوروبا لا تريد مدافعين عن المهاجرين بأي شكل من الأشكال، ولا تريد من يوجه لها أسهم النقد ويحملها المسؤولية الحقيقية في ما يواجهه المهاجرون. ولكن بعد أشهر بت القضاء المغربي في قضيتي، وأعلن أن ما أقوم به في قضايا الهجرة ليس جريمة، شاهرا ورقة البراءة أمام ما كان يحاك لي، وقد أثبتت لي تلك القضية أنني في الطريق الصحيح، وعلي المواصلة.

*هل تفكرين في السعي لتحقيق العدالة بعد الألم الذي تسببت لكِ فيه تحقيقات الشرطة، هل تخططين لرفع قضية عنه في إسبانيا؟

**الآن لا أدري، ولكن حين أنظر إلى كل ما حدث، أرى أن الجميع داس على حقوقي بقديمه، ليس فقط حقوقي، ولكن حقوق أسرتي وحقوق أطفالي بطرق عدة، بدءًا من اتهامي بجرائم كاذبة وأدلة زائفة، مرورا بإرسال بياناتي الشخصية لدولة أخرى من دون تقدير تبعات ذلك. على سبيل المثال، لم يمر هذا التقرير عبر رابط السفارة المغربية، لقد تم انتهاك العديد من الحقوق في ملفي وهناك رجال شرطة وزعماء سياسيون متورطون. صحيح أنه يجب أن يكون هناك تعويض عن كل هذا الألم، ليس فقط بالنسبة لي، ولكن بالنسبة لكل الناس الذين تضرروا لمثل هذا.

*كتابك الأخير يعتبر تأريخًا لتجربتك الشخصية، فما هي رسالة الكتاب؟

**كتابي يحكي عن 18 سنة من العمل على قضايا الهجرة، وقد أثار صدى إيجابيا لدى القراء والمثقفين والصحافة الدولية، فهذا الكتاب لا يروي حكايتي فقط، بقدر ما يروي حكايات أشخاص آخرين، كما يوثق لما يحدث في الحدود للمهاجرين، تجاربهم ومعاناتهم أثناء رحلاتهم، وسياسة الموت التي تعالج بها الهجرة على الحدود. كتابي هو قصة حياة، قصة نضال وتجارب أشخاص شجعان للأسف فقدوا حياتهم وهم يبحثون عن حياة، وآخرون لا زالوا على قيدها. هو في المحصلة إدانة لسياسات الهجرة، وأتمنى أن يقرأه سياسيو المغرب وإسبانيا ليغيروا شيئا من أجل المهاجرين ويدافعوا عنهم، لم لا؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية