من “جمعة مشمشية” إلى “في المشمش”
الناصرة-“القدس العربي”: في مثل هذه الأيام، نهايات أيار/مايو ومطلع حزيران/يونيو، يبلغ موسم المشمش في فلسطين أوجه وهي ثمرة حلوة الشكل والمذاق ولها حضور غير قليل في الأمثال الشعبية والتراث، وهناك أنواع مختلفة من شجرة المشمش التي تطل علينا لفترة قصيرة وسرعان ما تختفي لـ “روحها الخفيفة” ومن هنا يقال “جمعة مشمشية” لوصف علاقات أو حالات عابرة. وتمتاز ثمرة المشمش بخصائص صحية كما يؤكد المهندس في الغذاء دكتور شربل حبيب لـ “القدس العربي” لافتا إلى أن هذه الثمرة الصفراء الحمراء اللون، تمتاز أيضا بنضجها في الوسط بين الصيف وبين الشتاء. موضحا أن هناك خمسة امتيازات صحية وغذائية للمشمش الذي ينضج ويتوفر لفترة قصيرة جدا يقال بالمجاز بالعامية “جمعة مشمشية”. ومن امتيازات ثمرة المشمش المستخدم أيضا كمربى ومادة في الكعك وفي سلطات الفواكه أو في بعض وجبات السمك، احتوائها على فيتامينات ومعادن كثيرة مثل فيتامين “أ” “بي” و “سي” و “إي” ومعدن الحديد وبوتاس ونحاس وغيره. كذلك يقول إن المشمش قليل السعرات الحرارية والدهنيات ويحتوي على كمية هامة من المواد المضادة للأكسدة تساعد في مكافحة شيخوخة الخلايا. كما يشمل مواد طبيعية كثيرة تحمي من أمراض خطيرة كالسكري والقلب والسمنة. ويشير حبيب إلى أن المشمش يشتمل على منافع صحية للعيون لأن الفيتامينات الكامنة فيه تحمي العين من تراجع قوة رؤيتها خاصة في الليل، مثلما أن هناك مواد طبية فيه تحمي شبكة العين من مخاطر حقيقية. وتلفت المستشارة في الغذاء سهير سلمان منير أيضا إلى أن المشمش يحتوي على ألياف من شأنها أن تعادل 10في المئة من حاجة البشر لها يوميا خاصة تلك تساهم في إذابة الكوليسترول. هذا علاوة على منفعة المشمش بالنسبة للجهاز الهضمي وتزويد الجسم بمكروبات صحية طيبة مثلما أنه يساهم في خدمة البشرة والجلد. وعن ذلك تقول منير إن شيخوخة الجلد مردها عوامل كثيرة منها الشمس وتلويث الهواء ودخان السجائر منوهة لإمكانية مواجهة ذلك بمواد مضادة للأكسدة وفيتامينات “إي” و “سي” المتوفرة في المشمش. منوهة أن مثل هذه المواد والفيتامينات تساعد البشرة في اكتساب القوة والمرونة وزيادة مناعتها مقابل أشعة الشمس وعوامل البيئة المضرة. كما تشير لكون المشمش غنيا بالسكريات، والألياف والكربوهيدرات ولصناعة “قمر الدين” من ثمرة المشمش بعد تجفيفها. وتخلص للقول إن المشمش مفيد جدا مثله مثل كل الفواكه وخصوصا بالفيتامينات والمواد المضادة للأكسدة. وتقول إن “ثمرة المشمش تعادل تقريبا ثمرة الكرز في فائدته لكن المشكلة إنها تبقى لفترة قصيرة جدا في السوق ولا تكفي للتغذية عليها لمدة طويلة”. وتعد الصين موطن المشمش الأصلي. وشجرة المشمش مثمرة ذات حجم متوسط، ومعمرة وانتشرت زراعتها في أغلب الدول وخاصة ذات المناخ البارد والمعتدل كما في بلاد الشام، خاصة سوريا التي تشتهر بالمشمش الحموي وفي فلسطين يعتبر المشمش البلدي أو المستكاوي الأفضل مذاقا. وتتميز الشجرة عن غيرها من أشجار الفاكهة بارتفاع درجة مقاومتها للجفاف والبرد الشديد، وبسرعة نموها في السنين الأولى من حياتها وبسرعة إثمارها. وزراعته تنجح في معظم المناطق وتجود في تربة الحواكير والجيدة التهوية. وأنواع المشمش المحلي: المستكاوي، والوردي، واللوزي، والكلابي.
المشمش في الأقوال الشعبية
ونجد ثمرة المشمش التي يعرفها الأرجنتينيون باسم “دمشق” في الأقوال الشعبية والتراثية العربية كالقول مثلا “في المشمش” وهو يعني أن الأمل بالحصول على الطلب شبه مستحيل. كما يقال “جمعة مشمشية” عندما يصفون شيئا جميلا كحالة توافق مميزة بين اثنين وسيزول بنظرهم بسرعة ومصدر المجاز من كون فترة نضوج فاكهة المشمش قصيرة وينتهي موسمها بسرعة.
وفلسطينيا يقال شعبيا “لقاط المشمش بدْوِش والحصيدة قصيدة” ويحكى أن لهذا المثل قصة تدور حول العمل الشاق والعمل السهل، وذكاء امرأة وغباء أخرى، إذ ينزل موسم جمع ثمار المشمش في وقت حصاد الشعير والقمح، وكان على العائلة أن تقسم العمل بين أعضائها فاختاروا للغبية عملاً سهلاً هو جمع ثمار المشمش، ولسلفتها العمل الشاق في الحصاد لأنها أقدر عليه، وفي المساء سألت الأولى الثانية عن العمل في الحصاد فقالت: “أكل المشمش بدوش والحصيدة قصيدة” أي أنها سهلة كالغناء، فرفضت الأولى العودة إلى لقاط المشمش وقامت الدنيا ولم تقعدها قبل أن يستجيبوا لطلبها بالذهاب لـ “الحصيدة” وهكذا تورطت في العمل الشاق لغبائها ونجحت الذكية في استبدال عملها الشاق في الحصاد في عمل سهل هو لقاط المشمش.
ويقال في الأحاديث الشعبية الفلسطينية إنه إذا كان موسم الزيتون أبا المواسم، فإنّ موسمَ المشمش أبهجها، إذ تصفرُّ حبات المشمش تباعا، فيقال في الأمثال الشعبية “نمّر المشمش” أي ينتهي الموسم وأول ما ينمَّر من الحبات الشرقيات والقبليات بسبب أشعة الشمس. واعتاد فلاحو بيت حنينا في الضفة الغربية القول إن محاولة التجار في مدينة القدس التبخيسَ والمفاصلةَ في سعر المشمش مما دفع بعضهم للقول أيضا إن هذا منبع شعورهم العدائي المستحكم تجاه المدن وأهلها إلى يومنا هذا. وذهبت بعض النساء للقول خلسة “لوما العازة ولّا خسارة فيهم المشمش” في إشارة للرخص.
ويأتي هنا المثل في المشمش الذي كان يستخدم عنوانا لمهرجانات تراثية خاصة بالهوية الفلسطينية الوطنية كما في بلدة جفنا للتحذير من الإكثار من تناول المشمش الذي قد يسيء للمعدة ويتعبها. ووردت ثمرة المشمش في أهازيج وطنية تعبر عن حنين ووجدان فلسطينيي المنفى والمهجر للوطن كقول “الدلعونا”:
لما بتتبسم والعين بترمش … بتيجي عا بالي يا غصن المشمش
طير الدّويري في بيتي معشعش … وانا في الغربي بتدمع العيونا
اختيار العروس
وأشجار المشمش من الأشجار اللوزية بمعنى أن أصل الشجرة عبارة عن أشجار اللوز المر ثم يطعم بالمشمش وقد استعملت هذه الصفة ما بين اللوز والمشمش في تفسير العلاقات العائلية وفي إعطاء النصائح الرمزية عن اختيار العروس فتغني النساء:
سلّ المشمش لا تكبش …. هود على اللوزية
زين البنات لا توخـذ…. دور عا الأصليـة
وتعني هذه الأهزوجة أو المقولة الشعبية أن الأصل أهم من المظهر والجمال، واعتمد في اختيارك على الأساس والأصل الطبيب. وفي لائحة الثمار الفلسطينية يقال ضمن إقران كل ثمرة في موسمها: “أيار توت ومشمش وخيار”.
التدرب على اللفظ أو في المزاح
كما أن لفظ مشمش يستعمل من قبل الأطفال في التدرب على نطق الكلمات الصعبة أو في رهانات المزاح والتسلية إذ يقول أحدهم للآخر إذا كان يتقن القول وبسرعة: ” هذا المشمش مش من مشمشنا، هذا المشمش من مشمشكم “.
في الطب القديم
وصف ابن سينا ثمرة المشمش في ” كفاية القانون ” بأنها تسكن العطش ودهن نواتها المشمش ينفع من البواسير وينفع نقيع المقدد من المشمش في مواجهة تبعات الحميات الحارة. وقال ابن البيطار إن المشمش ثمرة تجانس الخوخ لكنها أفضل من الخوخ، وهي تذهب بالبخر من حر المعدة وتبردها تبريدا شديدا. والمشمش في الطب الشعبي الحديث غذاء مغذ، منشط، مليّن، سريع الهضم عند الأصحاء .. أما المصابون بعسر الهضم فهو يؤذيهم. كان الأطباء العرب يستخرجون من زيت بذر المشمش دواء يعالجون به فقر الدم وآلام الأذن، فقد كان يكفي تقطير بضع قطرات دافئة من زيت بذر المشمش في الأذن المصابة، لتسكن آلامها على الفور، كما استعمل البذر كطارد للديدان، وكان غلي ثمرة المشمش مع زيت الزيتون وتقديمها للمصابين بـ الإسهالات الحادة كما تقول سهير سلمان منير. كما قالت ان المشمش له فوائد أخرى فشرائح ” قمر الدين المصنوعة من المشمش، أشهر من ان تعرّف، وخاصة في شهر رمضان المبارك حيث ينقع القمر الدين ويصنع منه شراب سائغ لذيذ، يروي العطش، ويساعد الصائمين على تحمل مشاق العطش والجوع. وفي بعض البلاد يحضر القمر الدين بعصير الفاكهة ثم تبخير العصير على الواح خشبية تعرض إلى أشعة الشمس، أو بوضعه على قماش مشدود وتركه يجف في الهواء الطلق.