لا أعرف كيف أروي لكم تلك القصة، التي لم تفارقني منذ شاهدتها. حكاية أم سورية مقهورة بثتها قناة «أورينت» الفضائية وانتشرت بشكل كبير على كافة مواقع التواصل الاجتماعي.
أبطال الحكاية هم فريق ملهم التطوعي، مجموعة من الشباب يحاولون مساعدة اللاجئين السوريين في تركيا، وإذا توغلنا داخل صفحتهم على «فيسبوك» فسنجد أنفسنا أمام كم من المأساة البشرية، التي يصعب على النفوس الطيبة احتمالها.
ولكن الفريق الحديدي، وبمجهوده الكبير وعزيمته وصبره وإنسانيته، يحاول مد يد العون لكل المعذبين والمرضى والمقهورين.
نفتح الصفحة ليقابلنا طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة. ينظر إلينا بعينيه الذابلتين، وهو يجلس في مكان لا يليق بالإنسانية، وكأنه يكاد أن ينطق من خلف الصورة قائلاً: ما ذنبي أنا؟!
ننحدر قليلاً لنجد الخالة فوزة مستلقية على فراش من الوجع بعد أن خانها قلبها الضعيف، تنتظر من يعطف عليها ويخفف عنها الألم، الذي لا يطاق.
أما العم محمد فهو ليس في أفضل حال. كسرت يده بفعل القهر ولم يعد قادراً على إعالة أسرته الصغيرة أو دفع ايجار المكان المتواضع، الذي يسكن فيه.
صور كثيرة لأطفال المخيمات وأخرى لأحلامهم الضائعة، التي لم تستطع الكاميرا التقاطها. وأي كاميرا تستطيع النفاذ إلى تلك الأعماق القصية، المختزنة بكل ما لا يمكن وصفه أو تصويره؟ ولكن قلوب الفريق استطاعت ذلك بقوة الحب والتعاطف الإنساني، فاستحال بعض تلك الأحلام إلى حقيقة متجسدة أمام أعيننا.
هكذا رصدت كاميرا الفريق فرحة الأطفال بعد حصولهم على هدايا العيد، التي جمعها شباب «ملهم التطوعي».
وقد عملوا أيضاً على تعزيز إبداع الصغار في مركز بيت اللغات في إدلب من خلال الألعاب التفاعلية، مثل الشطرنج، وتنمية الثقافة البيئية في رحلات منظمة والتعرف على آلية عمل الروبوتات، ومتابعة التكنولوجيا، وتنظيم الحفلات من أجل بعث بعض من سعادة الطفولة وبهجتها التي طمرها الخوف والموت والدمار.
قصص مؤثرة كثيرة نجدها على صفحتهم الفيسبوكيّة، ولكن هناك قصة لا يمكننا إلا أن نقف عاجزين أمامها، ولا نملك سوى ذرف الدموع، التي قد تطهرنا من الألم.
بدأت الحكاية حين قامت مجموعة من الفريق في شمال سوريا بجمع أم بابنها بعد فراق خمس سنوات. كيف تحقق هذا الحلم الجميل، الذي كان أقرب إلى المستحيل؟
يقول أحد المتطوعين: «زرنا الأسرة منذ ما يقرب من سنة في المخيمات وحكت لنا الأم عن ابنها الذي لم تره من سنة 2014.
منذ ذلك الوقت ونحن نفكر كيف نجمعها به. هذه اللحظات عظيمة جداً ليس فقط بالنسبة للأم والأب. ولكن لنا أيضاً.. لأننا عشناها معهم».
نعم من يمنح الفرح للآخرين يحصده أضعافاً..
هكذا نشاهد من خلف الشاشة الصغيرة شاباً متطوعاً يمشي في اتجاه خيمة تحاول معاندة الريح والثلج والعواصف والحر، علها تحمي رجلا عجوزا وزوجته بعد أن لجآ إليها.
تخرج السيدة وهي تحاول أن تسند طولها المهزوم من القهر والفراق واليأس. تنظر بحنية مفرطة إلى الشاب المتطوع. يقول لها: أعرف يا خالتي أنك تفرحين برؤيتي لأني مثل ابنك، الذي لم تره عيناك منذ سنوات.
تغص من الأسى وهي تنظر إليه وكأنها تحاول أن تبحث في ملامحه عن شيء يشبه ولدها الغائب فتخف حدة الألم والشوق.
لا تكاد تمر ثوان حتى يأتي وبشكل مفاجئ ابنها فتصرخ بأعلى صوتها وهي تضم المتطوع وتقبله:
يا الله يا خالتي!
تضم ابنها وهي تشمه وتبكي بحرقة وكأنها ترى للمرة الأولى روحه تستحيل إلى شعلات صغيرة تتراقص لتضيء ليلها المظلم وقناديلها الساهرة.
لطالما حاول الليل أن يشتد ليطبق على أنفاسها المتعبة وعلى ذاكرة الأماكن، التي عاشت فيها مع ابنيها قبل أن تأخذ الحرب منها واحداً، وترمي بالآخر في مكان بعيد عن حضنها وعينيها. ولكن الأمل والحنين كانا كفيلين بأن يوقظاها ويشعلا المخيم بأسره.
يا لها من حياة ظالمة!
أتساءل كيف استطاعت تلك الأم أن تعيش من دون مطر لا يتساقط إلا حين تسمع ابنها يناديها «يا ميمة»؟!
نظرت بتمعن إلى تجاعيدها، التي تبيت في ثناياها قسوة الأيام.
منذ رحل ابنها وحبات المطر لا تغسل وجهها المقهور ووجوه أمهات كثيرات منسيات. تلك الحبات تخترق الخيمة لتمطر عليها أو منها.
ربما كانت تخرج كل يوم، حافية تهرول باحثة عن فلذة كبدها ثم تعود منهزمة مكسورة. لكنه الآن عاد بفضل أولئك الشبان فاستعادت أنفاسها. عاد محملاً بهشاشته كلها. عاد لتستكين روحه بعد عذاب طويل وليغني لها: «أحنّ إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي، وتكبر فيّ الطفولة، يوما على صدر يوم، وأعشق عمري لأني إذا متّ، أخجل من دمع أمي! خذيني، إذا عدت يوما وشاحا لهدبك، وغطّي عظامي، بعشب تعمّد من طهر كعبك، وشدّي وثاقي، بخصلة شعر، بخيط يلوّح في ذيل ثوبك..».
*كاتبة لبنانيّة