د. جمال حضري إلى وقت قريب، كان تاريخنا العربي قد اختزلته الأنظمة وتوابعها الثقافية في ‘ثوراتها’ وانقلاباتها. ولم تكتف بأن جعلت مدار المرجعية الفكرية والاجتماعية للشعوب العربية على تلك المنعطفات، بل إنها وحدت سبل الشرعية والمشروعية في سبيل وحيدة هي الانتماء من قريب وحتى من بعيد إلى تلك الحقبة. فماذا كانت نتيجة هذا العدوان على مساحات هائلة من ذاكرتنا؟ وما كان مردودها على التكوين السياسي للنخب المتنفذة؟ والأخطر من ذلك ما هي السلوكات التي تكرست بفعل ذلك في فهمنا لسبل التغيير والتداول السياسي والحوار الفكري ونمو النخب على جميع الأصعدة؟1- ضمور الذاكرة التاريخية: إن اختزال تاريخ الشعوب العربية في منعطف الثورات الانقلابية -وحتى في الثورات الشعبية التي اختطفتها تيارات ضيقة على حساب حق الشعب كله في ملكية الانتصار واستثماره- قد أدى إلى تسليط الضوء على تلك المنعطفات بشكل أدى إلى ضمور دور كل أحقاب تاريخنا، رجالا وأحداثا، بل مناطق وجهات بأكملها تم تهميشها ورميها إلى غياهب النسيان حتى لا تشوش على نقاء الانتماء الجديد الذي ‘ولدت معه الشعوب العربية من عدم’. لقد أصبحت الذاكرة العربية قصيرة جدا، ويكفي تصفح المواد التاريخية أو الإعلامية بشتى وسائطها في بلادنا ليدرك المتشكك إلى أي حد اختصرت البلاد في شخص والتاريخ في حدث والفكر في فكرة واحدة والميول السياسية في لون واحد مهما تعددت ألاعيب التنويع المزيفة. وإذا وجد في تاريخ الشعوب العربية ما يستعصي على الإطفاء أو الإلغاء أو التهميش فهو يتعرض إلى ‘السرقة’ أو ‘الاختطاف’ وبتعبير سيميائي يتعرض إلى إعادة المفصلة (recat’gorisation) والتوجيه (r’orientation). نعم فلكل حدث تاريخي فارق في تاريخ الأمة محتواه الرمزي الذي تتفيأ الأجيال ظلاله وتتنسم مدلولاته وتستوحي دروسه وتستهدف آفاقه. ولأن الأنظمة يضيق صدرها بمصدر ‘ضرار’ كهذا فهي سرعان ما تلتفت يمنة ويسرة للانقضاض عليه بشتى الطرق وآخرها أن تستوعب هذا المكون التاريخي كيفما كانت طبيعته ضمن أدواتها التعويمية ليصبح جزءا من نسقها الفكري فتعيد تشكيل رمزيته ودلالته بما يخدم ديمومة مرجعيتها المتفردة. هل هناك أخطر من هذا التزييف؟ بالتأكيد لا، إلا ما يتولد عنه من سلوكات وأجيال.2-تكوين نخب الموالاة: ولأن صناع الثورات الانقلابية أو الثورات المختطفة بشر تلحق بهم عوارض الفناء، فإن ديمومة صروحهم السياسية والفكرية تعهدت بها أجهزة متنوعة، متراتبة ومغلقة. دعك من أجهزة القمع فهذه أهونها لأن شرها أشهر من أن يذكر، ولكن لنسلط الضوء على الأجهزة التي تقولب الفكر والسلوكات فتخرج للشعوب المستضعفة نماذج من الناس لديها كل الاستعداد (والعدة) لأن تفتدي ‘الثورة’ بأرواحها ودمائها. إن الأجهزة الثقافية والإعلامية التي لم تكف طوال حقب تولي هذه الزعامات عن ترسيخ الفكر الواحد والمرجعية الواحدة والمشروعية الوحيدة قد فرّخت لنا أنماطا من الناس لهم نسق للحقيقة والباطل غير النسق الممتد في تاريخ الشعوب العربية، كيف لا وقد أعيد تشكيل الخطاب الفكري بما يرسخ مرجع الحقائق في أقوال هذه الزعامات، وتبطل بفعل ذلك كل الأقوال المغايرة أو حتى المنزاحة ولو قليلا عن تلك المرجعية. كما تم ترسيخ قيم الولاء بما يعني الوفاء والخدمة للنظام القائم حصرا، وكل نشاط لا يؤدي ضريبة هذا الولاء فهو في خانة العدوان على ‘مصلحة الشعوب’ والخيانة ‘لطموحاته’. وما يترتب على إشاعة هذه الأنساق هو إضعاف حلقات التواصل الأفقي بين الناس ليصبح معيار الوطنية والمواطنة هو درجة القرب عموديا من السلطة المتنفذة ولو على حساب كل العلاقات الأخرى عائلية أو فكرية أو جغرافية الخ.. وإزاء تعزيز هذه المنظومة المغلقة على فكرة نقاء الولاء، يستحث خدمة السلطة وسدنتها كفاءات الشعب وإطاراته ليس على تقديم أجود ما لديهم من قدرات للتنمية بل على ابتكار أفضل الصور الدالة على الطاعة والانخراط في دائرة المنفذين. وهنا تتحرك هذه السلط من خلال علاقات أخطبوطية ممتدة إلى ‘حبل الوريد’ إلى غربلة كل متقدم إلى مركز إداري كبير أو حقير، فلا يتم الحصول عليه إلا بوساطة هي في حد ذاتها ختم بصحة الولاء وضمان بديمومة السلطة من خلال توريث جيل من الممسوخين المستعدين لبذل كل شيء مقابل العيش في كنف حام.3-وهم الإصلاح: ولأن الفساد بلغ مداه، والتعفن قد اتضحت أعراضه، ولأن ‘قيامة’ الأجيال الجديدة النابتة على أطراف القصور والضيعات ليس لديها ما تخسره من غياب هذه الأنظمة بكل أرصدتها المزيفة، رُفِعَت من جديد لافتة خادعة تسمى ‘وصفات الإصلاح’، والعجب الفاضح أن اللافتة ترفعها جميع الأنظمة الآن في مواجهة المد الثوري الجديد، هذا لأنها تعرف قبل غيرها أن كل الصروح التي شيدتها قائمة على شراء الذمم والولاءات. وهي مع ذلك تريد ‘الإصلاح’ لا التغيير وشتان بين مطالب التغيير الثوري الذي يستهدف إعادة تشكيل أنساق الفكر والمرجعية والمشروعية وبين أنظمة تريد الالتفاف على هذا المطلب من خلال إصلاح مزعوم يضمن استمرارها.4-دول متعددة لمدلول واحد: إن الساحة العربية الراهنة تشهد منعطف تغيير حقيقي، لأنه تغيير نابع من الذات، ولأنه يلقى كل هذا العنت والجبروت. إن حق الشعوب في إضفاء المشروعية لم يكن إلا وهما، والحكم باسمها ورسمها لم يكن إلا أكذوبة. فمن غير هذه الشعوب نفسها قام ليستعيد حقه؟ لماذا تقمع هنا وتضرب هناك إذا كانت الشعوب طرفا في عقد بين حاكم ومحكوم، هل هذه العقود زواجات كاثوليكية؟ إنها عقود تفسخ إذا لم تحترم، والشعوب خير شاهد على حرمة العقود ونفاذها، فلِمَ تُحرَمُ من حقها في التولية والعزل وهو سيفها الوحيد الذي تقوّم به اعوجاج الحكام؟ هذا صريح في دلالته على غدر طرف العقد الآخر، الذي ما إن يطمئن على الكرسي حتى ينسى من أين جاء ولم جاء وما ضريبة البقاء. والصور واضحة في التعبير عن عسر فك هذه العقدة، فشعب عربي فر حاكمه وآخر لا زال يعاند وراء القضبان شاهرا مظلوميته وآخر جمّد حياة وطن بكامله حتى يرضى الناس ببقائه، وأما آخر فدك البيوت على رؤوس من حكم باسمهم وصنّع ثورة لخلاصهم، وآخرهم يبيد الناس لأنهم أرادوا تغييرا يطال الحياة بكل أبعادها فأفرغ عليهم حقده وحزبه.
فأي منعطفات تاريخية صنعها هؤلاء إذا كانت الخاتمة بهذه البشاعة؟ وأي نخب تكونت في ظلهم إذا كانت نخبا دموية وحيدة اللون والنظرة لا ترى من حق في الحياة إلا تحت أرجل الزعامات؟ وأي أوطان شيدت وجيوش كونت إذا كانت قادرة في لحظة واحدة على تسليط هذه الجيوش على تلك الأوطان فهدمتها، أليست جيوشا في حماية الزعامات لا الأوطان وإلا فكيف تنقلب في لحظة من ‘حامية للديار’ إلى حاملة للدمار؟
ألا ما أوضح الصورة وما أجلاها، ألا ما أعظم البرهان وما أقواه، ألا ما أقوى الدلائل وما أنصعها وهي تقول: انتهت الخدعة، فلا تضيعوا الفرصة. ‘ كاتب جزائري