على الرغم من التعافي النسبي في سوق النفط الخام، ما تزال أسواق الخام المسال في العالم تعاني من انخفاض الطلب وتدني الأسعار. وتتراوح التقديرات من الآن وحتى صيف العام المقبل بين استمرار ركود الطلب، إلى التعافي المحدود لأسباب موسمية خصوصا في فصل الشتاء. إذا زادت حدة البرد في شتاء العام الحالي، فإن ذلك قد يدفع الطلب على الغاز المسال إلى أعلى بنحو 5 ملايين طن مقارنة بشتاء العام الماضي أي بنسبة 4.5 في المئة تقريبا. ولذلك فإن منتجي الغاز المسال يحلمون في الصيف بغزوة يشنها الجنرال ثلج على نصف الكرة الأرضية الشمالي في شتاء هذا العام.
ويتفق خبراء أسواق الغاز على أن الطلب على الغاز المسال وليس الطبيعي، هو محرك الأسعار في السوق، نظرا لما يتمتع به من مرونة الاستجابة لمتغيرات السوق على عكس الغاز الطبيعي. وتتأثر أسواق الغاز في الوقت الحاضر بعدد من العوامل التي تضغط جميعها تقريبا على مستويات الأسعار إلى أدنى. ومن أهم هذه العوامل انكماش الاقتصاد العالمي الناتج عن الإجراءات الاحترازية لمكافحة وباء كورونا، وما سبق ذلك من ركود عالمي، وانخفاض أسعار الغاز الطبيعي الروسي، والوفرة الكبيرة في إمدادات الغاز المسال، والمنافسة الحادة عبر الأطلنطي للغاز المسال الأمريكي الذي يريد أن يحصل على حصة كبيرة من السوق الأوروبية، وزيادة المخزونات في محطات استقبال الغاز المسال الثابتة والعائمة، الذي يحد من قدرتها على استقبال شحنات جديدة.
وكان الطلب العالمي على الغاز المسال في العام 2019 قد سجل ارتفاعا بنسبة 12.5 في المئة حسب تقديرات شركة شل العالمية، أحد أكبر اللاعبين في عمليات إنتاج الغاز المسال وتجارته. وعزت شل هذه الزيادة الكبيرة في الطلب إلى زيادة الاستهلاك في أوروبا نتيجة التحول في تشغيل محطات توليد الطاقة من الفحم إلى الغاز لاعتبارات بيئية، حيث يتم إخراج المحطات العاملة بالفحم من الخدمة نهائيا، وتقام بدلا منها محطات أحدث تعمل بالغاز. كذلك فإن انخفاض الإنتاج المحلي من الغاز في أوروبا أسهم أيضا في زيادة استيراد الغاز المسال الرخيص القادم من الولايات المتحدة، الذي تحصل عليه أوروبا بمعدلات خصم تجعله أكثر تنافسية مع الغاز الطبيعي الروسي الذي يوفر لأوروبا أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز اللازم لأغراض الاستهلاك المختلفة مثل تشغيل محطات الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي ووقود التدفئة.
وتقدم شل رؤية متفائلة على المدى الطويل للطلب العالمي على الغاز المسال، وتتوقع أن يتضاعف خلال السنوات العشرين المقبلة ليصل إلى 700 مليون طن مقابل 359 مليون طن في العام الماضي. وفي إطار هذه الرؤية تتوقع شل أن يتوازن سوق الغاز المسال في الأجل القصير بسبب التوقف عن تنفيذ استثمارات جديدة، وإبطاء الجدول الزمني لتنفيذ استثمارات بدأ تنفيذها بالفعل، وذلك بسبب الضغوط المالية التي تعاني منها الشركات المنتجة، وانخفاض أرباحها بشدة خلال الربع الأول من العام الحالي.
هذا التقدير المتفائل الذي تقدمه شل يقلل من أهمية التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة في سلة توليد الطاقة وبرامج (الطاقة الخضراء) في الدول الصناعية المتقدمة، خصوصا في دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك التحول السريع إلى توليد الطاقة عن طريق المحطات النووية كما هو الحال في كل من اليابان وكوريا الجنوبية.
وعلى العكس من شل فإن وكالة الطاقة الدولية تقدم تقديرات متباينة لاتجاهات الطلب على الغاز المسال، خصوصا في الأجل القصير. وطبقا لتقرير الوكالة الأخير الصادر هذا الشهر، فإن الانخفاض في الطلب العالمي يبلغ حاليا 4 في المئة ومن المتوقع أن يستمر حتى نهاية العام، على أن يبدأ التعافي التدريجي للسوق في العام المقبل. لكن امتداد تأثير وباء كورونا على الاقتصاد العالمي سيجعل التعافي هشا ومحدودا وليس من المتوقع أن تعود الأسعار في العام 2021 إلى ما كانت عليه قبل أزمة كورونا. الوكالة توضح أن الطلب في الدول الصناعية الناشئة مثل الهند والصين سيكون أقوى بكثير من الطلب في الدول الصناعية المتقدمة. وتقدر أن الدول الصناعية في أوروبا وأمريكا الشمالية وأوراسيا ستكون مسؤولة عن 75 في المئة من الانخفاض في الطلب العالمي على الغاز المسال، خصوصا بتأثير قطاع توليد الكهرباء، الذي سيكون وحده مسؤولا عن نصف الانخفاض في الطلب، تليه قطاعات الاستهلاك المنزلي والصناعي.
اتجاه الأسعار
وجاء في تقرير وكالة الطاقة الدولية، أن ارتفاع الطلب العالمي على الغاز المسال بعد العام 2021 سيتوقف على كل من الصين والهند، وهما الدولتان اللتان ستقودان اتجاه الأسعار في سوق الغاز المسال في آسيا والعالم.
وتتفق مؤسسة وود ماكينزي الاستشارية المتخصصة في أسواق الطاقة مع تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى حد كبير، من حيث ضعف الطلب على الغاز المسال في الأجل القصير، والتعافي التدريجي البطيء في الأجل المتوسط بعد عام 2021. وتتوقع المؤسسة حدوث انكماش في سوق الغاز المسال في صيف العام الحالي بسبب وفرة العرض، وارتفاع مستوى المخزون إلى ما يقرب من 90 في المئة من قدرة محطات تخزين وتوزيع الغاز المسال، إضافة إلى ضعف الطلب الناتج عن الأثر السلبي المزدوج لأسباب فصلية واقتصادية نتيجة استمرار أثر الإغلاق الاقتصادي لفترة من الوقت.
وعلى أساس هذه المعطيات، تتوقع ماكينزي انخفاض الطلب العالمي على الغاز المسال هذا الصيف بمقدار 3 ملايين طن تقريبا عن صيف العام الماضي، ليسجل أول انكماش منذ 8 سنوات، لكن مع دخول فصل الشتاء وزيادة الطلب على وقود التدفئة، وظهور بوادر التعافي الاقتصادي، فإن الطلب سيرتفع بحوالي 5 ملايين طن مقارنة بالشتاء الماضي. هذا التقدير سيتوقف على طبيعة الطقس في النصف الشمالي من الأرض، كما سيتوقف أيضا على كميات السحب من مخزون الغاز المسال لدى الدول المستهلكة المستوردة، مثل اليابان وكوريا في آسيا وألمانيا وإسبانيا في أوروبا. في اليابان سجل الطلب على الغاز انخفاضا خلال الربع الأول من العام الحالي، كما استمرت الواردات في الانخفاض خلال نيسان/ أبريل، ومن المتوقع أن يسجل الطلب في نهاية الربع الثاني من العام تراجعا سنويا بنسبة 3 في المئة وهو ما يثير الشكوك حول قدرة اليابان على المساهمة في تعافي الطلب العالمي في النصف الثاني من العام.
تعافي القطاع الصناعي
أما بالنسبة للصين، فإن تعافي القطاع الصناعي يقود الطلب على الغاز بشكل عام، لكن عوامل ضعف الأسعار في السوق الفورية للغاز المسال، وتنوع الإمدادات من روسيا والولايات المتحدة والشرق الأوسط، ساعدت الصين على تخفيض قيمة وارداتها من الغاز المسال، وكذلك تخفيض قيمة الواردات خلال الربع الأول من العام الحالي. ومن المتوقع أن يستمر الطلب في الارتفاع خلال الربع الثاني، لتصل كمية الواردات إلى 15 مليون طن، بزيادة سنوية نسبتها 12 في المئة.
الهند هي المحرك الثالث للطلب على الغاز المسال في العالم، وقد سجلت زيادة سنوية في الربع الأول من العام بنسبة 19 في المئة حسب تقديرات وود ماكينزي، لكن إجراءات الإغلاق الاقتصادي وتراجع الأنشطة بشكل عام في الربع الثاني حتى الآن من المرجح أن يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك بنسبة 24 في المئة مقارنة بالربع الثاني من العام الماضي، بما يعادل 4 ملايين طن.
كذلك فإن التقديرات بالنسبة للطلب في أوروبا في الربع الثاني من العام حتى نهاية الشهر الحالي لا تبدو مبشرة، رغم إنهاء إجراءات الإغلاق الاقتصادي جزئيا في الكثير من الدول الأوروبية. وقد رصدت مؤسسات التجارة وتتبع حركة الشحن، أن الشركات الأوروبية طلبت إلغاء أكثر من 20 شحنة من الغاز المسال من الولايات المتحدة، كان من المقرر تسليمها في حزيران/يونيو الحالي. ومن المتوقع أن تعجز مراكز استقبال الغاز المسال الرئيسية في شمال غرب أوروبا عن استقبال كميات كبيرة من الإمدادات خلال الربع الثالث من العام الحالي بسبب زيادة المخزون وقلة السحب منه. وسوف يتوقف الطلب على مدى التعافي الاقتصادي، وطبيعة الظروف الجوية خلال فصل الشتاء.
وتتفق تقديرات بيوت تجارة الغاز ومؤسسات الاستشارات المتخصصة في أسواق الطاقة، على أن قوة تعافي الطلب العالمي على الغاز المسال لن تتحقق قبل النصف الثاني من العام المقبل. وهو ما يعني أن المستويات الحالية للأسعار التي تتراوح بين أقل من دولارين للمليون وحدة حرارية في مراكز التصدير في أمريكا الشمالية وأوروبا إلى ما يقرب من دولارين ونصف الدولار في آسيا، سوف تستمر في المتوسط أو ترتفع هامشيا، لمدة 12 شهرا تقريبا من الآن، وهو ما يمثل ضغطا على ميزانيات عدد من الدول العربية يمثل الغاز المسال المصدر الرئيسي أو أحد المصادر الرئيسية لتمويل ميزانياتها مثل قطر ومصر والجزائر وسلطنة عمان.