القاهرة – «القدس العربي»: تجاوب مثقفون مصريون مع حملة ترمي للضغط على الحكومة المصرية من أجل تكثيف اتصالتها بهدف حض السلطات الفرنسية على محو الإهانة التي لحقت بأهم ملوك مصر «تحتمس الثالث»، والذي جسده تمثال فرنسي ورأسه تحت حذاء شامبليون، وشدد الخبير في الآثار الفرعونية راعي الحملة الدكتور حسين دقيل على أنه حري بالمصريين بعد حملة توجيه السهام لأصحاب التماثيل من الطغاة والتي أقيمت في أمريكا وبعض بلدان العالم مؤخراً على المطالبة برفع الإهانة عن واحد من أهم ملوكهم على مدار التاريخ، وأكد دفيل على أنه رغم أنف شامبليون سيظل رأس (تحتمس الثالث) مرفوعا!
واعترف الخبير الأثري أنه، لم يكن لديه علم بوجود مثل هذا التمثال إلا منذ ساعات! وتابع: الغريب أن الحكومة المصرية أيضا لم تكن على علم بوجود مثل هذا التمثال إلا في عام 2013، وحينها انزعجت!!
جدير بالذكر أن التمثال الرخام من تصميم افريدريك بارتولدي عام 1875. وفي البداية تم عرضه في «بارك إيجيبشين» الذي أنشأه عالم المصريات الفرنسي أوجست مارييت للمعرض العالمي لعام 1877 ويجسد التمثال الفرنسي شامبليون، وهو يقف بحذائه على رأس الملك المصري (تحتمس الثالث) أعظم من حكموا مصر طوال تاريخها.
وفي عام 2013، اعترفت الحكومة المصرية أنها فوجئت بوجود مثل هذا التمثال المسيء لمصر وحضارتها؛ ووصفته بأنه «مهين» و«مخز»، ولاحقاً كان من المفترض نقل التمثال إلى (فيجا)، مسقط رأس شامبليون، لكن المشروع لم يجد دعمًا كافيًا وبقي في باريس. وفي عام 1878، تم وضع التمثال في موقعه الحالي في فناء «كوليج دي فرانس».
جدير بالذكر أن التمثال أثار غضب واسع بين المثقفين وعلماء الآثار في مصر في عام 2013؛ فتقدموا باحتجاج إلى وزارتي الخارجية والآثار يدينان التمثال واصفين إياه بأنه «مهين للحضارة المصرية. فقامت الحكومة المصرية على إثر ذلك بحث الحكومة الفرنسية على إزالة هذا «التمثال المخزي»، بحسب وصف النخبة، غير أن شيئاً لم يتغير على أرض الواقع، وجدد عدد من المثقفين، من بينهم خبراء في الآثار مطالبهم بحجب التمثال، وذلك إثر إندلاع المظاهرات الأمريكية والأوروبية، التي تناهض العنصرية، كي يتم إزالة هذا التمثال المهين لحضارة مصر وتاريخها، والذي شبهه عدد من الأثريين المصريين بأنه يشبه صورة مقتل (جورج فلويد) تحت قدم ضابط الشرطة.
واللافت، حسب رأي دقيل، الذي تبنى حملة رفع هذا العمل المهين أن التمثال جاء تمثيلا لشخص كان من المفترض أن يظل في عقلية المصريين أنه قام بإنجاز ضخم تمثل في فك رموز حجر رشيد، والكشف عن الكتابة المصرية القديمة!
لكن الأمر جاء على شكل مخز ويفتقر لأي أحساس بالجميل أو التقدير. جدير بالذكر أن النحات الفرنسى بارتولدي هو نفسه مصمم (تمثال الحرية في نيويورك) في الولايات المتحدة الأمريكية.
وأكد الأستاذ في كلية الآثار حسن عامر أن هذا التمثال المخزي الموجود في باحة «كوليج دو فرانس» يمثل عارا لا بد من محوه، وطالب الجهات المسؤولة وفي مقدمتها وزارتا الآثار والخارجية بحث السلطات الفرنسية على ازالته.
وندد الفنان التشكيلي مجدي ونس في تصريحات لـ«القدس العربي» بالموقف المتخاذل للحكومة، واصفاً صمتها على الإهانة بأنه يغوي الآخرين على المضي قدماً في السخرية من تاريح الحضارة المصرية.وأضاف أن اللحظة الراهنة مثالية لتجديد المطالب برفع التمثال بل وتقديم اعتذار رسمي من قبل السلطات الفرنسية للشعب المصري.
وأعرب وزير الآثار الأسبق زاهي حواس عن أنه مع كل المساعي الرامية لوقف الإهانة التي توجه لملك مصر.
ونفى من قبل اتهامات له بالتقصير في الذود عن المصريين وحضارتهم، مشدداًعندما كان أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للآثار، لم يكن على علم بتمثال شامبليون لكنه أحيط بقصة التمثال، بعد أن ترك مهام منصبه، وعندما قام على إثر ذلك بالتوقيع على نداء أرسله المثقفون إلى السفير الفرنسي في مصر اعتراضًا على هذا السلوك غير المتحضر تجاه ملك مصري عظيم.
وشدد حواس على أنه دائم الحرص على الحفاظ على الآثار المصرية في الخارج. وأعاد للأذهان أنه عندما قام متحف اللوفر بشراء عدد من القطع الأثرية المسروقة من مقبرة من الأقصر، قام على الفور بإيقاف عمل بعثة اللوفر فى سقارة.
وتدخل الرئيس الفرنسى آنذاك ساركوزى. ولم تعاود تلك البعثة عملها فى مصر إلا بعد أن أعادت الآثار المسروقة للقاهرة. ولو كنت مسؤولاً عن الآثار في مصر الآن لقمت على الفور بإيقاف عمل كل البعثات الأثرية الفرنسية في مصر اعتراضًا على هذا التمثال الذي يهين أعظم فراعنة مصر، بل يهين كل المصريين منذ فجر التاريخ.
ودعا حواس، وانتهز هذه الفرصة لتوجيه نداء لوزير الآثار، كى يدعو اللجنة الدائمة للآثار المصرية للانعقاد لإرسال إنذار عاجل إلى الحكومة الفرنسية لإزالة هذا التمثال على الفور.
ولفت إلى أن هناك العديد من المتاحف التي تعرض الآثار المصرية في منتهى الاحترام والتقدير وبطريقة حضارية لائقة وتضعها في موضعها الصحيح الذي يليق بها.
كما ندد الخبير الزراعي هاني طبالة بالموقف المتهاون من إهانة الملك المصري قائلاً: عار علينا أن يظل هذا التمثال معروضاً في أي مكان وعلى الحكومه المصرية أن تبذل مساعيها لدى الجانب الفرنسي لإزالته فورا لأنه يمثل إهانة بالغة للمصريين.