بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: منذ أن برز محمد عطوان كاتبا في تسعينيات القرن الماضي، كانت له لمسة خاصة في دراساته التي اهتمت بالمجتمع العراقي وقراءة البنية الخاصة وعلاقات مكوناته، ثقافياً ومعرفياً وعرقياً، فقد حاول عطوان أن يفهم هذا المجتمع من خلال الدراسات الحديثة، التي حاولت تحليل فكرة الوطن والمواطن والعلائقية التي تنبع بينهما.
عطوان عمل في أكثر من منظمة مجتمع مدني تدافع عن المرأة وتنبذ العنف، كما أنه أعاد قراءة البنيات السياسية العراقية والعربية في رسالة الماجستير، ومن ثمَّ أطروحة الدكتوراه اللتين حصل عليهما من جامعة بغداد – كلية العلوم السياسية. الدراسة الأكاديمية أعطته دفعاً جديداً للبحث والتقصي وإيجاد بدائل للمناهج التي يقرأ عن طريقها طبيعة المواطنة والمفاهيم الثقافية التي تؤثر فيها وتتأثر بها في الوقت نفسه.
عن الهويات الثقافية والعنف الذي ظهر في مجتمعاتنا والتحولات التي طرأت على هذه المجتمعات، كان لنا معه هذا الحوار:
– من خلال قراءاتك للبنى الاجتماعية العراقية، هل كانت الثقافة في هذا البلد نتاجاً لبنيته الخاصة، أو بسبب المؤثرات الخارجية التي تلت ما عرف بالفترة المظلمة؟ وهل هذه المؤثرات وغيرها استمرت حتى وقت متأخر من تأسيس الثقافة العراقية؟
– قبل بناء الدولة الحديثة، وقبل خضوع العراقيين إلى موجات من التحديث والغربنة، خضع المجتمع العراقي إلى سياسات ثقافية طبعت طوائفه بأهم ذاكرتين ثقافيتين، ذاكرة عروبية وأخرى عراقوية، وهاتان الذاكرتان ساهمتا مع مرور الوقت في تعريف مرجعيات الجماعات فيه، وأصبحتا عمقين أساسيين في الثقافة العراقية. ما يعني أن المجتمع العراقي كان يتقوَّت قبل التحديث على تواريخ منشقة، ولم يستطع التحديث تجاوز ذلك، رغم محاولات تكييف البنى الوافدة والرغبة في تبيئتها محلياً.. لقد بقيت المؤثرات الثقافية القديمة تصنع في المجتمع العراقي أنموذجين على الدوام: ظهر الزهاوي إزاء الرصافي، والأهالي إزاء القوميين العروبيين، والشيوعيون إزاء البعثيين، والشيعة إزاء السُنّة، ولا أعني بالثنائيات هذه ظهور أنموذجين ايجابي وسلبي، إنما أنموذجان يعبران عن تصارع تاريخي مستتر وممتد، لم يستطع الوافد الثقافي بقيمه الصادمة أن يعدل من تركيبة الهوية الانشقاقية، أو أن يُمكِّن من إيجاد أنموذج الهوية الوطنية الجامع للعراقيين، لقد ظل المجتمع على هذا الحال يؤبد مقولة فيصل الأول بأن العراق بلاد من الملل والنحل..
– كيف تقرأ الأسباب التي جعلت المثقف غير مؤثر في مجتمعنا، بل تجمع حول نفسه على شكل نخب تشكلت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، غير أنها سرعان ما انهارت بعد دخول الأمريكان للعراق.. فعاد ليكون هامشياً بدون مركز يمثله؟
– لم يكن المثقف العراقي نتاج بيئة ليبرالية، ومنطق علاقات إنتاج تعزز البعد الفردي، ولم يكن وريثاً للثورات الاجتماعية الكبرى التي غيرت رؤية الغرب للعالم على مستوى الاقتصاد والاجتماع والفلسفة، إنه نتاج تشكل الدولة العراقية الحديثة.. وحيث أن المثقف الغربي انعكاس للبنية التحتية المادية، فإن المثقف العراقي عرض من أعراض البنية الفوقية، المؤمثلة، فوق التاريخية، ولأن الأحزاب السياسية العراقية تشكَّلت تعبيراً عن واقع المثاقفة مع الوافد، فإن المثقف العراقي هو الوجه الآخر للسياسي منها، لذلك ظهر المثقف العراقي ثمرة من ثمار الإيديولوجية الحزبية، والى الآن يُصنَف المثقفون على المواقف من السياسة، هذا يعني أن الوظيفة والدور اللذين لعبهما المثقف الغربي، لم يستطع المثقف العراقي أن يلعبهما في بيئته المحلية. المثقف الغربي نتاج التحرر والفردية والنقابية، أما المثقف العراقي فهو نتاج الجمود والخندقة والاصطفافات الضيقة. لذلك يبحث المثقف اليوم عن وظيفة ودور خارج مدار وتأثير السياسي، لكن، المجال العام يبتلعه السياسي بقوة، ما يجعل المثقف ينكفئ حضوره ويتقوض.
– ما زالت الأكاديمية العراقية تعمل بعيداً عن حاجة البيئة التي ولدت فيها، خصوصاً على مستوى العلوم الإنسانية. وفي الوقت نفسه لم تقدم هذه الأكاديمية جيلاً يحمل وعياً مجدداً، كما حدث في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي… ما الذي تغير في بنية الجامعة؟ ولماذا أصبحت مستهلكة لا منتجة؟
– إذا جاز لن أن نصف الجامعة ــ وأي بنية رمزية ومعنوية ــ بالخطاب، فإن جامعاتنا مثلَت وتمثل خطاب السلطة منذ خمسين سنة في الأقل. هي الجزء المؤسسي المُبتَلع من الدولة بفعل السلطة، وهي صورة السلطة في تطبيق نشاطاتها.. وحين نقول ان المثقفين العراقيين والتقنيين من الجامعيين مبتلعون بفعل الهيمنة الإيديولوجية، يصبح من الصعب علينا أن نتصور ظهور جامعات عندنا، مثل جامعات ماربورج وفرانكفورت التي أظهرت للعالم نماذج أسهمت في تغيير مسار الفكر السياسي والاجتماعي حينها. ولهذا السبب تكون جامعاتنا مستهلِكة لا منتِجة، يقتصر عملها على ترديد خطاب السلطة حسب، وتميل معه حيثما شاء أن يميل.
– هل للعنف، بمعناه الثقافي العام، تأثير في الدوائر الحياتية الأصغر وأعني بذلك تأثيره على الأسرة؟
– لم تكن ممارسة العنف ضد المرأة جديدة على المجتمع العراقي، لكن تفشي الظاهرة بمعناها الاجتماعي الواسع في السنوات الأخيرة ساهم بشكل كبير في تدعيم ممارسته، ومن الضروري الالتفات في هذا السياق إلى التأثير المتبادل بين المجالين الاجتماعيين العام والخاص، ومدى فاعلية المجال العام في صناعة ترسيمات إدراك عند الرجل حيال المرأة، ومعاينة المحمولات الرمزية الداعمة لمسائل الهيمنة. إن إذكاء أفراد المجتمع في السنوات العشر الأخيرة العنف القائم على اعتبارات سياسية، جعل من المستساغ تعاطي العنف بمستوياته الأدنى أيضاً، ومنه العنف الموجّه ضد المرأة، سواء أكان في البيت أم في الشارع. لقد ساعدت الطبيعة الإيديولوجية للصراع على ممارسته في المستويات الأدنى أيضاً، ذلك لأن طبيعة الصراع تفترض تصادم حدين: مؤمن وكافر، طاهر ونجس، مقدس ودنس، ملائكي وشيطاني، قوي وضعيف، ذكر وأنثى، لذلك، تعمل هذه الطبيعة على تنظيم آلية المجابهة، وفق ثيمة مركزية واحدة، جوهرها تملّك السلطة، وإن تمايزت أوجه المجابهة بين دوائر الصراع المختلفة من جهة تمثيلها للمستهدَفين، التي من ضمنها دائرة تصارع الأسرة بحدّيها الرجل والمرأة. لذلك أود في هذا الحوار أن اكتفي حسب، بتشخيص ومعاينة العلاقة القائمة على نوع من الهيمنة الذكورية ليس إلا.
– كيف تقرأ العنف الذي يمارس في المجتمع، والنساء على وجه الخصوص؟
– تشمل ثقافة العنف ضد النساء كل الممارسات الفعلية والخطابية، وكل القيم والصور والرموز التي تُفضي إلى العنف ضد النساء، أو التشجيع عليه، أو تُفضي إلى استبطان العنف والدفاع عنه من قبل النساء أنفسهن، أو تُفضي إلى تشجيع ضحاياه على الصمت عنه، وعدم اللجوء إلى سلطة القانون لفرض العقاب على المعنِّف. فثقافة العنف ضد المرأة هي التي تجعل عموم الناس يعتقد بأن العنف ليس عنفاً، وهي التي تسمي العنف بأسماء أخرى؛ حماية المرأة وتهذيبها وتأديبها أو الدفاع عن الشرف والعرض والخصوصية الثقافية.
– إذا اعتبرنا أن العنف الأسري نتاج بيئة ثقافية ــ اجتماعية أوسع، كيف تصف لنا ــ عند هذه الجزئية تحديداً ــ تأثير العنف على الأُسرة بوصفها نواة أساسية في بنيان اجتماعي عام؟
– يمكننا أن نشير إلى أن المجتمع العراقي الحالي هو نتاج ثماني سنوات حرب، وعشر سنوات من الحصار الاقتصادي، وكلاهما ساهم في تفكيك بنية الدولة، وأفضى إلى تحلل بنيتي التعليم والقضاء، ما جعل، ذلك كله المجتمع مجالاً رخواً لاحتضان موجات عنف شرسة على الصعيد الاجتماعي العام، وقبول قيم طارئة، نتيجة وفود عادات وتقاليد عشائرية وشعبية، صنعت موقفاً يتعامل مع موضوع الحريات بطريقة محافظة، فضلاً عن شيوع نوع من التديُّن الشعبي والتقاليد العرفية الموروثة. وهو ما أدى إلى تعميق الهيمنة الذكورية، وتقليص صلاحيات المرأة وعنونة مهامها، الأمر الذي انعكس على ميزان السلطة الاجتماعية الذي وضع المرأة ضمن دائرة إدراك الرجل، وجعلها ثيمة من ثيمات الخضوع التي تتحدد في ضوئها معاني الهيمنة داخل المجتمع المحلي. فالتمييز ذاته؛ يعني في ما يعنيه؛ مدخلاً لاستساغة العنف الذي ليس مصدره الأفراد حسب، بل البنى الاجتماعية والقانونية التي يتبناها الأفراد والجماعات على حد سواء.
– نحاول أن نقترب معك من تشخيص طبيعة العلاقة داخل الأسرة، التي عادة ما تقوم على نوع من الهيمنة الذكورية. هل لك أن تحدد ما يميز الرجل عن المرأة حقاً، فيعطيه الأفضلية من الناحية الوظيفية؟ أم أن الموضوع برمته يتجاوز الوظائف الاجتماعية المألوفة ليحقق أفضلية رمزية لجهة السلطة الذكورية؟
– ليس صحيحاً تحديد قوة وضعف المرأة من خلال الارتكان إلى معيارية ذهنية، أو إدارية أو حتى جسمانية، إلا لأن البناء القيمي للمجتمع نفسه يريد أن يموضع المرأة في حالة من الضعف الزائف، لذلك، لم نجد عند السوسيولوجيين والانثروبولوجيين وعلماء السلالات البشرية ما يؤكد على ضعف المرأة من الناحية الوظيفية ولو عرضياً. وإن المفاضلة بين الذَكر والأُنثى لم تكن لتستقيم بصورة نظرية حسب هذه المعايير، إذن فإن الميدان الرمزي بصورة كبيرة هو ما يسهم في بناء سلطة ذكورية في الواقع. وإن ثمة تاريخا من التمثيل الثقافي في العراق يصوغ للأُنثى صوراً لا حد لها.. ربما يظهر رأي مدني يدّعي مناصرة الأنوثة، لكن لا تعني الأنوثة عنده ــ بتعبير بورديو في الهيمنة الذكورية ــ شيئاً آخر، سوى «شكل من أشكال المجاملة»، وبالنتيجة فإن علاقة التبعية تنحو لتصبح مكونة لكيان المرأة. بمعنى آخر؛ أن أي اعتراف بالمرأة إنما يُخفي تحايلاً حذقاً يفيد في عدم إظهار الموقف على حقيقته الواضحة، فالاعتراف للمرأة بالعمل العمومي، أو الإذعان لقدراتها في المجالات الذهنية المتنوعة، إنما ينطوي على تعال ذكوري دفين، يتحين الفرص الملائمة لكشف الشعور الحقيقي الكامن وراء ذلك، ولإعادة الاعتبار لمنطق الهيمنة السائد.
– من خلال توصيفك للعلاقة بين الرجل والمرأة، ألا تلاحظ أن حضور المرأة في المجال العام يؤشر الى نوع من العطل لدى الرجل، أو يوقظ فيه مخلفات من الهيمنة البدائية، كما لو أن العلاقة بينهما تقوم على طرد أو إزاحة؟
– الواقع يشير إلى ذلك حقاً، إذ بصرف النظر عن الوظيفة العامة التي تشغلها المرأة، فإنها تُشعِر الرجل بنوع من الإزاحة الجدية له من مواقع السلطة، سواء أكان ذلك داخل البيت، أو في المجال العام، فلا يعيل صبراً أمام نسقية المجتمع السائدة التي تستهجن عطله مقابل فاعلية المرأة، ولا تزال هذه القيمة صعبة القبول في ثقافتنا. وما من شك، فإن عمل النساء في المجال العام أصبح مألوفاً ومتوسعاً. إن الحديث عن السلطة الرمزية التي يحوزها الرجل هو في الواقع حديث عن سلطة بناء الواقع، التي تبقي مجالاً قيمياً معيناً، يبرر أسباب الهيمنة والخضوع، وبالتالي، تستهدف مثل هذه السلطة أي محاولة هتك تطال مصير هذا البناء، والحيلولة دون انفلات معاييره الرمزية. حتى تغدو الرموز هي أدوات التضامن الاجتماعي التي تكيف سلوك المرأة وتصنع استعداداتها.
– ترى إلى أي حد يمكننا أن نتصور انطباق جدلية السيد والعبد على تابعية الانثى للذكر؟
– تحاول المرأة، أن تبرر رمزياً أسباب الهيمنة في بنيان الفحولة، وتبوبها ضمن الأخلاقيات الحياتية التي تُلقى على عاتق الرجل في لعب دور الموجِه والمؤدِّب، فغياب الهيمنة يجعل الرجل في موضع المسؤولية الجليلة التي تفضي به إلى أن يصبح ضحية أحكام الواقع أحياناً، وليس المرأة هي الضحية في هذا السياق. بمعنى آخر؛ أن أي خروج على النسق السائد في نظام الأسرة يضع الرجل في حالة ارتباك، ولعل مثل هذا الهول هو ما يدفعه إلى تكثيف فاعلية العنف لتجتمع فيها شتى أشكاله الموجهة للمرأة، لذلك فإن حجم ما ينتج عن الانفلات لا يُضمَن خطره إلا بصنع تمثيلات رادعة.
– بناء على ما تقدم، هل يمكننا الاستفادة من طرح فوكو لمفهوم التمثيل؟
– نعم، بالاستفادة من تحليلات فوكو المتعلقة بمفهوم التمثيل، فإن الاهتمام برصد آلية المعاقبة، ودرجة انتقالها من المشهد العلني الملموس، الذي يكون فيه الجسد؛ هو موضوع التعذيب، إلى «فكرة» العقوبة التي تنشئها الذات (ذات الذَكر)، تصبح عينها فكرة رادعة. وبذلك تُقحَم المرأة داخل متن من التمثلات الوهمية والمعتادة، فيحصل ترويضها وتحييدها، بواسطة ثقافة الذَكر عينه (لاحظ أنني أركّز على كلمة ذكر بدلاً من رَجل لما للأولى من إيحاءات جنسية في مثل هذه المنهجية). وعلى ذلك، يضفي الذَكر حججه لإخضاع الأُنثى، ومعاقبة من ينوي الخروج ضده، فتضطر الأُنثى إزاء ذلك، إلى «الرضوخ» تحت تأثير حزمة من القناعات المعقدة المسبَّقة، والقبول بعلاقة «قهرية» ترضى بوضع التابع. واللافت في ذلك، هو تركز مثل هذا الوعي في المدن أيضاً، لا في الأرياف فقط.
– وأين ذلك من جدلية السيد والعبد الهيجلية؟
– هنا يتقن العبدُ ثقافة السيد أكثر من السيد نفسه، فلا تكون علاقة السيد بالعبد نِدِّية، والتي تقود إلى العنف غالباً، إنما يتلبس العبد/ الأُنثى منطق الاستجابة هذه المرة، حتى تصبح الاستجابة وجوداً متعيناً.. ويصبح قبول العنف استجابةً طبيعية. وهذا العنف، هو: من باب العنف الرمزي الهادئ اللا مرئي واللا محسوس حتى بالنسبة إلى ضحاياه، يحصل فيه أن تتشاطر الضحية وجلادها التصورات نفسها عن العالم، وتصبح بفعل العادة من المسلمات والثوابت.