لا نبي في وطنه! أو المحلية الظّالمة

كثيرا ما فرض السؤال الثقافي الخاص بالمحلية نفسه، في العالم العربي، مناهضا سؤال العالمية أو مكملا له. هل المحلية، حالة طبيعية تصاحب التحولات الثقافية في كل بلدان العالم، أم أنها خصوصية تضيق الآفاق الإبداعية وتدفع بها إلى التقوقع والموت البطيء والعزلة؟ هل هي فعل مرفوض يحيل إلى حالة من الضيق لا تستقيم مع الفن بوصفه تعبيرا عن الاتساع والحرية، أم هي حلم يستمر في النمو عميقا داخل كل فنان يريد أن يصل إلى شعبه ليتحول إلى ضمير حي وحالة رمزية تستمر في الحياة حتى بعد موت الفنان، أو عندما تنكسر اليقينيات الكبرى التي بنى عليها مجتمع ما من المجتمعات إرثه وتاريخه؟ أم المحلية ليست لا هذا ولا ذاك، مجرد حالة من التشوق المدفون في عمق كل إنسان طمــــوح، بحــثا عن فضاء أكثر اتساعا يجعل من المحلية معبرا صغيرا إجباريا، تمر من خلاله القنوات الأولى للعالمية التي تقذف بالكاتب والفنان نحو فضاءات لا شيء يحدها إلا الرغبة في التوغل عميقا في تضاريس الأرض الكبرى.
ويصبح الخروج من دائرة المحلية والضيق والانتماء إلى أفق إنساني مشترك والقدرة على الإسهام في قيم الحاضر المتداخلة بدون حدود ولا حواجز، هو المبتغى والحلم الأسمى؟ لكن هذا يفترض مسبقا القدرة على إنتاج هذه القيم العليا التي تتخطى المحلية في ظل عطالة الأنظمة وقهرها وتخلفها الحضاري وسيطرتها على القدرات الخلاقة لمجتمع من المجتمعات والسيطرة على ضميره الجمعي واستنزاف أحلامه بشكل دائم، لأن المحلية في هذا السياق ليست بالضرورة عتبة نحو العالمية ولكنها ضرورة تاريخية في الفعل الثقافي الجمعي وانتقاله من الحياة المادية إلى ترميز المرجعيات الكبرى، الدينية والاجتماعية.
لكن المشكلة التي تعترض الثقافة العربية، في سياق المحلية تحديدا، كبيرة وغير محسومة. للمحلية معضلاتها التي تبدو وكأنها محققة ومنتهية بينما الواقع الحي يثبت عكس ذلك. تطرح المحلية أمامنا مجموعة من الأسئلة التي تبدو للوهلة الأولى في شكل مسلمات وهي ليست كذلك؟ مثلا، عن أية محلية نتحدث عندما نثير القضية في سياق الأدب العربي؟ المحلية المنغلقة في المكان والزمان والتي لا ترى الأدب ووظائفه خارج دائرة محكومة بمجموعة من اليقينيات والدوغما العمياء التي أثبت التاريخ ضحالتها واضمحلالها، أم المحلية التي ترتبط بالقيم الإنسانية الحية والمشتركة مع هموم بقية البشر، أكثر مما تضع نفسها داخل دائرة أو مجموعة من الدوائر المسدودة أمام التحولات الإنسانية والمعارف البشرية ومعضلاتها؟ أكثر من هذا كله، ما معنى المحلية في الوطن العربي الواسع الذي يموج ببشر يقارب عددهم 300 مليون نسمة، ومساحات واسعة كفيلة بأن تشكل إمبراطورية وتمايزا جغرافيا وثقافيا؟ هل المحلية إذن هي الارتباط بالقطرية وببلد معين في سياق جغرافي محدد؟ أم المحلية في سياق الوطن العربي، تعني المشترك اللغوي والثقافي والإحساس العميق بالتاريخ والحضارة؟ مَنْ مِنَ الكتاب العرب الذي استطاع أن يخترق اليوم كل الحدود الموضوعة في طريقه ليمس الحدود القومية لجماعات بشرية تمتلك نفس الهواجس ونفس لغة التعبير الأدبي ومعرضة لنفس الضغوطات الثقافية والسياسية وحتى العسكرية؟ ربما كان عدد الذين حققوا هذه المحلية العالية قلة قليلة ويعدون على رؤوس الأصابع من طه حسين إلى توفيق الحكيم مرورا بالشابي ونزار قباني وأدونيس ودرويش وانتهاء بنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وحنّا مينا وعبد السلام العجيلي ونبيل سليمان وغيرهم؟ ما يزال العجز في تحقيق المحلية موضوعة تستحق كل الاهتمام والبحث لأن جوهر الأشياء وعمقها وتجليها الحر والعميق والمترسخ أيضا، قبل الانتقال إلى الحديث عن العالمية ولو أننا ندرك ونعرف من خلال التجارب الثقافية والإبداعية العالمية، سلفا أن ثنائية: محلية/عالمية، غير متلازمة دائما وتحتاج إلى مقاربات أكثر عمقا ووضوحا، إذ يمكن أن نجد كاتبا تخطى حدود وطنه قبل أن يجمع عليه أهله وذووه لأسباب يتداخل فيها السياسي بالحسابات المختلفة التي لا علاقة لها بالأدب والفن وتتحول المحلية إلى مقصلة لقص رؤوس الإبداع، وأداة قهرية قامعة تنقل المعركة من فشلها الداخلي إلى الآخر الذي يشكل باستمرار المشجب الذي تعلق عليه كافة الإخفاقات (ولو أن جزءا من الحقيقة موجود في هذا الكلام، لكن عماه يطمس عليه أي وضوح في الرؤية) لأنه يناصر كتابا لا محلية لهم ولا حضور لهم في أوطانهم بهدف ضرب الإسلام والعروبة والخصوصية الحضارية التي تحول فجأة إخفاقا داخليا إلى حرب صليبية مدبرة.
أي أن السبب دائما هو الآخر وليس نحن أيضا، نشترك على الأقل في قدر ولو طفيف في المسؤولية، ولنا في الرواية العالمية أمثلة كثيرة، من الصيني- الفرنسي غاوو الذي ثارت ضده الصين قبل غيرها عندما منح جائزة نوبل بحجة أنه من المنشقين!ّ وكأن الكاتب لا وظيفة له إلا ترديد الخطابات المهيمنة، ويتم خلط الوطنية/النظام ! مرورا بالكاتب إسماعيل قدري من البانيا الذي هزت كتاباته العالم ولم يجد في وطنه إلا من يشتمه بانتمائه للغرب الغازي.
ولم تكلف الأوساط المحلية نفسها معرفة الحقيقة التالية: إن اسم ألبانيا في العالم صار مقرونا بكتابات هذا الرجل التي تشكل امتدادا للتراجيدية اليونانية، إذ أصبح الكاتب في صورة وطن.
ونجيب محفوظ وهو الكاتب الكبير والمؤسس لفن قائم بذاته لم ينج من تهمة محاباة الصهيونية مما سهل له الطريق إلى جائزة نوبل، وانتهاء بالكاتب التركي أورهان باموك الذي كان عليه أن يدافع عن نفسه، في وطنه من سلطان المحلية الظالمة، من تهمة المس بمصالح تركيا الكبرى بسبب تصريحه لجريدة سويسرية بأنه بين سنوات 1915 و1917 قتل أكثر من مليون أرميني و30000 كردي على الأراضي التركية.
المحلية إذن ليست أمرا محسوما! لهذا فالمحلية ليست دائما حالة إيجابية ولكن لهــــا صورتهـــا الخلفية التي تعيد الفنان إلى فكرة: لا نبي في وطنه. وهي مقولة ما تزال صالحة إلى اليوم.

واسيني الأعرج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية