المغرب العربي: الفشل يفتح الباب للقوة الامريكية

حجم الخط
0

المغرب العربي: الفشل يفتح الباب للقوة الامريكية

عابد شارفالمغرب العربي: الفشل يفتح الباب للقوة الامريكيةبينما تتشكل في مختلف مناطق العالم تجمعات جهوية اقتصادية أو سياسية، أخذت بلدان المغرب العربي الاتجاه المعاكس، فكرست عزلتها داخل الحدود الوطنية لكل دولة، مع تضاعف التوتر علي الحدود ورفض أغلب أشكال التعاون.وأغلقت بلدان المغرب كل الأبواب رغم بروز معطيات جديدة تؤكد ان حل عدد من المشاكل لا يمكن ان يتم الا بالتعاون علي مستوي واسع يشمل كل البلدان المغاربية اضافة الي أطراف أخري. ورغم الخطاب السائد حول ضرورة بناء الغرب العربي و المصير المشترك الذي يتبناه القادة، فالواقع يؤكد تراجعا واضحا في المبادلات والتشاور والتعاون، مما يشير الي ان الكوارث التي تهدد المنطقة لن تجد الهياكل الضرورية لمواجهتها اذا وقعت فعلا.ويبرز هذا الفشل الواضح حتي في التبادلات التقليدية بين بلدان المغرب العربي، حيث كانت الجزائر وليبيا مثلا تتبادلان منذ ثلاثين سنة حدا أدني من الزيارات كما كانت تتشاور في عدد من القضايا. الا ان الأزمة التي عاشتها الجزائر في التسعينات واعادة ليبيا النظر في مواقفها أدت الي غياب شبه كامل للتعاون بين البلدين. وكانت تونس والمغرب حليفين للغرب منذ الاستقلال، لكن انعدام مجالات التعاون الاقتصادي دفع كلا منهما الي البحث عن حلول وطنية في علاقاته مع أوروبا والغرب بصفة عامة، الي درجة ان البلدين أصبحا يتنافسان في جلب السياح الأوروبيين، مع العلم ان السياحة تشكل جزءا مهما من مداخيل البلدين من العملة الصعبة. أما موريتانيا، فتبقي نقطة الضعف في هذه العلاقة المغاربية، لان وضعها الجغرافي ووزنها لا يسمح لها بالتأثير علي ميزان القوي في المنطقة.وتكرس هذا المأزق في شلل اتحاد المغرب العربي الذي اُنشئ قبل 17 سنة في اجتماع الجزائر وجمع الملك الحسن الثاني والقائد الليبي معمر القدافي والرئيس التونسي زين العابدين بن علي والجزائري الشاذلي بن جديد. فبعد التدابير الأولي التي فتحت مجالات وآمالا كبيرة، عادت الخلافات لتحتل الواجهة، فأغلقت الحدود الجزائرية المغربية سنة 1994، وتراجع التعاون، كما تراجع عدد اللقاءات، وعادت الأزمة الي ما كانت عليه في الثمانينات.وبذلك يكون القادة المغاربة من جهة قد فشلوا في تحقيق ما وعدت به حركات التحرير قبل أكثر من نصف قرن، لما كان الحلم المغاربي يفرض نفسه علي الجميع. وكانت أول حركة وطنية جزائرية برزت سنة 1924 قد أخذت تسمية نجم شمال افريقيا ، مما يؤكد النظرة الشاملة التي كانت سائدة في تلك المرحلة. ويري أحد قادة حرب التحرير في الجزائر ان الحدود صنعها الاستعمار وكرسها الاستقلال بدل ان يزيلها . ويقول الأخضر بورقعة، ضابط سابق في جيش التحرير الجزائري، ان ثوارا من المغرب كانوا في الكتيبة التي كان يقودها، قبل ان يكتشف بعد الاستقلال ان عليه ان يحاربهم خلال حرب الرمال التي اندلعت بين الجزائر والمغرب سنة 1963. ويضيف ان الفاجعة كانت بالنسبة له تماثل تلك التي أصابته لما وجد نفسه مضطرا الي محاربة جزء آخر من الجيش الجزائري أثناء النزاعات التي وقعت مباشرة بعد استقلال الجزائر أثناء ما يعرف بحرب الولايات.واصبح هذا الفشل في تحقيق أحلام الماضي يشكل خطرا علي البلدان المغاربية في الوقت الحاضر، خاصة أمام الكوارث التي تهدد المنطقة والتي لا يمكن التصدي اليها دون تعاون شامل. ويصنف أحد الباحثين الجزائريين هذه المخاطر ضمن ثلاثة انواع، منها الاستراتيجية، مثل استحالة بناء اقتصاد حقيقي في كل بلد علي حدة بسبب ضعف السوق والمؤسسات الصناعية، ومنها الطارئة مثل انفلونزا الطيور، ومنها التي تتطلب تنسيقا جهويا مثل التعامل مع الهجرة الافريقية.فالسوق المغاربية تشكل ما يساوي السوق الألمانية، وسيبلغ عدد سكان المنطقة مائة مليون نسمة بعد 15 سنة، لكن من المحتمل ان يبقي هذا الفضاء سوقا للمنتوجات الأوروبية والآسيوية، بسبب انعدام حد أدني من التنسيق في السياســـات الاقتصادية. ولا يمكن لأي بلد ان يدخل عددا من النشاطات مثل صناعة السيارات لانها تتطلب سوقا ورؤوس أموال لا يمكن التوصل اليها بصفة انفرادية.وقال أحد الاقتصاديين بسخرية انه حدث ان اشتري المغرب بترولا جزائريا أو ليبيا من سوق لندن بعد مروره بعدة وسطاء، رغم ان القادة المغاربة يتكلمون منذ عقود عن التكامل الاقتصادي بين بلدان المنطقة. ولم تتجاوز التبادلات الاقتصادية بين بلدان المغرب العربي 2 بالمئة من مجموع تجارتها الخارجية، حسب تصريحات أدلي بها الثلاثاء الماضي الوزير الأول الجزائري الأسبق اسماعيل حمداني الذي قال انه لا يمكن بناء المغرب العربي اذا كان كل طرف يسبح لوحده. لكنه (حمداني) مثل أغلبية المسؤولين الجزائريين لم يقم بأي عمل يُذكر له في هذا السياق لما كان في السلطة.وتكلمت صحف كثيرة عن احتمال تجاوز هذا الوضع علي اثر تعيين اللواء العربي بلخير سفيرا للجزائر في المغرب، بعد ان كان في قلب السلطة الجزائرية لمدة عقدين بصفته مدير مكتب رئيس الجمهورية. وقيل ان المهمة الأساسية للواء بلخير ستتعلق بحل أزمة الصحراء الغربية التي يدّعي القادة المغاربة انها العائق الأساسي لتطوير العلاقات بينها. لكن اتضح بسرعة ان الجمود ناتج عن أسباب أخري، خاصة في استغلال المشاعر القومية للحفاظ علي النظام القائم في كل بلد.ولما ظهرت المخاطر التي من الممكن ان تنتج عن انتشار محتمل لمرض انفلونزا الطيور، قال مسؤولون ان التشاور سيتسع بين بلدان المنطقة لمواجهة الخطر. لكن هذه المشاورات بقيت حبرا علي ورق، حيث لاحظ أحد الأطباء ان الطبيعة، وخاصة الصحراء بفراغها، ستحمي المغاربة أكثر من الوزارات . واقتصر كل بلد علي تدابير لا تتجاوز حدوده. ويتخوف هذا الطبيب من انتشار انفلونزا الطيور في افريقيا بالحجم الذي عرفه مرض الايدز الذي خلف أكثر من ثلاثين مليون قتيل في افريقيا لحد الآن، مع العلم ان انتشار فيروس انفلونزا الطيور سيكون أكثر تدميرا من فيروس الايدز اذا اصاب الانسان.أما المشكلة الثالثة التي عجز المغاربة عن التنسيق لمواجهتها، فتتمثل في الهجرة الافريقية نحو الشمال، مرورا ببلدان الغرب العربي. ويقول علي بن سعد، باحث جزائري في الهجرات الانسانية، ان خمسة الي عشرة ملايين افريقي سيجتاحون لبلدان المغرب العربي خلال الخمس عشرة سنة القادمة، سواء ليستوطنوا فيها أو ليستعملوها كمعبر نحو أوروبا. ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بصفة انفرادية كما أثبتت التجربة. فكلما اُغلق طريق للهجرة، برز طريق آخر، وآخرها الطريق الذي يمر عن شمال موريتانيا ثم الصحراء الغربية وجزر الكناري باسبانيا. وتقول آخر الاحصائيات ان أكثر من ألف افريقي لقوا حتفهم في محاولة للوصول الي جزر الكناري انطلاقا من موريتانبا منذ بداية السنة، مما يؤكد حجم الهجرة من خلال هذا المعبر الذي يعتبر جديدا نسبيا، كما يؤكد حجم المشكلة التي ستجتاح كل المنطقة.وحتي الصحراء الغربية التي ما تزال محل نزاع بين المغرب وجبهة البوليزاريو، فانها تعرف تدفقا للمهاجرين. وبينما اجتاحت المنطقة فيضانات دمرت الهياكل الهشة في مخيمات اللاجئين الصحراويين، وجد مسؤولو البوليزاريو انفسهم مضطرين للتكفل بلاجئين أفارقة وصلوا الي الصحراء الغربية مرورا بموريتانيا وغيرها. وبينما كان الصحراويون يقتسمون جوعهم مع الأفارقة، نشب جدل بين الجزائر والمغرب حول أحسن الطرق لمساعدة المنكوبين الصحراويين.ويقول محلل سياسي جزائري ان البلدان المغاربية ستذهب حتما الي الوحدة، واذا لم تختر هذا الطريق بارادتها، فان القوي الكبري ستدفعها اليه. والارجح ان تتم الوحدة تحت اللواء الأمريكي . ويعتبر ان أمريكا بدأت العمل في هذا الاتجاه بفرض تعاون في محاربة الارهاب، وتوسع هذا التعاون الي ميادين أخري مثل حماية حقول المحروقات ومعابر النفط وغيرها.أما أوروبا فتريد للمغرب العربي ان يتوجه نحو حد أدني من الوحدة ليضمن نوعا من الازدهار، وهو الطريق الوحيد الذي سيدفع المهاجرين الأفارقة الي البقاء في شمال افريقيا بدل العبور الي أوروبا. واذا تحقق ذلك، تكون البلدان المغاربية قد اضطرت الي طريق الوحدة لا خدمة لشعوبها أو لتحقيق أحلام المغرب العربي الموحد، بل ستفعل ذلك لحماية مصالح أمريكا وأوروبا. ويلخص ذلك المؤرخ الجزائري محمد حربي بقوله: اذا عجزت القوي الاجتماعية والسياسية الداخلية ان تقوم بالمبادرات الضرورية لتحريك الوضع، فان قوي خارجية ستتكفل بالمبادرة لتحولها لصالحها .9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية