دمشق – من زينة شهلا:بعد توقف دام أكثر من شهرين، بسبب إجراءات الوقاية من انتشار فيروس كورونا، شهدت العاصمة السورية دمشق نهاية الأسبوع الفائت استئناف النشاط المسرحي مع عرض «منحنى خطر»، الذي قدمه مسرح حلب القومي على خشبة مسرح الحمراء.
وامتد العرض على مدار ساعة ونصف الساعة، وهو من تأليف الكاتب البريطاني جي بي بريسلي، وإعداد حسام خربوطلي، وإخراج حكمت نادر عقاد، وبطولة حسام خربوطلي، وعبير بيطار ومحمد سقا ومنيسا ماردنلي وطارق خليلي ونغم قوجاك.
ومع الإجراءات المتخذة لضمان الوقاية والتباعد الاجتماعي، التي تضمنت الفحص الحراري والتعقيم لكافة الحضور، استقبل المسرح فقط ثلاثين في المئة من طاقته الاستيعابية، وامتلأت كافة المقاعد التي سُمح للحضور بالجلوس عليها، في حين وضعت شرائط على بقية المقاعد وكتبت عليها كلمة «مُلغى».
نحن قبيحون عندما نقول الحقيقة
مع بداية العرض نرى غرفة كبيرة فخمة، وثلاث نساء «لورا وأسيل وزين» يستمعن لمسرحية عبر إحدى المحطات الإذاعية، تنتهي بطلقة رصاص وصوت صراخ امرأة، يبدو وكأنها شهدت حادثة انتحار شخص ما. وتتحدث النساء الثلاث بعد انتهاء العرض الإذاعي عن «الحقيقة التي قد لا نتمكن على الدوام من البوح بها كاملة، ولا بد من أن يبقى جزء منها مخبأ في أعماقنا تجنباً لأي أضرار محتملة». بعد دقائق نتعرف إلى الشخصيات الثلاث الأخرى «بسام وورد وجاد»، القادمين من الغرفة المجاورة، لنصبح أمام ثلاثة أزواج من عائلات غنية وأرستقراطية، لا نعرف بالضرورة في أي حقبة ومكان يعيشون، لكن من الواضح أنهم أصدقاء وأقرباء اعتادوا تمضية الكثير من السهرات المشابهة معاً، وتربطهم علاقات قوية ومتينة.
وتبدأ الأحداث بالانزلاق، وفق تعبير أبطال المسرحية، مع صندوق خشبي صغير تعود ملكيته للبطل السابع الغائب، الذي لا نراه، «مطر»، وهو أخ بسام وزين، وقد قضى منتحراً في كوخه الخشبي، بعد أن أطلق النار على نفسه، وكان الجميع يعتقدون بأنه سرق مبلغاً مالياً من خزينة شركة العائلة الثرية.
وفي شكل تدريجي، يتحول الصندوق إلى أداة تكشف الكثير من القصص المخفية، وتتسبب بخلافات حادة، حيث تختلف الروايات حول مصدره وملكيته، ونبدأ بسماع اعترافات متتالية من الشخصيات الست، التي نكتشف بأن علاقاتها حقيقة ليست كما هي في الظاهر، فهناك سيدة تحب أخ زوجها، وزوجان غير سعيدين، لأن الزوج مثلي وعاجز عن الانجذاب لزوجته، وإنما لرجل آخر، وسارق متخفٍ في ثياب شخصية نبيلة، كما نعرف بأن حادثة الانتحار هي جريمة قتل غير متعمد.
وتؤدي كل هذه الاعترافات لدخول بسام إلى غرفته وانتحاره بواسطة مسدس، ليعيدنا صوت الطلقة والصراخ اللاحق لها، لآخر مشهد من المسرحية الإذاعية، التي ابتدأ العرض بها، فنرى النساء الثلاث، وقد جلسن مرة أخرى كما في بداية العرض، وهن يستمعن للمسرحية ويضحكن، ثم يدخل الرجال الثلاثة ويتابع الجميع سهرتهم وكأن شيئاً لم يكن، ويختفي الصندوق الخشبي ـ وكان مفتاح الاعترافات – من المشاهد الأخيرة التي تنتهي بالرقص والضحك، وكأن الجميع تراجع عن ذلك المنزلق الخطر الذي كشف جميع الحقائق البشعة، وعاد للحياة التي يعتقد بأنه سعيد فيها، رغم أنها وهم وخداع.
«الحقيقة هي منحنى خطر. تشبه رجلاً عجوزاً يتزلج ويتفاجأ بوادٍ سحيق، لا يتمكن من تجنبه، فينزلق فيه ويقع ويتعرض لإصابات بليغة»، هي عبارة تتكرر على لسان أبطال العرض، وتلخص فكرته بصعوبة قول الحقيقة، وأيضاً صعوبة تصديقها.
النص محرّض للخيال
في لقاء مع «القدس العربي»، يتحدث مخرج عرض «منحنى خطر» حكمت نادر عقاد، ومعد العرض حسام خربوطلي عن مراحل اختيار النص وإعداده وإخراجه، الأمر الذي استغرق عدة أشهر من العمل المستمر، قبل تقديمه للمرة الأولى في حلب نهاية العام الفائت على مدار أسبوعين، ومن ثم في دمشق هذا الشهر.
ويصف النص الأصلي بأنه «محرض للإبداع وفيه شيء جديد ومتجدد على صعيد الفكرة، ويصلح لأي زمان ومكان»، ما دفعه لاختياره والتعاون مع خربوطلي على إعداده ليكون قريباً من المجتمع السوري، ومقبولاً من حيث اللغة والمفردات المستخدمة، التي تناسب المسرح السوري الآن، وتجذب جميع شرائح الجمهور على اختلافها. وشملت عملية الإعداد كما يقول خربوطلي تبسيط لغة النص المكتوب في بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، ما يعني أنه كان موجهاً لشريحة مختلفة، وبطريقة مسرحية مغايرة للوقت الحالي، وتحويله لمادة سهلة يمكن الاستماع إليها أو حضورها، بدون أي إحساس بالغرابة أو عدم الألفة، «وتم ذلك عن طريق تحديد خط فعل لكل شخصية، وخط بياني لكل العمل وإيقاع لا يكون سريعاً بطريقة مزعجة للمشاهد أو بطيئاً بما يسبب الملل» يضيف.
ويرى أن هناك العديد من النصوص غير السورية، القادرة على معالجة قضايا تمس المجتمع السوري، «فهناك الكثير من القضايا المشتركة بين جميع البشر، وأي نص نرى أنه يعالج قضية تعنينا يمكن أن نتبناه». لكن أحد التحديات التي تواجه هذا التبني يتمثل في أن معظم الترجمات المتوافرة، التي يقوم بها غالباً أشخاص غير مسرحيين، لا تكون أمينة في نقل الموسيقى والإيقاع المرتبطين بكل شخصية، والخطوط التي تبدأ وتنتهي عندها.
وأثناء عملية الإعداد، تقصّد المخرج والمعد، عدم تحديد أحداث العرض بمكان أو زمان أو بيئة معينة، «بل تركنا الأمر مفتوحاً وافترضنا فقط بأننا نتحدث عن عائلات من الطبقة الارستقراطية في مجتمع ما، بدون أن نقصد تعرية مجتمع بعينه»، يضيف عقاد.
ورغم الأزمة التي تعاني منها سوريا بشكل عام، على مستوى الكوادر البشرية مع هجرة الكثيرين خارج البلاد، تمكّن المخرج من استقطاب ممثلين من الصف الأول في مدينة حلب، ممن يتمتعون بخبرة جيدة في التمثيل المسرحي، وفق حديثه. ومن اللافت عدم وجود موسيقى مرافقة للعرض، والاكتفاء بمؤثر صوتي واحد، هو دقات ساعة ذات صوت مرتفع تُسمع عند كل لحظة تحمل تغييراً في الأحداث، ومبرر ذلك حسب عقاد «التركيز على الموسيقى الداخلية لدى الممثلين، حيث يحمل العرض ستة إيقاعات مختلفة، تمثل أحاسيس الممثلين أثناء أدائهم لأدوارهم وانتقالهم بين اللحظات المفصلية في العرض»، أي الاعترافات المتتالية من كل منهم. «إذا كان لنا أن نصف عرضنا بالجريء فهو، لأننا اخترنا أن نتحدث عن فكرة الحقيقة، وهي أمر قد يصعب أن نقوله وأن يصدقه الآخرون، لكنه في نهاية المطاف قد يحدث ولو لمرة واحدة» يقول المخرج في حديثه وأيضاً في البطاقة التعريفية عن عرضه المــسرحي.