د. لبيب قمحاوي يخطئ كل من يظن أن بإمكان أي شعب أن يُبحِر في أمانيه الوطنية دون أي اعتبار لمتطلبات أو ملابسات واقعه الإقليمي و الامتدادات الدولية لذلك الواقع. فهذا العالم الكبير الصغير قد فشل حتى الآن في التصرف كوحدة واحدة تربطها مصلحة الجنس البشري في البقاء ضمن ظروف وشروط عادلة للجميع حتى ولو كان ذلك العدل بدرجات متفاوتة. فالذاتية والمصالح الوطنية بتحالفاتها الإقليمية والدولية تبقى سيدة الموقف، ولم يستفد من ذلك إلا الأنظمة الديمقراطية التي نجحت في العمل على خدمة أوطانها ضمن ضوابط أسهمت في نجاح واستمرار تلك الأنظمة واستقرار دورها في تعزيز وتنمية مصالح شعوبها. أما العرب فقد وقعوا ضحية تراث حضاري أبوي يؤمن بالحاكم القائد الملهم الخالد و المُخَـلـَّد بغض النظر عن مصالح الشعب الذي يحكمه. و انتقل العرب عبر السنين من نظام بائس إلى نظام أكثر بؤساً وهانت الشعوب على حكامها و هانت الأمة على نفسها حتى ظننا أننا قد وصلنا إلى الحضيض، وحتى ذلك فشلنا به. فكلما اعتقدنا أننا قد وصلنا إلى القاع، اكتشفنا أن الحاكم السيد الملهم قد حفر قاعاً أعمق و أكثر سواداً حتى فقدنا الإرادة و احترام النفس و احترام الغير لنا، واختلطت الأمور حتى أصبح البعض يناشد الحاكم الملهم أن يأخذ المزيد وان لا يعطي شعبه شيئاً وأن الشعب لا يستحق حتى القليل الذي يعطيه له ذلك الحاكم. هذه ليست خطبة سوداوية في يوم مكفهر بائس، ولكنها سرد مؤسف لواقع الحال الذي كان ملازماً للعرب طيلة عقود عديدة مضت. و لكن، ما الذي حصل وجعل من ثورة الشعوب على حكامها والتي جاءت في سياق ظروف وعوامل داخلية متفاقمة، أمراً لا يمكن حله والوصول به إلى نتيجته المرجوة إلا من خلال تدخل قوى إقليمية ودولية فاعلة ومؤثرة. مرة أخرى الإجابة معروفة لدى معظمنا و لا تحتاج إلى إراقة مزيد من الحبر والوقت لتدوينها، وإن كان من الضروري الإشارة إلى عاملين هامين: الأول هو أنانية الحكام المستبدين وجشعهم للسلطة والمال والذي وصل إلى حد الإجرام وقتل أبناء شعوبهم دون رادع إنساني أو أخلاقي، والثاني العمل من قبل أولئك المستبدين المجرمين على إفراغ الحلبة السياسية لمجتمعاتهم من أي مضمون سياسي حقيقي أو تنظيمات سياسية أو مؤسسات فاعلة تسمح بانتقال السلطة بشكل معقول. وتم ربط معظم مؤسسات الدولة بالنظام بحيث أصبحت تلك المؤسسات انعكاساً للنظام تبقى ببقائه وتزول بزواله. وهكذا، أضحينا عشية نجاح أول ثورتين في تونس ومصر أمام حقيقة مرعبة تتلخص بأن التخلص من أشخاص النظام شيء، ومن تراث النظام البائد شيء آخر. وأن ما ظنه البعض نهاية المشاكل شَكـَّل، في الواقع، بداية المشاكل نظراً لأن التخلص من أشخاص النظام ومؤسساته قد خلق فراغاً سياسياً ملحوظاً لم تتمكن تلك الثورات الشابة الفتية العفوية من ملئه خصوصاً وأن تلك الثورات لم تكن نتيجة جهود منظمة لتنظيمات أو أحزاب سياسية لها برامجها وكوادرها، وإنما من قبل شعب مقهور و مظلوم و غاضب على واقع لم يعد بإمكان الأجيال الجديدة من الشباب التعايش معه أو القبول به. وقد فاقم تلك الحالة قيام ثورات في دول عربية أخرى مثل ليبيا واليمن والبحرين وسورية تحكمها أنظمة دموية لا تريد ترك الحكم حتى لو ذبحت الشعب و قضت على مؤسسات الوطن وإنجازاته باعتبار أن بقاء النظام و على رأسه الحاكم المستبد الملهم هو المكسب الحقيقي للوطن. و قد أدى هذا الوضع إلى مضاعفة أزمة الفراغ السياسي و قدمت العذر وفتحت الباب أمام القوى الدولية لنصب شراكها وفخاخها للولوج إلى داخل تلك الأوطان العربية و العبث بمسار الثورة ومستقبل الوطن. وهنا لابد من التركيز على أن من فتح الباب أمام تدخل القوى الخارجية و الإقليمية في الشؤون الداخلية لتلك الدول العربية هو جبروت الأنظمة المستبدة وأنانيتها و دمويتها وليس كما يهيئ للبعض أن السبب هو قيام تلك الثورات بحد ذاتها. أمر عجيب ويدعو إلى العجب. كيف يستطيع البعض أن يلوم ثورة الشعب باعتبارها السبب في فتح الباب أمام تدخل تلك القوى الخارجية و ينسى أو يتناسى أن ذلك حق للشعب وأن اللوم يقع على طبقة الحكام المجرمين التي قـَدّمتْ من خلال سلوكها الدموي العذر للقوى الخارجية للتدخل تحت مختلف الشعارات الإنسانية. أقول هذا ونحن نستمع للبعض يوجه اللوم، مثلاً، إلى الشعب السوري على ثورته ويعطي الأعذار لنظام مجرم على جرائمه بحق شعبه على أساس أن هذا النظام مقاوم. مقاوم لمن؟ مقاوم للعدو الصهيوني أم لشعبه الثائر؟ أمر يدعو إلى الحزن و نحن نرى الحقيقة تـُقلـَب وتُـزيَّف خدمة للشيطان. مرة أخرى نعود إلى البداية، ما هو مستقبل ثورات ما يسمى بالربيع العربي، وما الذي نحن مقبلون عليه؟ في الوقت الذي ينظر فيه العرب إلى مستقبل العالم العربي باعتباره أمراً يخصهم وأنه محصلة و ترجمة لتفاعلات تجري داخل المجتمعات العربية المختلفة، ترى قوى أخرى إقليمية ودولية أن العرب لا يستحقون ذلك الحق في تلك الخصوصية استناداً إلى فشلهم التاريخي المتواصل في الحفاظ على حقوقهم السياسية ومصالحهم الاقتصادية من جهة، وترجمة لإرث علاقة التبعية التي أسسها الحكام المستبدون مع القوى الإقليمية والدولية مقابل دعمها لبقاء أنظمتهم المارقة في السلطة. وهذا الإرث قد ترجم نفسه على مر السنين بمنظومة معقدة من السياسات الخارجية التابعة والمصالح الاقتصادية المتشابكة وطبقات من المسؤولين المدنيين والعسكريين الفاسدين والمرتبطين بطريقة أو بأخرى بالمصالح الإقليمية والدولية خارج حدود بلادهم. وهذا بدوره قد جعل من استمرارية أي نظام من تلك الأنظمة المستبدة ضمانة ضرورية لاستمرار تلك السياسات وتلك المصالح. معادلة واضحة قامت من خلالها الأنظمة المستبدة بمقايضة أوطانها و مصالح ومستقبل شعوبها مقابل الحصول على الدعم اللازم لاستمرارها في السلطة بالرغم عن إرادة شعوبها. وهكذا كان من المنطقي أن تخلق ثورات التغيير التي استهدفت تلك الأنظمة حالة من الذعر في أوساط بعض القوى الإقليمية والدولية التي استفادت من علاقتها بتلك الأنظمة خصوصاً و أن تلك القوى تعتبر الدفاع عن تلك المكتسبات حقاً لها. وهذا الموقف الخطير قد جوبه بخطر أشد متمثلاً في الفراغ السياسي والمؤسسي الذي أفرزه انهيار بعض تلك الأنظمة. لقد دفع وجود ذلك الفراغ السياسي القوى الخارجية صاحبة المصلحة إلى العمل بـِهـِمَّة على إيجاد البديل الذي يمكن أن يملأ الفراغ السياسي والمؤسسي مع المحافظة على المصالح المكتسبة لتلك القوى، وأهمها التبعية السياسية والاقتصادية. وقد شَكـَّل ذلك تحدياً لا يستهان به لتلك القوى وهي تعمل ضمن فراغ سياسي مؤسسي وثورة شعبية جامحة، مما جعل موضوع الإطالة و المماطلة وعدم الحسم في ليبيا واليمن وسورية شرطاً خفياً من القوى الدولية ذات العلاقة، إلى حين إيجاد البديل الذي تتوفر فيه الشروط المطلوبة في الإصلاح السياسي وتداول السلطة ووقف الفساد ولكن، وفي نفس الوقت، الحفاظ على المصالح الإقليمية والدولية المتشابكة التي تم تأسيسها بالتعاون مع الأنظمة العربية الهالكة. بمعنى آخر المعادلة المطلوبة تنص على أن ما يحدث في الداخل هو شأن عربي بشرط أن لا يمس السياسة الخارجية والمصالح الاقتصادية والأمنية المرتبطة بتلك الدول والتي تعتبر خطاً أحمر لا يجوز لأي نظام جديد المساس بها. معادلة متوقعة لولا أنها ستؤدي عملياً إلى اغتيال الثورة في مهدها وتحويل الفرح إلى مأتم والربيع العربي إلى شتاء قارس.
من هي القوى المرشحة للعب هذا الدور؟ تعتبر الحركات الإسلامية السياسية هي المرشح الأوفر حظاً للعب هذا الدور، خصوصاً وأنها الأكثر انتشاراً في الدول العربية قيد التغيير مما قد يساعد على إبرام صفقة عامة مع الحركات الإسلامية المختلفة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية. إن كون البرنامج السياسي للحركات الإسلامية في معظمه برنامجاً داخلياً يهتم بسلوك الفرد وأسلمة المجتمع ودينية الدولة أكثر من اهتمامه بالقضايا السياسية والاقتصادية الخارجية قد جعل من تلك الحركات مرشحاً قوياً جداً لخلافة تلك الأنظمة الهالكة من وجهة نظر القوى الإقليمية والدولية ذات العلاقة بشرط توفر أمران هامان يتوجب على تلك الحركات الإسلامية إعطاء الضمانات المطلوبة بشأنهما. الأمر الأول يتعلق بإسرائيل، والأمر الثاني يتعلق فيما يسمى بالأصولية المسلحة أو ‘الإرهاب الدولي’ أي العمل المسلح الذي يتخطى حدود الدول. وهنا، فإن قدرة بعض الحركات الإسلامية السياسية المرشحة للمشاركة في الحكم في حقبة ما بعد الأنظمة الشمولية على الخروج برؤيا مرنة تجاه إسرائيل، والالتزام بمعاهدة السلام في الحالة المصرية، بالإضافة إلى السيطرة على التنظيمات الأصولية المسلحة و على ما يسمى ‘بالإرهاب الأصولي’ هما شرطان أساسيان للسماح لها للمشاركة في الحكم. ويبدو أن حزب التقدم و العدالة في تركيا يشكل نموذجاً يتوجب على الحركات الإسلامية العربية المرشحة للمشاركة في الحكم أن تقتدي به وأن تقدم الضمانات على قدرتها على لعب دوراً مماثلاً كل في بلده. وبالتالي فإنّ موقع تركيا الإقليمي والدعم الأمريكي والأوروبي لها للعب دوراً إقليمياً قائداً يعتبر أمراً شبه محسوم الآن. خلافاً لما يمثله النموذج الإيراني، فإن النموذج التركي قد يشكل منارة لما يمكن أن يكون مقبولاً على المستوى الإقليمي والدولي في حال حُصِرَ الخيار في الحركات الإسلامية. وفي هذا السياق، فإنه لمن المتوقع أن تلعب تركيا دوراً حاسماً، وإن كان منسجماً مع مصالحها الوطنية، في توجيه الأمور داخل الإقليم العربي وقد تشكل جسراً للتواصل والنصح بين قوى دولية مثل أمريكا و أوروبا الغربية وبين بعض الحركات الإسلامية داخل مجتمعات التغيير العربي. و هذا لا يعني أن الحركات الإسلامية سوف يُسمح لها بمصادرة ثورات التغيير وحصد ما زرعه شباب الثورة منفردة، بل سيتم العمل على إعطائها دوراً مشاركاً بارزاً خلال الحقبة الانتقالية في معادلة تسمح للحركات الإسلامية بتطبيق أوجه من برنامجها المحلي، مقابل سماح تلك الحركات لقوى أخرى، مثل المؤسسة العسكرية وبعض قوى المجتمع المدني، في الحفاظ على علمانية الدولة وعدم المساس بسياسات دول المنطقة في تبعيتها لأمريكا و بعض دول أوروبا الغربية. والتصريح الذي صدر مؤخراً عن المجلس العسكري الحاكم في مصر باعتبار مدنية الدولة خطاً أحمر هو على ما يبدو في سياق الأمور بانتظار تطبيق صفقة التحالف تلك على الصعيد المصري حيث من المتوقع أن تكون مصر الرائدة في تطبيق هذه المعادلة الجديدة. إن ما يجري الآن في العديد من الدول العربية من ثورات تطالب بالإصلاح والتغيير وبأيدي شبابية وبأسلوب سلمي يشكل إضافة نوعية ومنارة هادية لقوى الإصلاح والتغيير السلمي في العالم. ومن هذا المنظور، فإنه لمن الطبيعي أن نشاهد انعكاسات لهذا الأمر على المستويين الإقليمي والدولي في اتجاه تعزيز مواقف القوى الإنسانية المطالبة باحترام حقوق المواطن الأساسية ومتطلباته الحياتية أولاً وبمعزل عن قوى التحفيز السياسي ابتداءً. وهكذا يصبح من الصعب احتواء ما يجري عربياً ضمن الحدود الجغرافية وحجب أثره الإقليمي عن باقي دول المنطقة حتى الأعداء منها. فما يجري الآن مثلاً في داخل المجتمع الإسرائيلي من حركات احتجاج هو في سياق المطالب الشعبية الحياتية والمتعلقة بالحقوق الأساسية للمواطن بغض النظر عن الآثار السياسية المترتبة عليها وعلى برامج اليمين الإسرائيلي السياسية والاستيطانية في حال استمرارها. وفي السياق نفسه، فإننا قد نشاهد تحول الثورات العربية الحالية إلى نموذج يحتذى وأن تقدم أسلوباً جديداً في الثورات الجماهيرية المستندة إلى مطالب أساسية وحياتية أكثر منها إلى مطالب سياسية وقد يكون في ذلك نقلة نوعية تساعد على خلق إجماع شعبي خلف الثورات الجماهيرية. وعلى هذا الأساس يصبح من الضروري تضافر كافة الجهود العربية وجهود قوى الإصلاح والتغيير الشبابية في أنحاء العالم في اتجاه إنجاح التجربة العربية لأن إفشالها سوف يصب في صالح القوى المحافظة المعادية للإصلاح والتغيير في العالم العربي وفي كل مكان آخر في هذا العالم المنكمش.
وقد يثبت الوقت أن اصطلاح ربيع العرب قد يدخل في قاموس السياسة تماماً كما دخل اصطلاح الانتفاضة في القاموس السياسي. ولكن تقاس الأمور بنتائجها، وما يهمنا الآن لا يجب أن يكون محصوراً في تزويد العالم باصطلاح سياسي بقدر ما يجب أن يهدف إلى إعطاء العالم آلية جديدة للتغيير ومثالاً يحتذى في كيفية إحداث التغيير وفي ذلك فقط تكون الإضافة النوعية للتراث السياسي الإنساني. ‘ اكاديمي وسياسي أردني